البندقية 83 - "سيد نيلسون…“: الماضي جحيماً
سيد نيلسون، هل قتلتَ بشراً؟". سؤال بسيط في ظاهره، لكنه يفتح في فيلم الياباني شينيا تسوكاموتو جرحاً.
يعود المخرج المعروف بسينماه العنيفة والمضطربة، والمعادي للعسكرة، إلى الحرب من زاوية مختلفة، في أول فيلم طويل له باللغة الإنكليزية والمعروض في مسابقة مهرجان البندقية السينمائي (2 - 12 الجاري).
لا يصوّر المعركة نفسها، وإنما ما تتركه داخل الإنسان بعد عقود من انتهائها. ألن نيلسون (رودني هيكس)، جندي أفرو أميركي خدم في فيتنام، وعاد من الحرب حاملاً ذاكرة ما ارتكبه هناك. كان شاباً فقيراً يحاول الهرب من طفولة قاسية، فإذا به يجد نفسه في غابة فيتنام أمام رجال ونساء وأطفال يصبح قتلهم جزءاً من مهمّة عسكرية. ما كان في البداية فعلاً مستحيلاً على النفس، يتحوّل، في الحرب، إلى عادة.

لكن الجسد يستطيع أن يخرج من الحرب، فيما تظلّ الذاكرة عالقة فيها. بعد سنوات، يروي نيلسون تجربته لطبيب نفسي (جيفري راش). ومن خلال هذا الاعتراف، يعيد تسوكاموتو تركيب الحرب من داخل ضحيتها غير المرئية: الجندي الذي عاش، لكنه لم ينجُ. فالحرب لا تترك وراءها قتلى فحسب، هناك أيضاً مَن يواصل حياته محمّلاً ما فعل، خصوصاً حين يبقى فيه ضمير قادر على تحويل الماضي إلى عذاب وأسئلة وهواجس.
تزداد مأساة نيلسون تعقيداً لأنه يدخل الحرب محمّلاً تاريخاً آخر من العنف، هو تاريخ التمييز والفقر في أميركا. وهكذا تتقاطع حرب فيتنام مع حرب اجتماعية سبقتها، ليصبح الجندي الذي أُرسل لقتل الآخرين ضحية لمنظومة أعمق. قوة الفيلم في هذا الانتقال من الجبهة إلى الداخل، ومن مشهد القتال إلى تشريح الذاكرة. لكن تسوكاموتو، مثل فلوريان زيلر في ”ملجأ“، لا يقاوم دائماً إغراء الخطابية.

حين يثق بالصورة، بوجه نيلسون وارتباكه، يسمو الفيلم، وحين يشعر بالحاجة إلى تفسير ما يعنيه كلّ ذلك، يصبح أقل غموضاً، وما الطبيعة البشرية سوى غموض بغموض. والخطابية هنا ليتها مجرد كلام، انها رغبة الفيلم في ضمان وصول مضمونه إلى المُشاهد، وهذه مفارقة مؤسفة، لأن مأساة نيلسون لا تحتاج إلى مرافعة. يكفي أن نرى رجلاً بعد عقود من الحرب لا يزال يعيش مع هواجس. الجندي قد يرمي سلاحه وينتهي بالنسبة إليه القتال، لكن الحرب التي دخلت رأسه لا تملك تاريخ صلاحية.
نبض