كتاب "المنام والسجن وحجرة ابن الهيثم"... الأحلام تُبصر بعين القلب
يدرس كتاب "المنام والسجن وحجرة ابن الهيثم: قراءة جديدة للفضاء في الحضارة العربية" للباحثة لينا الجمّال، الصادر عن مركز أبوظبي للغة العربية، المنامات وكتب تعبيرها في القرون الهجرية الأولى، متناولاً طرائق استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلامية، وعلاقته بالفضاء بوصفه كياناً مادياً ومفهوماً رمزياً في آنٍ واحد.
تفتح الجمّال من خلال هذه المقاربة أبواباً على موضوعات متعدّدة، من بينها صلة الحضارة العربية-الإسلامية بحضارات قديمة عرفت الحالومة والاستخارة والمبيت قرب القبور، وتأثير البيئة المادية في منامات السجناء، ودلالات العمارة والتضاريس في كتب التعبير، فضلاً عن تأصيل التجربة المنامية في نظريات الفلسفة والإبصار التي وضعها علماء عرب، وفي مقدّمهم الغزالي وابن الهيثم.
يرتقي الكتاب بالمنام من تجربة فردية قد تُدرج في نطاق الخيال والخرافة إلى ظاهرة إنسانية تختزن رموزاً قادرة على كشف ملامح المجتمعات التي أنتجتها. ومن هذا المنطلق، تتتبّع المؤلفة تقاطعاته مع الأدب والفقه والفلسفة وعلم المناظر، مستندةً إلى طيف واسع من المصادر العربية والدراسات الأكاديمية الحديثة، فضلاً عن مخطوطات في علم التعبير لم تُنشر بعد.
المنام بعيداً عن فرويد
تنطلق الجمّال من حقيقة أنّ الاهتمام بالمنامات وتفسيرها ظاهرة قديمة عابرة للحضارات. ومثل سائر المعارف المتنقّلة، اكتسب علم التعبير عناصر جديدة كلّما انتقل من ثقافة إلى أخرى، فيما فقد عناصر أخرى أو أعاد تشكيلها. فقد أفاد التعبير الإسلامي من روافد هندية وفارسية ومصرية ويونانية، لكنه صاغ خصوصيته انطلاقاً من القرآن والسنّة والشعر والأمثال، ومن البيئة العربية بما تضمّه من صحارى ومساجد وبيوت وأسواق.

وتوضح المؤلفة أنّ اهتمامها بالموضوع بدأ خلال إعدادها أطروحة الدكتوراه في الجامعة الأميركية في بيروت، حين لاحظت التحوّل الذي أصاب دلالات بعض الرموز بعد انتقالها إلى الثقافة الإسلامية. فالهلال، على سبيل المثال، يدلّ عند الفرس على النصر، بينما ارتبط في التعبير الإسلامي بالحجّ. أمّا رغيف الخبز، الذي كان يرمز عند اليونانيين إلى المرض والفقر، فأصبح دالاً في الإسلام على العيش الطيّب والدين المعتدل.
ولا تقتصر أهمية كتب التعبير، بحسب الكتاب، على تأويل المنامات، إذ تختزن معارف أدبية ولغوية وتاريخية ودينية، وتقدّم معلومات عن الفقه والطهي والعمران والأسلحة والأثاث والأزياء والمهن والنبات والحيوان. وهي بهذا المعنى موسوعات مصغّرة ونوافذ تطلّ على العصور التي أُلّفت فيها. ومع ذلك، ظلّت هذه الكتب مهمّشة أكاديمياً، ووُضعت غالباً إلى جانب مؤلفات السحر والتنجيم، فيما بقي معظم تراثها مخطوطاً أو صدر في طبعات شعبية تفتقر إلى التحقيق العلمي الدقيق.
يتناقض هذا التهميش مع الدور الذي أدّته المنامات في التاريخ الإسلامي. فقد ارتبطت، وفق ما تنقله المصادر، بفتح مكة وصلح الحديبية، وبعزم البخاري على جمع الحديث، وبإقدام طارق بن زياد على فتح الأندلس، وبحركة الترجمة التي ازدهرت في عهد المأمون. وتُظهر هذه الأمثلة أنّ المنام لم يكن شأناً هامشياً، بل عنصراً حاضراً في صناعة القرار الديني والسياسي والثقافي.
وتنتقد الجمّال إخضاع كثير من الدراسات الحديثة هذه المنامات لنظريات سيغموند فرويد، مع أنها نتاج سياقات تاريخية وثقافية لم تكن في متناوله. ولا تنكر المؤلفة قيمة التحليل النفسي، لكنها ترى أنّ حصر المنام في الإطار الفردي يغفل المؤثرات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية. لذلك تتبنّى منظوراً عربياً أصيلاً، ينطلق من ابن قتيبة والغزالي وابن الهيثم وغيرهم، ويدرس المنامات داخل البيئات التي أنتجتها وأوّلتها وآمنت بقدرتها على أداء وظائف محدّدة.
المنام والفضاء
تستهلّ كتب التعبير عادةً بمقدّمات تتناول فضل الرؤيا وآداب الرائي والمعبّر ومناهج التأويل. وتؤكّد هذه المقدمات صعوبة وضع قواعد ثابتة لعلم التعبير، لأنّ التأويل يتغيّر باختلاف الرائي وأحواله، والمعبّر ومعرفته، وزمان المنام وطريقة روايته. ومع ذلك، حاول مؤلفوها ضبط احتمالات التأويل وإسناد معنى واحد أو أكثر إلى كل رمز.
لكن الجمّال تلاحظ أنّ هذه الكتب لم تمنح مكان النوم ما يستحقّه من اهتمام، وكأنّ المبيت في المسجد أو المنزل أو الطريق لا يصنع فارقاً. غير أنّ المصادر العربية والممارسات المستمرّة إلى اليوم تشير إلى قصد المساجد ومقامات الأولياء طلباً لرؤيا مخصوصة. ومن هنا تنطلق إشكالية الكتاب: ما العلاقة بين المنام والفضاء بمعناه الواسع، أي فضاء المبيت، والفضاء المصوَّر داخل المنام، والفضاء المؤوَّل في كتب التعبير؟
تستعين المؤلفة بفلسفة الغزالي لتطرح سؤالاً محورياً: بأيّ العينين يُدرَك الفضاء المتصل بالمنام، بعين الرأس أم بعين القلب؟ وللإجابة، تقارن بين حضور المنام في كتب الأدب وحضوره في كتب التعبير، وتدرس منامات السجناء وصلتها بالسجن، وتقارب المنام بوصفه رحلةً وانتقالاً بين الأمكنة. وتخلص إلى أنّ هذا الفضاء يُدرَك غالباً بعين القلب، لأنّه محكوم بالموروث الديني والثقافي المختزن في العقل الجمعي.
الدراسات السابقة والإطار التاريخي
تستعرض الجمّال مسار الاهتمام الأكاديمي بالمنامات الإسلامية خلال القرن العشرين، بدءاً من مؤتمر "المنام والمجتمعات الإنسانية" عام 1962، الذي مهّد لدراسات تناولت توظيف الأحلام سياسياً وصلتها بالنبوّة والجنّ وعالم المثال. ثم تقف عند أعمال توفيق فهد في الكهانة العربية وكتب التعبير، ولا سيّما رؤيته إلى المنامات باعتبارها وسيلة لرسم لوحة حيّة وملوّنة للمجتمع العباسي، مستدلاً بما أورده الدينوري من مئات المهن والحرف.

وتتناول المؤلفة إسهام أنّا ماري شيمل في دراسة تاريخ الأحلام في الثقافة الإسلامية وربطها صدق الرؤيا ببركة بعض الأمكنة. كما تعرض دراسة خيرت يان فان خلدر لرمزية المدن، إذ وجد أنّ المدينة المزدهرة تحمل دلالات محمودة، فيما ترتبط المدينة المدمّرة أو المهجورة بمعانٍ سلبية. وتشير كذلك إلى تأريخ جون لامورو للتراث الإسلامي المبكر في التعبير، وإلى بحث ناديا البغدادي في العلاقة بين البصر والبصيرة، واعتبارها المنامات فضاءً حفظ صوراً لأشخاص وأمكنة لم يُتح تصويرها في الواقع.
وتحضر أيضاً دراسة أميرة ميترماير للممارسات الدينية الشعبية في مصر، ولا سيّما زيارة الأضرحة طلباً للرؤى، ومقاربتها المنام بوصفه برزخاً بين عالمَي الشهادة والغيب. أمّا جمال إلياس، فيعدّ المنام جزءاً من الفنون البصرية الإسلامية، في حين ينبّه باحثون آخرون إلى خطورة الفصل الحادّ بين نصوص المنامات وكتب تعبيرها.
زمنياً، تركز الجمّال على المرحلة الممتدّة من القرن الثاني إلى القرن الخامس للهجرة، وهي حقبة تزامن فيها ازدهار الترجمة العباسية مع نضوج علم التعبير. وتبيّن أنّ هذا العلم كان في صلب الثقافة الإسلامية المبكرة، حتى إنّ عدد مؤلفاته قارب، وفق بعض الإحصاءات، عدد كتب تفسير القرآن. كما اشتغل به علماء من النخبة ألّفوا في الحديث والفقه والأدب والفلسفة والطب، مثل ابن قتيبة والدينوري والخركوشي وابن سينا.
التنوخي وكتب التعبير
تجمع الدراسة بين السياق السردي في أدب المحسّن التنوخي والسياق التأويلي في كتب التعبير. ويعود اختيار التنوخي إلى كثرة ما أورده من منامات، خصوصاً في كتابيه الفرج بعد الشدّة ونشوار المحاضرة. وقد استقى مادته من المشاهدة والسماع، فنقل صورة نابضة عن الحياة السياسية والاجتماعية والدينية في العصر العباسي.
في نشوار المحاضرة، جمع التنوخي على امتداد عشرين عاماً أخباراً تلقّطها من أفواه الرجال وفي المجالس، حرصاً على إنقاذها من النسيان. أمّا الفرج بعد الشدّة، فوضعه في أعقاب محن شخصية، وجمع فيه قصصاً عن الخلاص من الكرب، وخصّص فصلاً لمن انتقلوا من الشدّة إلى الرخاء بعد بشارة منام.
وتكشف منامات التنوخي مفارقة لافتة؛ فهو معتزلي، فيما يعدّ المعتزلة الأحلام أوهاماً، باستثناء رؤى الأنبياء، ويؤكّدون مسؤولية الإنسان عن أفعاله. ومع ذلك، تؤثر المنامات في مصائر شخصياته وتدفعها إلى اتخاذ قرارات حاسمة. وتقرأ الجمّال هذه المفارقة في إطار "الدين المعيش"، حيث لا تتطابق العقيدة النظرية دائماً مع الممارسة الاجتماعية. كما تبيّن أنّ الفرق الإسلامية المختلفة وظّفت المنامات لتعظيم علمائها والدفاع عن مذاهبها وتثبيت شرعية الحكّام.
وتعتمد الدراسة أربعة كتب كانت معروفة في القرن الخامس الهجري: تعبير الرؤيا لابن قتيبة، وهو أقدم ما وصل من كتب التعبير الإسلامي؛ وتحفة الملوك في التعبير لخلف الصفّار السجستاني، الذي يُعدّ أول كتاب معروف في هذا الفنّ ألّفه حاكم؛ والقادري في التعبير للدينوري، وهو موسوعة جمعت عناصر إسلامية ويونانية وهندية وفارسية؛ والبشارة والنذارة في تعبير الرؤيا للخركوشي، وهو أقدم ما وصل من تأليف متصوّف في هذا المجال، وقد نُشر طويلاً منسوباً خطأً إلى ابن سيرين.
تعكس هذه المؤلفات خلفيات متباينة لأصحابها، لكنّ تأويلاتها للعمارة والتضاريس والأمكنة تتقارب أكثر ممّا تختلف، وهو ما يتيح للجمّال الحديث عن رمزية شبه موحّدة للفضاء في كتب التعبير الإسلامية الأولى.
بنية الكتاب
يتألّف الكتاب من خمسة أقسام. يقدّم القسم الأول نشأة علم التعبير ومناهجه والعوامل المؤثرة فيه، مثل أحوال الرائي والمعبّر، وزمان الرؤيا ومكانها وطريقة روايتها. ويتناول القسم الثاني ظاهرة الحالومة وصلتها بالاستخارة والمبيت عند القبور والمقامات، متتبّعاً انتقال هذه الممارسة من زيارة قبور المشهورين بالكرم إلى قبور الأولياء والصالحين، ثم إلى محاريب الصلاة.
ويحلّل القسم الثالث منامات ثلاثة عشر سجيناً في الفرج بعد الشدّة، كاشفاً أثر فضاء السجن في صورها ورموزها، ولا سيّما تكرار عناصر مستمدّة من قصة النبي يوسف. أمّا القسم الرابع، فيبحث في العلاقة بين الرؤية والرؤيا، وينطلق من تجربة ابن الهيثم في الحجرة المظلمة ونظريته في الإبصار، قبل أن يناقش مفهوم "عين القلب" عند الغزالي، وصلات المنام بالعمى واللغة والصورة.
ويقرأ القسم الخامس المنام بوصفه رحلة رمزية وانتقالاً من فضاء إلى آخر. فالمنامات، وفق هذه القراءة، تحقّق بعض أغراض الارتحال، مثل زيارة الموتى، وطلب الحديث، والتكسّب، والاستشفاء، وإضفاء الشرعية على السلطة. وتنتهي الدراسة إلى أنّ تجربة المنام تتماهى في المخيال الإسلامي مع رحلة الإنسان في الدنيا، بوصفها عبوراً مؤقتاً بين فضاءات تتحدّد قيمته بما يحققه المرء في أثنائه.
بهذه المقاربة، يقدّم كتاب لينا الجمّال قراءة متعددة المستويات لعلاقة المنام بالفضاء، تجمع بين الأدب والفلسفة والدين والتاريخ الاجتماعي. ولا ينظر إلى المكان باعتباره إطاراً صامتاً تجري داخله الرؤيا، بل بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيلها وتأويلها. ومن خلال السؤال عن "عين الرأس" و"عين القلب"، يعيد الكتاب النظر في الطريقة التي أدرك بها المجتمع العباسي الفضاء، بما تختزنه رؤيته من ذاكرة دينية وثقافية وتاريخية مشتركة.
نبض