كلوني من مهرجان البندقية: الذكاء الاصطناعي يضع السينما والصحافة أمام تحدٍّ جديد
حذّر الممثل والمخرج الأميركي جورج كلوني من أن الخطر الذي يحمله الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على صناعة صور مزيّفة، بل يمتدّ إلى زعزعة ثقتنا بالصور الحقيقية. ومن مهرجان البندقية، أعاد طرح سؤال قديم رافق مسيرته: كيف يمكن حماية الحقيقة عندما تصبح أدوات التضليل أكثر إقناعاً؟
وصل جورج كلوني إلى مهرجان البندقية ليتسلّم "الأسد الذهبي" عن مجمل مسيرته، لكنّ حديثه أمام الصحافيين تجاوز الأفلام والجوائز، إذ اختار أن يتوقّف عند التحوّل الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي على السينما والصحافة، محذّراً من أن التمييز بين الحقيقة والخيال يزداد صعوبة.

لم يقدّم كلوني موقفاً تقنياً من الذكاء الاصطناعي، ولم يدعُ إلى رفضه. ما أثاره كان مرتبطاً بأثره في ثقة الجمهور بكل ما يراه ويسمعه، خصوصاً مع تطوّر تقنيات التزييف العميق وقدرتها على إنتاج صور وأصوات ومقاطع مصوّرة يصعب كشفها.
"يصبح أصعب فأصعب أن نميّز الحقيقة"، قال كلوني، قبل أن يلفت إلى جانب أكثر خطورة من نجاح المحتوى المزيّف في خداع المتلقّي. فحين ينتشر الشك، يمكن رفض المادة الحقيقية أيضاً بذريعة أنها مصنوعة أو مفبركة.
الصورة لم تعد دليلاً كافياً
وأشار كلوني، الذي قال إنه التقى مطوّرين بارزين في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى أنه لم يرَ بعد تقدّماً كافياً في وسائل الحماية. ولخّص جانباً من المشكلة بدعابة إذ قال: "أود تجنّب الظهور في إعلان عن الفوط الصحية بعد 20 عاماً من وفاتي".. لكنّ الدعابة تخفي سؤالاً جدّياً: من يمتلك صورة الإنسان وصوته بعد غيابه؟ وأين تنتهي حقوق الشركات وتبدأ حقوق الفنان وورثته والجمهور؟

وفي صناعة تعتمد أساساً على صناعة الوهم، تصبح الحدود أكثر حساسية. فالسينما تطلب من المشاهد أن يصدّق ما يعرف مسبقاً أنه متخيّل، بينما تستخدم الصحافة الصورة لتؤكد أن شيئاً ما حدث فعلاً. ومع دخول الأدوات نفسها إلى المجالَين، تزداد الحاجة إلى معرفة مصدر الصورة وسياقها وطريقة إنتاجها.
من مكارثي إلى الذكاء الاصطناعي
لا يأتي انشغال كلوني بالحقيقة ودور الصحافة من خارج تجربته السينمائية. ففي عام 2005، قدّم (Good Night, and Good Luck)، الذي شارك في كتابته وأخرجه وأدّى فيه أحد الأدوار. تناول الفيلم مواجهة الصحافي الأميركي إدوارد آر. مورو للسيناتور جوزف مكارثي، في مرحلة كان فيها الخوف والاتهامات كافيين لإسكات الأصوات وإضعاف النقاش العام.
استخدم كلوني في الفيلم تسجيلات أرشيفية حقيقية لمكارثي. يومها، أدّت المادة الأصلية دور الشاهد: لم يكن الجمهور أمام إعادة تمثيل للخطاب، بل أمام التاريخ كما سجّلته الكاميرا.

هذه المعالجة تمنح الفيلم بعداً إضافياً اليوم. فالتسجيل الذي كان يُستعاد لتأكيد ما حدث، يمكن الآن توليد نسخة شبيهة به لواقعة لم تحدث أصلاً. وإن كانت مهمة مورو في الفيلم تقوم على مواجهة خطاب مضلّل، فإنّ الصحافي اليوم قد يُضطرّ، قبل تحليل الخطاب، إلى إثبات أن صاحبه قاله بالفعل.
بعد أكثر من عشرين عاماً، يبدو تحذير كلوني في البندقية امتداداً لهاجس الفيلم نفسه، لكن بأدوات مختلفة.
أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة تقنية
ربط كلوني مخاوفه من الذكاء الاصطناعي بواقع الصحافة وتركيز ملكية وسائل الإعلام في أيدي عدد محدود من الأثرياء. ومع ذلك، لم يعلن فقدانه الثقة بقدرة المعلومات على الوصول، بل عبّر عن اعتقاده بأن الحقيقة ستجد طريقها في النهاية.
لكن وصولها قد يصبح أكثر تعقيداً. فالمعركة المقبلة لن تكون محصورة بكشف التزييف، بل ستشمل أيضاً الدفاع عن صدقية المواد الحقيقية، وشرح كيفية التحقق منها، واستعادة ثقة جمهور اعتاد أن يشكّ في كل شيء.
لم يكن كلام كلوني في البندقية تحذيراً من آلة قادرة على تقليد الإنسان فحسب. كان تنبيهاً إلى عالم قد يخسر فيه الإنسان ثقته بعينيه. ففي الماضي، كان السؤال المطروح أمام الصورة: ماذا تخفي؟ أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر إرباكاً: هل حدث ما تعرضه أمامنا أصلاً؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
أثناء إيقاف زهر الدين على أحد الحواجز الأمنية وبعد كشف هويته، أقدم على سحب سلاحه وإطلاق النار على نفسه منتحراً خشية إلقاء القبض عليه، فيما تم إلقاء القبض على الشخص المرافق له في السيارة.
نبض