البندقية 83 - أمبرطورية مردوخ الإعلامية تتفكّك على يد داني بويل

ثقافة 03-09-2026 | 08:18

البندقية 83 - أمبرطورية مردوخ الإعلامية تتفكّك على يد داني بويل

يفتتح داني بويل مهرجان البندقية السينمائي بفيلم "حِبر"، مستعيداً صعود "ذا صن" مع روبرت مردوخ ولاري لامب وجذور صحافة التابلويد وتأثيرها في إعلام اليوم.
البندقية 83 - أمبرطورية مردوخ الإعلامية تتفكّك على يد داني بويل
جاك أوكونل في دور لاري لامب.
Smaller Bigger

يختتم المخرج البريطاني داني بويل فيلمه بمشاهد أشبه بعاصفة هوجاء تعبّر عن عالمنا الحالي. كأنه يريد أن يغادر بنا وسط الصخب نفسه الذي أدخلنا به إلى عالم الصحافة البريطانية في أواخر الستينات: مطابع تهدر، عناوين صارخة، موسيقى روك، هواتف ترن بلا انقطاع، صحافيون متحمّسون، وأخبار تتوالد بسرعة. 

فيلمه "حِبر" الذي افتتح أمس مهرجان البندقية السينمائي في دورته الثالثة والثمانين (12 - 2 الجاري)، والمقتبس من مسرحية بالعنوان نفسه لجيمس غراهام، هو في ظاهره حكاية صعود صحيفة "ذا صن" تحت إدارة لاري لامب، لكنه في جوهره ينبش في نشأة صحافة التابلويد، وفي اللحظة التي بدأت فيها الصحافة تنتقل من صناعة الخبر إلى صناعة الرغبة في قراءته، وصولاً إلى ما ورثناه منها في عالمنا الحالي. 

دخلتُ إلى الصالة في العرض الصحافي، وكان زميل قد مازحني بالقول إننا لن نشاهد بعد الآن "تحفاً فنية… فأورسون ولز ما عاد حيّاً". وها أننا وجدنا أنفسنا أمام فيلم يلمّح، في بعض لحظاته، إلى "مواطن كاين" وإلى قطب الإعلام وليام راندولف هرست. لكن الفارق أن بويل لا يريد أن يصنع فيلماً عن أمبراطور إعلامي، وإنما عن أولئك الذين بنوا، معه وحوله، آلة إعلامية ستتحوّل، بعد عقود، جزءاً من الاعلام المهيمن. 

 

روبرت مردوخ (غاي برس) في احدى اطلالاته التلفزيونية.
روبرت مردوخ (غاي برس) في احدى اطلالاته التلفزيونية.

 

"1969 العام الذي وطئ فيه الإنسان القمر، والعام الذي أطلق فيه روبرت مردوخ ولاري لامب صحيفة ستغيّر وجه الإعلام البريطاني، وربما العالم، على نحو كان أثره أقوى من أحداث كثيرة احتفت بها تلك السنة". هكذا يقدّم بويل فيلمه الجذّاب موضوعاً وتنفيذاً. ويضيف: "قبل وقت طويل من "فوكس نيوز" و"كليكبايت" و"تروث سوشل"، وقبل عقود من "تويتر" و"غوغل" و"فايبسوك" و"أونلي فانز"، أنشأ هذان الرجلان صحيفة تابلويد جديدة أصبحت، رغم كلّ الصعاب، الصحيفة الأكثر مبيعاً في العالم".

بميلها إلى الشعبوية، ضربت "ذا صن" عرض الحائط بكثير من المعايير التي كانت تحكم الصحافة آنذاك. كان السؤال التقليدي في غرف الأخبار يقوم على الـ"ماذا حدث؟ مَن فعل؟ أين؟ متى؟ ولماذا؟"… لكن لاري لامب أراد شيئاً آخر: صحافة تقدّم قصّة، وما يريد الناس معرفته، بدلاً ممّا تعتقد المؤسسة الصحافية أن عليهم معرفته.
في الفيلم مواجهة بين مفهومين للصحافة: واحدة تروي، وأخرى توثّق. لامب مقتنع بأن الناس يبحثون دائماً عن تفسير، وأنهم يريدون أن يسمعوا رواية حتى عندما لا تكون هناك رواية. وحين يصبح الـ"لماذا" معلوماً، ينتهي الخبر ويفقد غموضه.

 

داخل مكاتب ”ذا صن“.
داخل مكاتب ”ذا صن“.

 

يوم اشترى فيه مردوخ "ذا صن"، أراد صحيفة تجعل القارئ "يشعر بأنه حيّ"، وبأن ما يقرأه يعنيه مباشرةً. هكذا بدأ صعود الأمبراطورية على سواعد أرقام التوزيع والمبيعات: التلصّص، الإثارة، تجميل الأخبار، انتهاك الخصوصية، واستثمار المكبوت الجنسي. كلّ هذا صحيح، لكن الصحيح أيضاً أن الصحافة لم تخترع هذه الوقائع من العدم، ولكن انتشتلها من الحياة ووضعتها أمام القارئ. والسؤال الذي يطرحه الفيلم، في العمق، ليس فقط ماذا فعلت "ذا صن"؟ وإنما: ماذا يقول نجاحها عن المجتمع الذي يقرأها؟

لهذا تبدو أواخر الستينات وبداية السبعينات حاسمة. إنها سنوات تشكّل وتحوّلات وأفكار جديدة، وكانت "ذا صن" تعرف كيف تلتقط هذه التحولات وتستثمرها وتدفع بها إلى أقصى حدودها، وإن لم تكن فكرة الصحافة الصفراء قد ولدت معها. أبطال هذه الصحافة هم طفل يُؤخَذ رأيه في موضوع جدّي، وعارضة أزياء تعرض مفاتنها، وأناس عاديون يجدون، للمرة الأولى، شيئاً من أنفسهم في صفحات الجريدة.

لامب العصامي يصف بريطانيا، في بداية الفيلم، بأنها بلد لا يحب الجديد، وبأن ثقافة شعبها تقوم على التعوّد. لذلك، كما يقول، لن تلقى "ذا صن" الترحيب. لكن الفيلم يثبت أن تقديره كان خاطئاً: التقنية المناسبة، في الزمن المناسب، وبالإمكانات المناسبة، قادرة على تغيير عادات الجمهور وإعادة تشكيل ذائقته.

الفيلم في معظمه يحدث في مطبخ التحرير ومكاتب الصحيفة: كيف انتقلت "ذا صن" من صحيفة محتضرة إلى الصحيفة الأكثر مبيعاً في العالم على يد لاري لامب وروبرت مردوخ. لكن لا تتوقّعوا فيلماً غارقاً في النقاشات والتنظيرات. نحن أمام فيلم أكشن. حتى مَشاهد الطبع تتحوّل إلى مشاهد إثارة، والآلة الصحافية تصبح آلة سينمائية. المطابع تهدر، الصفحات تتوالد، العناوين تُصاغ تحت الضغط، الفكرة والكلمة تنتشران بسرعة الضوء، وكلّ شيء يسير بإيقاع يطابق إيقاع الفيلم. وسواء كان بويل يدين هذه المدرسة الصحافية أم لا، فإن هذه المَشاهد تحمل شيئاً من التحية إلى صناعة عاشت لحظتها الذهبية، ثم شهدت أفولاً متسارعاً في العقود الأخيرة، ومع ذلك لا تزال صامدة.

 

مواجهة بين مموّل ورئيس تحرير.
مواجهة بين مموّل ورئيس تحرير.

 

أكبر أعداء "ذا صن" آنذاك كانت "دايلي ميرور"، الصحيفة التي احتلّت صدارة المبيعات في تلك المرحلة. والمواجهة معها تأخذ في الفيلم شكلاً شخصياً، لا سيما في مشهد حفل تكريم ينقلب إلى حفل إذلال، لتتضح طبيعة المعركة: أكثر من مجرد منافسة بين صحيفتين، بل صراع بين زمنين، وبين تصوّرين لما ينبغي أن تكون عليه الصحافة.

جاك أوكونل، في دور لاري لامب، وغاي برس، في شخصية مردوخ، ممتازان جداً. يعرف الإثنان كيف يصيران الشخصية من دون أي استعراض أو مبالغة. تكفي تفاصيل صغيرة. وهما يجسّدان أيضاً شيئاً من "الكلاس" الخاص بذلك الزمن: البدلات، الشعر المسرّح، والهندام المرتب بعناية، كأنهما ذاهبان طوال الوقت إلى حفل تكريم.

الكثير من المَشاهد يقوم على المواجهات بين مردوخ ولامب. الأول هو المموّل، والثاني هو صاحب الرؤية والمنفّذ الفعلي لمشروع الملياردير. لكن هناك تفصيلاً دقيقاً في علاقتهما: الخلاف بين الرجلين كان أعمق بكثير ممّا توحي به علاقة مالك الصحيفة برئيس تحريرها. أمام الخيارات المتطرفة والجريئة والرائدة التي كان يقترحها لامب، كان مردوخ يتراجع أحياناً، يراقب من الخلف، ويترك له مساحة للمغامرة. ثم، ما إن تبدأ أرقام التوزيع بالصعود الصاروخي، حتى يعود مردوخ إلى الواجهة، من دون حاجة إلى كثير من الكلام. فالأرقام هي كلّ شيء.

على جبين العصامي لاري لامب ندبة خلّفها حادث عمل. تفصيل صغير، لكنه بالغ الدلالة: الرجل تربّى في مكاتب صناعة الخبر، "تلوّث" بها وتشربها منذ نعومة أظفاره. لذلك، يبدو مشغوفاً بالمهنة إلى درجة يصعب معها الفصل بينه وبين أفكاره عنها، بين الرجل والصحافي، وبين الصحافي والآلة التي صنعها.

 

داني بويل في موقع تصوير ”حِبر“.
داني بويل في موقع تصوير ”حِبر“.

 

حادثة الخطف هي ذروة الفيلم الدرامية، وإن كان الإيقاع يشهد خلالها هبوطاً غير محمود. تتحوّل المأساة إلى مادة إعلامية، وللمرة الأولى يضع الفيلم، بوضوح، إصبعه على الحد الأخلاقي الفاصل بين نقل الخبر وصناعته: هل يمكن الصحافة، من خلال تورطها في الحدث، أن تصبح شريكة في صناعة الشر الذي تنقله؟ الأجوبة ليست بسيطة ولا جاهزة. لا شيء محسوماً في الفيلم الذي يترك لنا مهمّة الحكم، حالة بحالة، من دون أن يفرض علينا حكماً أخلاقياً مبرماً.

لاري لامب، بكلّ جرأته واندفاعه وتمرده على السائد، شخصية أيقونية في الفيلم، ولا يمكن إنكار دوره في إحداث تغيير. لذلك، يقف الفيلم بموضوعية، بين الإدانة والإعجاب. في النهاية، داني بويل بريطاني، ولن يمرّغ "أيقونة" وطنية في الوحل. اذا كان هناك ما يستطيع أن يمرغ نفسه فيه فهو الحِبر. والأهم انه يعرف انه يمكن الشيء نفسه أن يكون قبيحاً ومثيراً في آن، مداناً ومغرياً، صحافةً وفرجة.

كان ممكناً أن نحصل على فيلم أكثر قسوةً، ينبش أعمق في علاقة هذه الصحافة بالسلطة والمجتمع، ويفتح بصورة أوسع الأسئلة حول المسؤولية وحدودها. لكن بويل اختار أن يروي قصّة المجدّدين، وأن يترك الحكم لنا. فالفيلم، في النهاية، عن المجدّدين. عن أولئك الذين يغيّرون قواعد اللعبة قبل أن يعرف العالم إلى أين ستقوده اللعبة الجديدة.

هل صحافة التابلويد أمّ الكليكات والترافيك الذي يحكم الإعلام اليوم، ولا سيما في زمن الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي؟ ليس من قبيل المصادفة أن ينتهي الفيلم بتلميح إلى هذا العالم الذي أصبح فيه لكلّ واحد منّا منصته. وربما هنا تكمن أهمية "حِبر" وراهنيته، كونه فيلماً عن أخلاقيات النشر والتوثيق ونقل الخبر، في زمن أصبحت فيه الحدود بين الصحافي والقارئ، وبين منتج المعلومة ومستهلكها، أكثر التباساً من أي وقت مضى. وهو في الحين نفسه تحية إلى زمن غابر من الصحافة، حين كانت النسخة الورقية بين يدي القارئ قادرة على تعديل المناخ السياسي وإسقاط الحكومات. 

 

مخرج في قمّة رشاقته

داني بويل قريب من السبعين، ويا لها من رشاقة! "حِبر" فيلم ذو إيقاع جهنّمي، لا يعرف الفتور ولا يمنح الملل فرصة. يبقى المُشاهد مشدوداً إلى كرسيه طوال نحو ساعتين. الفيلم يرفض أن يترك له فسحة لالتقاط أنفاسه. تصوير، مونتاج، حركة متواصلة، موسيقى وإيقاع تدفعنا إلى حالة من الدوّار. كلّ كلمة تجد صداها داخل الصورة، وكلّ فكرة تبحث عن ترجمتها على الشاشة. لسنا أمام معالجة بصرية بالمعنى التقليدي، بل حيال سينما تتطوّر بالسرعة نفسها التي تغلي فيها غرفة الأخبار حين يقترب موعد الطبع. "حبر" غنيّ بالموسيقى، في مقاربة "روكية" تعتمد الصخب والطاقة والحركة. وهو "إنكليزي" جداً في بعض لحظاته، كما أحسن داني بويل في عدد من أفلامه، منذ ولادته السينمائية الشهيرة مع "تراينسبوتينغ". هذا مخرج يعرف كيف يجعل الموسيقى جزءاً من روح الفيلم وخطابه.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 9/2/2026 12:14:00 PM
لم تتسلّم عناصر "الحرس الوطني" رواتبها لمدة 5 أشهر بسبب تراجع إرسال الأموال من إسرائيل. لكن المصدر يرصد عودة تقاضي العناصر للرواتب منذ بداية آب الماضي.
المشرق-العربي 9/2/2026 11:25:00 PM
كان سليمان من أكثر الشخصيات غموضا وحساسية داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس السوري السابق.
النهار تتحقق 9/2/2026 9:02:00 AM
بدت النيران مشتعلة بقوة في أحد المواقع. هذه المشاهد "عاجلة الآن"، كتب مستخدمون.