عماد خليل بين المتنبّي والسيّاب: معايير الشعرية والإبداع

ثقافة 31-08-2026 | 23:41

عماد خليل بين المتنبّي والسيّاب: معايير الشعرية والإبداع

قراءة تكشف نقاط الالتقاء والاختلاف بين تجربتي المتنبّي وبدر شاكر السيّاب.
عماد خليل بين المتنبّي والسيّاب: معايير الشعرية والإبداع
"بارناسوس"، رافائيل، نحو 1509 - 1511. (متاحف الفاتيكان)
Smaller Bigger

يَضَعُ عماد خليل نُصْبَ عينَيْهِ، في كتابِهِ "معايير الشعريّةِ والإبداعِ في الشعرِ العربي" (دار زمكان)، تَسَلُّقَ قمّتين شعريّتين عاليتين؛ يحتاج تسلّقُ الواحدة منهما إلى كثير من اللياقة الفكرية، فكيف بتسلّق القمّتين معًا؟ وهما أبو الطيّب المتنبّي وبدر شاكر السيّاب. على أنّ خليل، الذي لا يتهيّب صعود الجبال، لا يتورّع عن ركوب هذا المركب الخشن. كيف لا؟ وهو ابن معركة الجنوبية التي تأبى له العيش بين الحفر، وتمنحه القدرة على خوض المعارك، فيشمّر عن ساعد الجد، ويخوض معركة بحثية على جبهتين اثنتين، في الوقت نفسه.

 

سؤال الشعر ومعايير الإبداع

يأتي خليل إلى البحث مشفوعًا بشغف ذاتي في متابعة الشعر العربي، ومهمومًا بسؤال الشعر، ومنشغلًا بمسألة التجديد فيه، وسواها من مسوّغات يختلط فيها الذاتي بالموضوعي. ويتّخذ من المنهج الموضوعاتي، وممّا أُوتيَ من مهارات فكرية، أسلحة في معركته، ويشتقّ من الإشكالية الأساسية للبحث مجموعة من الأسئلة تُشكّل خريطة طريق له، ويُحقّق نتائج معيّنة، هي مدار هذه القراءة.

 

غلاف الكتاب. (دار زمكان)
غلاف الكتاب. (دار زمكان)

 

لعلّ السؤال البديهي الذي يطرحه العنوان هو: هل معايير الشعرية زمنية بحيث تتغيّر من زمن إلى آخر، أم هي فنّية تتعلّق بالنوع الأدبي وتعصى على التغيّر، على اختلاف الأزمنة؟ على أنّ الإجابة عن هذا السؤال وغيره من الأسئلة التي يطرحها البحث يتكفّل بها المتن. ولعلّه من المفيد في هذا السياق الوقوف عند الكيفية التي أدار بها خليل معركته، واستخدم فيها أسلحته، وحقّق النتائج المشار إليها أعلاه. ذلك أنّ الكيفية تُكمل الكمّية، وتتكامل معها، في آن، وهو ما نتناوله، بعد الإشارة إلى محتويات البحث الذي يُصدّره بإهداء وشكر، ويضعه في مقدّمة وأربعة فصول وخاتمة؛ ويُذيّله بقائمة المصادر والمراجع. فيذكر في المقدّمة مسوّغات البحث، وإشكاليّته الأساسية، والأسئلة المتفرّعة منها، والمناهج التي يستخدمها، والمدوّنة، والخطّة، ممّا يُعتبَر من لوازم البحث الأكاديمي. ويتناول في الفصول الأربعة، على التوالي: خصائص المعايير في الشعر العربي، والصورة الشعرية، واللغة التعبيرية، والتجلّيات النقدية عند الشاعرين، ويخلص في الخاتمة إلى أنّ معايير الشعرية تنطلق من قوّة الرؤية لدى كلٍّ منهما.

 

الشعر مرآة الشخصية عند المتنبّي والسيّاب

بالعودة إلى سؤال الكيفية، وانسجامًا مع استخدامه المنهج النفسي، يربط الباحث بين شخصية كلٍّ من الشاعرين وشعره، بحيث يشكّل الثاني مرآة الأولى؛ ذلك أنّ المتنبّي، الراغب في السلطة، الطامح إلى المجد، مدّعي النبوّة، جليس العلماء، تنعكس شخصيته في شعره عمق تفكير، وقوّة تعبير، وبراعة تصوير، وسعة ثقافة، وغنى تجربة، ما أبقى شعره على قيد الحياة، رغم مرور عشرة قرون ونصف على رحيله. بينما تموت قصائد كثيرة في عصرنا في مهدها. أمّا السيّاب، الذي تتضافر عليه الطفولة القاسية والتفكّك الأسري والحب الفاشل والسلطة الغاشمة والاحتلال البغيض والمرض المقيم، فتنعكس هذه المتضافرات في شعره أملًا خائبًا، ووجعًا مقيمًا، وذاتًا منكسرة، وشجًى شفيفًا، ما يجعل شعره مكتنزًا بالنوازع الإنسانية، ويبقيه على قيد الحداثة، رغم مرور ستّة عقود على رحيله.

 

أبو الطيّب المتنبّي بريشة جبران خليل جبران.
أبو الطيّب المتنبّي بريشة جبران خليل جبران.

 

انسجامًا مع استخدامه المنهج الموضوعاتي، ينطلق الباحث من قصائد الشاعرين. وهو في انطلاقه يحترم النص، فلا يلوي عنقه، ولا يُقوّله ما لا يقول، ولا يُسقط عليه الأفكار المسبقة، ويُعمِل فيه مِبْضع التحليل، ويستخرج منه معايير الشعرية والإبداع، وهي بمعظمها مشتركة بين الشاعرين. وبذلك، يُمارس خليل موضوعيّته البحثية ونزاهته النقدية بما تقتضيه مقتضيات البحث العلمي. على أنّ القدرة على الاستخراج تتفاوت من باحث إلى آخر، تبعًا لقدرة الباحث على الغوص، فالنصوص العظيمة حمّالة أوجه، تتعدّد قراءاتها بتعدّد القرّاء، وهي غير قابلة للاستنفاد. وهنا يكمن سرّ عظمتها.

 

أين يلتقي المتنبّي والسيّاب؟

إنّ معايير الشعرية التي يستخرجها الباحث من قصائد المتنبّي هي: جموح التخييل، وقوّة التبيين، وسموّ التفكير، وكثافة التصوير، وجمال التعبير، وتجديد اللغة، وتكثيف المعنى، وسعة الثقافة، وتنوّع الأساليب، وفلسفة القوّة، وجنون العظمة، والمعرفة بدخائل النفوس، وبروز الذات الشاعرة، على سبيل المثال لا الحصر. أمّا معايير الشعرية التي يستخرجها من شعر السيّاب فهي: وحدة القصيدة، وجمال الصورة، وكثافة المعنى، ولطافة المبنى، ومحورية الأنا، وجِدّة اللغة، وتنوّع الرمز، وإسقاط التاريخ على الحاضر، واستثمار الميثولوجيا، وغيرها. وبالمقارنة بين معايير شعرية الشاعرين، المختلفين في الزمان والمكان والشكل الشعري، نقع على كثير من نقاط التقاطع بينها، ما يجعلنا نستنتج أنّ معايير الشعرية عابرة للعصور الأدبية والجغرافيات الشعرية، وأنّ الشعر هو الشعر والجمال هو الجمال، منذ القصيدة الأولى إلى أن يرث الله الأرضَ ومَن عليها. ولعلّ الفارق بين شاعر وآخر يكمن في النسبة المئوية التي يُحقّقها هذا الشاعر أو ذاك من المعايير المختلفة، من جهة، ومن المعيار الواحد، من جهة ثانية. ذلك أنّ قمّة الشعر هي نفسها، والعبرة في القدرة على التسلّق، فقلّة من الشعراء تستطيع تسنّمها، وقلّة أخرى تبقى عند السفح. أمّا الأكثرية فتتموضع بين السفح والقمّة.

 

بدر شاكر السيّاب.
بدر شاكر السيّاب.

 

كبيرة هي الجهود التي يبذلها عماد خليل في معركته، وكثيرة هي النتائج التي يخرج بها منها. وحسبنا، في هذا السياق، ذكر اثنتين منها؛ الأولى تتعلّق بموضوع البحث، وهي أنّ معايير الشعرية ليست مسألة زمنية تتغيّر بتغيّر الأزمنة، بل هي مسألة جمالية بامتياز. من هنا، قدرتها على العبور خلال العصور الأدبية والجغرافيات الشعرية. والثانية تتعلّق بالأنموذج المختار، وهي أنّ الأنا الشاعرة بارزة بقوّة عند الشاعرين، من موقع فلسفة القوّة في حالة المتنبّي، وفلسفة الضعف البشري في حالة السيّاب، والحالتان تجربتان إنسانيّتان بامتياز. من هنا، قدرتهما على البقاء على قيد الحياة، رغم رحيل صاحبي التجربتين، ذلك أنّ البقاء هو للإنساني، في نهاية المطاف.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 9/2/2026 11:25:00 PM
كان سليمان من أكثر الشخصيات غموضا وحساسية داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس السوري السابق.
المشرق-العربي 9/3/2026 10:43:00 PM

أثناء إيقاف زهر الدين على أحد الحواجز الأمنية وبعد كشف هويته، أقدم على سحب سلاحه وإطلاق النار على نفسه منتحراً خشية إلقاء القبض عليه، فيما تم إلقاء القبض على الشخص المرافق له في السيارة.


النهار تتحقق 9/4/2026 10:36:00 AM
"إذا تمّت الموافقة على مذكرة التوقيف، فسترسل النيابة العامة الملف إلى الإنتربول ليتم تعميمه بالنشرة الحمراء"، جاء في الخبر المتداول.
لبنان 9/3/2026 11:23:00 AM
تاريخياً، لم تستطع الحدود بين لبنان وسوريا وفلسطين فصل الدروز عن بعضهم. فقد توزعت الجماعة بين هذه المناطق وحافظت على روابط دينية واجتماعية وعائلية وسياسية عابرة للحدود. لذا فإن ما يصيب دروز سوريا أو فلسطين يجد صداه في لبنان.