حين رحل القاضي وبقيت رسالته... ديفيد كابريو يتحدث الى "النهار" عن والده القاضي الرحيم

ثقافة 04-09-2026 | 08:31

حين رحل القاضي وبقيت رسالته... ديفيد كابريو يتحدث الى "النهار" عن والده القاضي الرحيم

تحدثنا قرابة ساعة، في لقاء لم أتخيّل يوماً أنني سأجريه. تبادلنا الابتسامات، ثم أخذنا الحديث إلى مساحة أكثر إنسانية، حيث حضرت الذكريات والدموع.
حين رحل القاضي وبقيت رسالته... ديفيد كابريو يتحدث الى "النهار" عن والده القاضي الرحيم
القاضي فرانك كابريو في ملتقى أبوظبي الأسري 2022
Smaller Bigger

 

عندما فتحتُ الكاميرا لأقابل ديفيد كابريو، نجل القاضي الراحل المعروف بالقاضي الرحيم فرانك كابريو، كان الشبه بينهما كبيراً إلى درجة أنني نسيت للحظات أن العالم خسر ذلك القاضي الذي عرفه الملايين برحمته وإنسانيته. لكن مع الدقائق الأولى من الحديث، اكتشفت أن ديفيد لا يشبه والده في الملامح والابتسامة فحسب، بل في الروح والقيم أيضاً. عندها، بدت عبارة «من شابه أباه فما ظلم» في مكانها تماماً.

ديفيد كابريو ليس مجرد "نجل القاضي فرانك كابريو". فهو محامٍ يعمل في مكتب "Caprio Law Firm" في بروفيدنس، وشغل عضوية مجلس نواب ولاية رود آيلاند بين عامي 1999 و2010. وهو خريج "Boston College" وكلية الحقوق في "Suffolk University"، كما عُيّن عضواً في مجلس التعليم عام 2022.

تحدثنا قرابة ساعة، في لقاء لم أتخيّل يوماً أنني سأجريه. تبادلنا الابتسامات، ثم أخذنا الحديث إلى مساحة أكثر إنسانية، حيث حضرت الذكريات والدموع. فتح ديفيد قلبه وشاركنا حكايات من خلف الكواليس عن والده؛ لا القاضي الذي شاهده الملايين عبر الشاشات، بل الأب والرجل الذي كانت الرحمة جزءاً من حياته قبل أن تصبح سبباً في شهرته العالمية.

هناك، للحظة، لم يكن أمامي نجل القاضي فرانك كابريو، بل ابنٌ يروي كيف ودّع أباه... وكيف يحاول اليوم أن يُبقي شيئاً منه حيّاً في هذا العالم.

*بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعرفونك بصفتك نجل القاضي فرانك كابريو، من هو ديفيد كابريو بعيداً من هذا الاسم؟

-أنا واحد من خمسة أبناء، نشأت في عائلة مترابطة جداً، تعيش أجواءً جميلة ومليئة بالحيوية والفوضى المحببة. أصبحت محامياً عام 1994، وكان من حسن حظي أن أعمل إلى جانب والدي طوال مسيرتي المهنية.

وعندما تحوّل إلى شخصية عالمية في سن الثمانين، كنت محظوظاً بأن أساعده في توسيع حضوره عبر التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي. لكن الحقيقة أنه لم يتغيّر إطلاقاً، بل استمر في أن يكون القاضي نفسه الذي كان عليه دائماً، إلى أن أتيحت للعالم أخيراً فرصة أن يراه كما هو.

بالتأكيد لدي هويتي الخاصة، لكن أن أُعرف بأنني ابن القاضي فرانك كابريو هو أمر أفتخر به بشدة. إنه وسام شرف بالنسبة إليّ.

لا تزال تشارك مقاطع فيديو والدك وتحافظ على حضوره عبر الإنترنت. لماذا يُعدّ ذلك مهماً بالنسبة إليك؟

-لأن الناس لا يزالون يرغبون في مشاهدتها. صفحات والدي على مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت أكثر نشاطاً من أي وقت مضى، ورسالته لا تزال تصل إلى الناس في مختلف أنحاء العالم.

بالنسبة إلينا، يتعلق الأمر بالحفاظ على ذكراه وإرثه، لكن الأهم هو تذكير الناس بما كان يؤمن به:  لا بأس في أن تكون إنساناً طيباً. وإذا كنت تمتلك سلطة أو نفوذاً على شخص آخر، فيمكنك استخدامهما لمساعدته بدلاً من قمعه.

القاضي فرانك كابريو في ملتقى أبوظبي الأسري 2022
القاضي فرانك كابريو في ملتقى أبوظبي الأسري 2022

والمذهل أيضاً هو مدى عالمية تأثيره. مقاطع الفيديو الخاصة به لا تُشاهد في الولايات المتحدة فقط، بل في مدن مثل دبي ومانيلا ولندن، وفي مدن مختلفة في الهند. ودبي تحديداً كانت لسنوات واحدة من أكبر المدن متابعةً لمحتواه.

أعتقد أن هناك رابطاً ثقافياً حقيقياً، وتشابهاً في القيم وفي الطريقة التي تفاعل بها الناس مع رسالته.

سبق لك أن زرت دولة الإمارات. ما الانطباع الذي تركه الناس والثقافة لديك؟

-دُعي والدي مرتين للمشاركة في مؤتمرات في دولة الإمارات، مرة في أبوظبي وأخرى في الشارقة، واصطحبني مع إخوتي في الزيارتين.

أول ما لفت انتباهنا كان مدى النظافة والعناية بكل شيء وجماله، لكن أكثر ما ترك أثراً فينا كان دفء الناس وودّهم.

أتذكر أننا ذهبنا إلى أحد المراكز التجارية في دبي، فتعرّف الناس إلى والدي وبدأوا يتبعوننا، طالبين التقاط الصور والتحدث إليه. وكعادته، كان والدي يتوقف ويتحدث إلى الجميع.

واللافت أن كثيرين لم يكتفوا بالقول: "نحن نعرفك"، بل كانوا يقولون له: "شكراً لك أيها القاضي. شكراً لأنك أظهرت الرحمة والتعاطف".

كان ذلك مؤثراً للغاية، لأن إعجابهم به لم يكن نابعاً من شهرته فحسب، بل لأنهم وجدوا أنفسهم في القيم التي كان يمثلها: الرحمة والطريقة التي يمكن بها لشخص يمتلك السلطة أن يعامل الآخرين.

القاضي فرانك كابريو في المنتدى الدولى للاتصال الحكومي
القاضي فرانك كابريو في المنتدى الدولى للاتصال الحكومي


هل هناك كلمة أو رسالة سمعتها من شخص في الإمارات ولم تنسها؟

-أكثر ما بقي عالقاً في ذاكرتي هو أن الناس كانوا يقتربون من والدي ويقولون له ببساطة: "شكراً".

من المؤثر جداً أن يأتي شخص غريب تماماً ويشكرك على شيء قمت به. كانوا يخبرونه أن طيبته وتعاطفه أثّرا في حياتهم وعلاقاتهم وعائلاتهم، وحتى في الطريقة التي يتعاملون بها مع الآخرين في أماكن عملهم.

كان من المذهل أن نرى كيف يمكن لشيء بسيط، كإظهار قاضٍ بعض الرحمة داخل قاعة محكمة في مدينة بروفيدنس، أن يترك صداه لدى أشخاص يعيشون على بُعد آلاف الكيلومترات.

جعلني ذلك أدرك أننا، كبشر، نتشارك رغبة عميقة في أن نُعامل بالطيبة والرحمة. وأعتقد أن هذا تحديداً ما صنع ذلك الرابط القوي بين والدي والناس في دولة الإمارات.

اكتشفنا أن هناك الكثير من القواسم المشتركة بيننا في طريقة تعاملنا مع الآخرين واحترامنا لهم. دفء الناس وكرمهم جعلا الزيارتين مميزتين للغاية، ونحن نتمنى بالتأكيد العودة مجدداً.

*ما الذي تعلّمته عن الشرق الأوسط ولم تكن تعرفه قبل زيارتك؟

-تعلّمت الكثير، لكن أكثر ما بقي معي هو الدفء الاستثنائي وكرم الضيافة لدى الناس.

أتذكر وصولنا إلى الفندق في الإمارات قرابة منتصف الليل بعد رحلة استغرقت 16 ساعة. كنا نتوقع أن نسجّل دخولنا ونتوجه مباشرة إلى غرفنا للنوم. لكننا فوجئنا بصورة كبيرة لوالدي في بهو الفندق، وكان عدد من الموظفين والنزلاء قد بقوا مستيقظين خصيصاً لاستقباله.

قدّموا لنا الشاي، وتجمّع الناس حولنا، وما اعتقدنا أنه سيكون مجرد تسجيل دخول سريع تحوّل إلى أمسية اجتماعية مع أشخاص لم نكن نعرفهم.

لم يكن هناك ما يُلزمهم فعل ذلك، ولم نكن نتوقعه على الإطلاق. لقد أظهروا لنا مستوى من الكرم وحسن الضيافة كان صادقاً وعفوياً إلى حد كبير.

القاضي فرانك كابريو وابنه  القاضي دايفيد كابريو
القاضي فرانك كابريو وابنه القاضي دايفيد كابريو

وهكذا بدأت رحلتنا فعلياً، بدفء استمر معنا طوال الزيارة.

*ما الإرث الذي تأمل أن تصنعه لنفسك؟

-بالنسبة إلينا، يتعلق الأمر فعلياً بمواصلة ما بدأه والدي، وهو إرث بسيط جداً يقوم على معاملة الناس بطيبة.

حين كان قاضياً، كان يأخذ لحظة ليفهم ما يمر به الشخص الذي يقف أمامه، وإذا كان قادراً على مساعدته، كان يفعل ذلك. أحياناً لا تحتاج إلى أكثر من بضع ثوانٍ: ابتسامة، تحية أو كلمة طيبة يمكن أن تغيّر يوم شخص بالكامل.

نريد أن نحافظ على هذه الرسالة حيّة وألّا نسمح لها بأن تتلاشى مع مرور الوقت. ولهذا نستمر في نشر مقاطع الفيديو الخاصة به وإنتاج محتوى جديد وملهم مستوحى من رسالته.

ويبدو أن ذلك ينجح بالفعل. فرسالته لا تزال تصل إلى الناس في مختلف أنحاء العالم، حتى إلى لبنان.

ما آخر كلمات قالها لك والدك؟

-كنا محظوظين لأننا كنا ندرك أننا نودّعه. أمضى أيامه الأخيرة محاطاً بعائلته وأصدقائه المقرّبين، وفي إحدى اللحظات، بدأ يتحدث إلى كل واحد منا على حدة، ويخبرنا بما نعنيه بالنسبة إليه ويستعيد معنا بعض الذكريات.

كان الجميع متأثرين. الجميع باستثنائه هو.

كان هو الشخص الذي يحتضر، ومع ذلك ظلّ أقوى شخص في الغرفة. هكذا كان والدي.

وآخر شيء قاله لي شخصياً كان"أنا فخور بك".

من الصعب أن أصف ما يعنيه أن تسمع هذه الكلمات من والدك في لحظة كهذه. كانت لحظة شديدة التأثير بالنسبة إليّ، لكنها كانت أيضاً من أعظم اللحظات في حياتي.

كنا نعلم أن حالته الصحية تتدهور، لكن ذهنه ظلّ حاضراً وقوياً. لا تريد إطلاقاً أن تصدّق أنك تخوض حديثك الأخير مع شخص تحبه، لكننا كنا محظوظين لأننا حظينا بذلك الوقت معه وتمكّنا من توديعه.

*ماذا تريد من القضاة الآخرين أن يتعلّموا من والدك؟ وهل يطبقون ذلك؟

-نعم، يفعلون ذلك، وخصوصاً هنا في رود آيلاند. لقد أثبت والدي أن كونك قاضياً لا يعني أن تتوقف عن كونك إنساناً.

كانت المحكمة التي عمل فيها تنظر بشكل أساسي في مخالفات وقوف السيارات، لكنه وجد طريقة ليمنح الناس فرصة لشرح ظروفهم بدلاً من التعامل معهم كأنهم مجرد رقم في ملف.

وبدلاً من إجبار شخص على العودة في موعد آخر للمحاكمة، كان يسمح له بأن يقول"أنا مذنب، لكن هذا ما حدث معي"، ثم يستمع إليه.

وهذا كان يمنحه فرصة لفهم الإنسان خلف المخالفة: حياته، وظروفه، وما الذي كان يمر به.

وهذا ما أتمنى أن يتعلّمه القضاة الآخرون منه: استمع أولاً، افهم الإنسان، وتذكّر دائماً أن هناك شخصاً حقيقياً يقف أمامك.

*لم يترك والدك إرثاً فحسب، بل ترك أيضاً كتاباً عن التجارب التي شكّلت شخصيته. ماذا يكشف كتاب Compassion in the Court عن الإنسان خلف القاضي؟

-عندما تقاعد والدي من القضاء، كتب أخيراً الكتاب الذي كان يتحدث عن تأليفه منذ سنوات، Compassion in the Court   كان الناس يسألونه دائماً "كيف أصبحت الشخص الذي أنت عليه؟،" لذلك أراد الإجابة عن هذا السؤال من خلال سرد قصة حياته.

الكتاب يتناول طفولته ووالديه والتجارب التي شكّلت الطريقة التي كان يعامل بها الناس. والمثير للاهتمام أنه لم يتعلّم الرحمة لأن أحداً أخبره ببساطة كيف يكون رحيماً، بل تعلّم من مراقبة الناس.

كان يراقب كيف يتصرف الناس في اللحظات الصعبة، وهذه التجارب هي التي ساهمت في تكوين شخصيته. ولهذا أيضاً، عندما كان الأطفال يحضرون إلى قاعة المحكمة، كان يدعوهم في كثير من الأحيان إلى الصعود إلى منصة القاضي ويمنحهم شعوراً بالمسؤولية والثقة والقدرة على اتخاذ القرار.

الكتاب هو طريقته في إظهار كيف صنعت تلك التجارب المبكرة القاضي والإنسان الذي أصبح عليه لاحقاً.

وقد تُرجم اليوم إلى لغات عدة، من بينها الصينية. رؤية قصته تصل إلى ثقافات مختلفة تماماً حول العالم كانت أمراً مجزياً للغاية بالنسبة إلينا.

*لو كان والدك جالساً معنا اليوم، ما الرسالة التي تعتقد أنه كان سيوجهها إلى العالم؟

-لن يقول شيئاً جديداً. ستكون الرسالة نفسها التي عاش وفقها طوال حياته: كن طيباً، ابقَ قريباً من عائلتك، عامل الناس باحترام، وساعد الآخرين كلما استطعت.

إنها رسالة بسيطة، لكنها قوية للغاية. كان يؤمن دائماً بأن معاملة شخص بطيبة ليست أصعب من معاملته بعكس ذلك.

المنصة التي امتلكها أتاحت لهذه الرسالة البسيطة أن تصل إلى الملايين، ونحن نحاول فقط الحفاظ على هذه الروح وهذا الإرث حيَّين.

*لو أُتيحت لك خمس دقائق إضافية مع والدك اليوم، ماذا كنت ستقول له؟

-حدث الكثير خلال العام الماضي وكنت سأرغب في إخباره به. لكن، في الحقيقة، أنا وعائلتي نشعر بالسلام لأننا كنا محظوظين بالحصول على ذلك الوقت معه خلال أيامه الأخيرة.

أتيحت لنا الفرصة لنقول كل ما أردنا قوله، وأن نسمع منه كل ما كنا بحاجة إلى سماعه.

لا تعرف إطلاقاً متى قد ينتهي الوقت الذي تملكه مع شخص تحبه، ولذلك نشعر بامتنان كبير لأننا حظينا بفرصة توديعه.

 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 9/2/2026 11:25:00 PM
كان سليمان من أكثر الشخصيات غموضا وحساسية داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس السوري السابق.
المشرق-العربي 9/3/2026 10:43:00 PM

أثناء إيقاف زهر الدين على أحد الحواجز الأمنية وبعد كشف هويته، أقدم على سحب سلاحه وإطلاق النار على نفسه منتحراً خشية إلقاء القبض عليه، فيما تم إلقاء القبض على الشخص المرافق له في السيارة.


النهار تتحقق 9/3/2026 9:01:00 AM
التصريح منسوب إلى وزير المال العراقي. وتقصّت "النّهار" صحته.
لبنان 9/3/2026 11:23:00 AM
تاريخياً، لم تستطع الحدود بين لبنان وسوريا وفلسطين فصل الدروز عن بعضهم. فقد توزعت الجماعة بين هذه المناطق وحافظت على روابط دينية واجتماعية وعائلية وسياسية عابرة للحدود. لذا فإن ما يصيب دروز سوريا أو فلسطين يجد صداه في لبنان.