"قْصَرْ آيت بن حدو"... القرية المغربيّة التي سحرت السّينما العالميّة (صور)
سارة الرايس
هناك أماكن تسحرك عبر الصور، لكن حقيقتها تفوق الخيال، كما هي حال قرية "قْصَرْ آيت بن حدو"، المبنية على سفح تلة في إقليم ورزازات جنوب المغرب. كانت لقرون مفترق طرق تجارياً قديماً على طريق القوافل، واليوم أصبحت جوهرة معمارية تراثية تلفت أنظار السياح من كل مكان، وتستهوي كبار المخرجين العالميين للتصوير فيها.
حكاية اسم أمازيغي على طريق القوافل
"قْصَرْ آيت بن حدو" ليس قصراً بالمعنى المتعارف عليه هنا (أي مسكناً فاخراً لحاكم واحد)، بل هو "إيغْرِمْ" (Ighrem) باللغة الأمازيغية، أي قرية محصنة بالكامل. وفي جنوب المغرب، تُطلق كلمة "قْصَرْ" على هذا النمط من السكن الجماعي المحصن، لا على مسكن فردي.
أما اسم المكان فيكشف عن جذوره العميقة. في اللغة الأمازيغية تعني كلمة "آيْتْ" "شعب" أو "أهل"، بينما يُنسب اسم "بن حدو" إلى زعيم أمازيغي أسطوري يُعتقد أنه أسّس هذه المستوطنة.
شكّل "قْصَرْ آيت بن حدو"، على مدى قرون، محطةً على الطريق التجارية التاريخية التي كانت تربط السودان القديم، أي مناطق غرب أفريقيا جنوب الصحراء، بمدينة مراكش عبر أودية وممرات في المنطقة نفسها، فعبرت من خلالها قوافل محمّلة بالذهب والملح وسلع أخرى، وأخبار وحكايات من جهات بعيدة.
قرية من طين تختزن قروناً من التاريخ
لم يكن الطين هنا مجرد مادة بناء، بل كان لبنة أساسية لمدينة كاملة. بيوت متراصة، وأبراج شاهقة الزوايا، وأسوار تلتف حول أزقة ضيقة متعرجة. كل هذه العناصر نُحتت من الطين ذاته، لتمنح "قْصَرْ آيت بن حدو" ملامحه التي نراها اليوم، وتجعله واحداً من أبرز نماذج العمارة الصحراوية التقليدية في المغرب.
يُرجّح بعض المؤرخين أن أولى التحصينات في الموقع تعود إلى القرن الحادي عشر، إبان عهد المرابطين، حين كان سكان القصر يحرسون أحد أهم معابر جبال الأطلس. وإن كانت البنية المعمارية التي نراها اليوم أحدث عهداً بكثير من تلك التحصينات الأولى.
ورغم أن تقنيات هذا النمط المعماري تعود بجذورها إلى عصور موغلة في القدم في أودية جنوب المغرب، فإن أقدم المباني الباقية اليوم لا يتجاوز عمرها القرن السابع عشر الميلادي وفقاً لموقع اليونسكو. وتتفاوت هذه المباني في طرازها: فبعضها متواضع البناء، بينما يحاكي بعضها الآخر القلاع الحضرية الصغيرة، بأبراجها الحادة الزوايا وواجهاتها العلوية المزيّنة بزخارف من الطوب الطيني المنقوش.

من قرية تاريخية إلى تراث عالمي
أُدرج "قْصَرْ آيت بن حدو" ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1987، لكونه نموذجاً بارزاً للعمارة الترابية في جنوب المغرب، ونمط حياة تقليدياً بات مهدداً بفعل التحولات الاجتماعية والاقتصادية. جاء هذا التصنيف في توقيت بالغ الأهمية، إذ أنقذ "آيت بن حدو" من تصنيفه كموقع مهدد بالخطر، لأنه كان يعيش في حالة هجر شبه كامل بحلول مطلع الألفية الثالثة.

ثم دخلت الكاميرا المشهد
معظمنا رأى "قْصَرْ آيت بن حدو" في أشهر الأفلام والمسلسلات في العالم للمرة الأولى، لا موقعاً تاريخياً بحد ذاته. فمنذ الستينيات، ومع تصوير فيلمي "سدوم وعمورة" و"لورنس العرب" ، بدأت "آيت بن حدو" بجانب مدينة ورزازات (الملقبة بهوليوود أفريقيا)، تجذبان أنظار صناع السينما العالميين، لتتحوّلا تدريجياً إلى أبرز وجهات التصوير في أفريقيا والعالم العربي.
منذ ذلك الحين، حضرت "آيت بن حدو" في أكثر من عشرين عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، عربياً وعالمياً، من بينها "المومياء" (1999)، و"المصارع" (2000)، و"مملكة السماء" (2005)، و"أمير الفرس" (2010)، وصولاً إلى مسلسل "صراع العروش" الشهير، والمسلسل التاريخي العربي "الوعد".
وفي أحدث تجلياتها السينمائية، أعاد المخرج كريستوفر نولان توظيف آيت بن حدو في فيلمه The Odyssey، مستلهماً من ملامحها الترابية القديمة ومحيطها الصحراوي لبناء عالم طروادة وملحمة الإغريق على الشاشة الكبيرة.
نبض