البندقية 83 – "ملجأ" لفلوريان زيلر: البقاء للأغنى؟
بعد "الأب" و"الابن"، يقتحم الفرنسي فلوريان زيلر عائلة بأكملها، في مقدّمها الأب والأم، يؤدّي دوريهما خافيير باردم وبينيليوبي كروز، في أول لقاء سينمائي لهما منذ "الكلّ يعلم" لأصغر فرهادي. جديده، "ملجأ"، المعروض في مسابقة مهرجان البندقية السينمائي (2 - 12 الجاري)، يعرفنا الى مهندس ذائع الصيت، تحيط به هالة النجاح والاعتراف الدولي. زوجته تعمل في دار للنشر وتتطّلع إلى منصب مهني أعلى. غادرا مدريد ليستقرا في منزل فخم في لندن. حياتهما تبدو مكتملة من الخارج، يشي بها الوسط الاجتماعي الذي ينتميان إليه والأشخاص الذين يدورون في فلكهما.
لكن شقّاً صغيراً سرعان ما يظهر في هذه الصورة. يبدأ كلّ شيء حين يفتح الجار نافذة في مرأبه تطلّ مباشرة على حديقة الزوجين، فيشعر الرجل بأن خصوصيته قد اخترقت. المسألة تتجاوز الانزعاج العابر، فهو يعيش أصلاً تحت رحمة البارانويا، ويقرأ الخطر في تفاصيل كثيرة. في الوقت نفسه، يتلقّى عرضاً مغرياً من أحد أقطاب التكنولوجيا المعجب بعمله: بناء ملجأ خاص، لقاء مبالغ خيالية، يؤمّن له الحماية في حال حدوث انتفاضة شعبية أو انهيار النظام العالمي القائم. وكأن الكارثة باتت على مرمى حجر، وبالتالي يستعد الأثرياء لليوم الذي قد ينقلب فيه العالم عليهم.
كما هي غالباً الحال في هذا النوع من الدراما الحميمة، التي تتبلور داخل عدد محدود من الديكورات الداخلية، يتحوّل تفصيلان (نافذة تُفتح على حديقة، وحفرة تُحفَر في الأرض) إلى مدخلين لتنقيب أعمق في حياة زوجين تبدو مستقرة وناجحة. الاستقرار موجود فعلاً، والنجاح أيضاً، لكن تحت السطح تتراكم اختلافات الرغبات والتطلّعات، وتتّسع المسافة بين الرجل والمرأة، في الوقت الذي يزداد فيه العالم الخارجي إثارة للقلق.

تدخل التكنولوجيا إلى المعادلة باعتبارها وعداً بالخلاص وخطراً في آن. حتى المأوى الذي يفترض أن يحمي صاحبه، يتحول، تدريجاً، إلى ما يشبه الفخ: نظام مغلق يمكن أن يعيد إنتاج علاقات القوة ذاتها. في أكثر لحظات الفيلم قتامةً، تبلغ هذه الفكرة ذروتها مع تقنية التوزيع الهرمي للأوكسيجين داخل المخبأ، حيث يصبح في إمكان الغني صاحب السلطة، إذا اضطر إلى ذلك، أن يقرر مَن يستحق الحياة ومن يمكن التضحية به.
كلما ازداد العالم اضطراباً، ازداد الأوفر حظّاً تشبثّاً بموقعه، وضرب حول نفسه طوقاً تكنولوجياً يحميه من الآخرين. لكن زيلر يلمّح إلى مفارقة: حين يصبح الخوف هو الأساس الذي تُبنى عليه الحماية، يصبح المخبأ مكاناً تتكثف فيه كلّ المخاوف والصراعات التي ظن أصحابه أنهم تركوها خارجه.
يعتقد المهندس، شأنه شأن كثير من الأثرياء، أن كلّ شيء قابل للشراء بالمال، بدءاً من الرغبات نفسها: رغبة الجار في فتح نافذة تطلّ على حديقته، وصولاً إلى رغبة زوجته في استعادة العلاقة الحميمة بينهما، وهي رغبة تعبّر عنها بحسرة. لكنه، بدلاً من أن يستعيد تلك اللحظة الحميمة معها، يذهب إلى محاولة شراء اللوحة التي تستعيد شيئاً من ماضيهما المشترك.
الفيلم، في جانب أساسي منه، عن الخوف: خوف الأثرياء من خسارة ما راكموه، ومن عالم يشعرون بأنه لم يعد مضموناً ولا آمناً. الشخصيات غير كريهة، وهذه نقطة تمنح الفيلم قدراً من الصدقية. إنهم أشخاص يمكن أن نصادفهم في حياتنا اليومية، نعرف أمثالهم ونفهم دوافعهم. لا يقدمهم زيلر ككائنات منفّرة، ولكن كبشر يعيشون داخل منظومة فقدت، من فرط الرفاهية، الكثير من معناها.
يدخل بنا الفيلم إلى هذا العالم المنقّح، الأنيق، الممل والمسطّح، حيث الأشياء نفسها تبدو وقد استنفدت معانيها منذ زمن بعيد، ومع ذلك تستمر في الدوران حول ذاتها، لتعيد إنتاج الفراغ نفسه. حتى الفنّ لا ينجو من هذه الدائرة المغلقة، كما في لوحات الرسّام الذي يرسم ثم يطلي ما رسمه بالسواد، في مبدأ يختصر عبث عالم ينتج الأشياء ثم يمحوها، لعله ينتجها فقط لكي يثبت أنه قادر على إنتاجها.

هذا فيلم عن الكثير ممّا يشكّل عقدة عالمنا الراهن: المال والسلطة والخوف والتكنولوجيا والفوارق الطبقية، وعن رغبة الإنسان في تحصين نفسه من الآخرين حتى ينتهي به الأمر محاصراً داخل خوفه. يحمل الزوجان، باردم وكروز، هذا العالم على كتفيهما، في الواقع كما على الشاشة، مع كلّ ما يمكن أن يوحي به لقاؤهما المشترك من غمزات إلى حياتهما الشخصية، فيتحوّل الفيلم إلى مسرح للارتياب والبارانويا.
يستوفي الفيلم شروطاً كثيرة من السينما التي تعرف كيف تزن الأشياء: بين الجاد والساخر، بين الشعبي والنخبوي، بين الشكل والمضمون، وبين الفكرة ومتعة سردها. لكن عيبه الأساسي أنه، في لحظاته الأخيرة، يتعامل مع المُشاهد كما لو كان قاصراً ينبغي أن يشرب بالملعقة. ففي الخاتمة، وبعد أن يكون قد قال كلّ شيء تقريباً بالصورة، يشعر زيلر بالحاجة إلى تلخيص ما شاهدناه بالتعليق الصوتي. لا تستغرق هذه اللحظة سوى ثوانٍ معدودة، لكنها كافية لإدخال الفيلم في خطابية كان طوال الوقت أذكى منها، فتسحبه خطوة إلى الأسفل.
ولعل على زيلر، الذي كان أفسد فيلمه "الابن" بالطريقة نفسها، أن يتعلّم أن السينما لا تحتاج دائماً إلى أن تكشف رسالتها. أحياناً، تكون أفضل طريقة لإيصال الفكرة هي أن نمتنع عن قولها بالكلمات، وأن نثق بذكاء المُشاهد.
نبض