مهرجان البندقية يفتتح هذا المساء دورته الـ83: الأضداد تتلاقى والأجيال تتنافس وأوروبا تهيمن
21 فيلماً تتنافس هذا العام على جوائز مهرجان البندقية السينمائي 2026 (2 – 12 الجاري)، برئاسة الممثّلة الأميركية ماغي غيلنهال لجنة التحكيم، في خيار يثير بعض الاستغراب: هل انتهت الأسماء الكبيرة في عالم الإخراج؟
ينطلق "الموسترا" هذا المساء بتاريخه الممتد وخياراته الجمالية والضغوط التي تُمارس عليه. فيلم الافتتاح هو "حِبر" للبريطاني داني بويل (ضمن المسابقة)، مخرج "تراينسبوتينغ" الذي لم يقدّم فيلماً ضارباً منذ "المليونير المتشرّد"، صانع الحدث قبل نحو عقدين. يتناول جديده التحوّل الكبير الذي شهدته الصحافة البريطانية في أواخر الستينات، مع استحواذ روبرت مردوخ، الذي يبلغ اليوم الخامسة والتسعين، على صحيفة "ذا صان"، مركّزاً على الطريقة التي نجح بها قطب الإعلام في تحويل الصحيفة إلى الأكثر مبيعاً في بريطانيا، عبر استراتيجيا تقوم على الإثارة واستقطاب أوسع شريحة ممكنة من القراء. على أمل أن يفاجئنا ويزعزع قناعة باتت راسخة بأن أفلام الافتتاح "لا أمل فيها". بطعم السلطة الرابعة، إذاً، تنطلق النسخة الثالثة والثمانون من المهرجان، دورة تبدو واعدة بأعمال متنوعة، كبيرة ومتعدّدة الاتجاهات والهموم، انتقاها مدير المهرجان ألبرتو باربيرا (على رأس "الموسترا" منذ عقد ونصف العقد)، وفريقه، بعد دورة سابقة لم تكن، في نظري، على القدر المطلوب من الأهمية.
فرنر هرتزوغ يتقدّم مسابقةً "ذكورية" بامتياز
التظاهرة الفينيسية تمزج، كالعادة، بين جواهر تستحق الاكتشاف (شاهدنا بعضها) وأعمال لسينمائيين يسبقهم تاريخهم. نبدأ عرض أفلام المنافسة من هذا الذي لم يتوقّف يوماً عن التصوير، رغم تجاوزه الثمانين، بل لا يزال ينبض بالحياة والشغف: الألماني فرنر هرتزوغ، أحد روّاد السينما الألمانية الجديدة في الستينات، الذي يقدّم في أحدث أعماله، ذي العنوان العصيّ على الترجمة العربية، "باكينغ فاستارد"، وهي لعبة على عبارة "الأوغاد الملاعين"، فيلماً يعود به إلى السينما الروائية بعد غياب، وبعدما انشغل خلال السنوات الأخيرة بالأفلام الوثائقية. يحكي الفيلم قصّة شقيقتين، جان وجوان هولبروك، تربطهما علاقة استثنائية إلى حدّ أنهما تتحدّثان في آن واحد، وتحبّان رجلًا واحداً، وتتقاسمان الأحلام ذاتها. عالم من التماهي والالتباس، يبدو مناسباً لسينمائي لطالما اشتغل على تخوم الواقع والخيال، وعلى الشخصيات التي يصعب تأطيرها. يهيمن هرتزوغ، الأكبر سنّاً بين أقرانه في المنافسة، على مسابقة "ذكورية" بامتياز، ممّا أثار امتعاض الجهات المعنية بتمكين المرأة في مجال الفنّ. فالمخرجة الوحيدة المشاركة في المسابقة (اذا صرفنا النظر عن مخرجة أخرى شاركت في انجاز أحد الأفلام) هي الدانماركية المصرية ماي الطوخي، التي تُمنح هذه الفرصة للمرة الأولى، علماً بأنها سبق أن لفتت الأنظار، وإن على نطاق أضيق، مع "ملكة القلوب"، الذي اقتبست منه كاترين بريا لاحقاً نسخة ثانية بعنوان "الصيف الماضي".

المفارقة أن المرأة غائبة عن كرسي الإخراج في المسابقة، لكنها حاضرة بقوة في الأفلام نفسها. فكثير من الأعمال تتمحور حول النساء. المرأة حاضرة على الشاشة، ومَن يجرؤ على تغييبها؟ بل أي سينما ممكنة من دونها؟
حتى فيلم الطوخي، "سيدة مجهولة"، يدور حول مربية أطفال وخادمة شابة على وشك الزواج من الأرمل الثري الذي يكبرها سناً وتعمل في منزله. "يمنح الفيلم صوتاً لشخصيات نسائية مستوحاة من التاريخ، قلّما أُتيح لنا أن نسمع أصواتهن أو نراهن"، تقول الطوخي عن فيلمها الذي يُعرض في الأيام الأولى للمهرجان.
هيمنة أوروبية وحضور أميركي محدود
مرة جديدة، بعد كانّ، يبدو الحضور الأميركي في مسابقة البندقية هامشياً، وإن كنّا نجهل تماماً ما الذي ستؤول إليه الأفلام الثلاثة المشاركة، أحدها، كما ذكرنا، لهرتزوغ. أما الفيلمان الآخران فهما "رفقة" لكايسي أفلك و"ساعة الذروة" للانس أوبنهايم. فهل ما عادت هوليوود تنجز الأفلام التي تستجيب لتطلّعات المهرجانات الأوروبية الكبرى؟ أم أن الأفلام التي صنعت، في الماضي، مجد هذه المهرجانات بات إنتاجها أكثر صعوبةً؟ لنتوقّف عند "رفقة"، الذي يعيد كايسي أفلك، الممثّل الموهوب، إلى الضوء بعد المتاعب التي واجهها إثر اتهامات بالانتهاكات الجنسية. ويعيد الفيلم أيضاً نيك نولتي إلى الواجهة، في حكاية تعود إلى منتصف السبعينات، وتبدأ بوصول سيدة غامضة إلى تجمّع احتفالي، قبل أن تروي قصة ناسك مسنّ أنقذ ممثّلة تقطعت بها السبل خلال عاصفة ثلجية في كولورادو عام 1953. أما "ساعة الذروة" لأوبنهايم، الذي ذاع صيته من خلال أفلامه الوثائقية، فيخوض هنا تجربة روائية تتناول "تلفزيون الواقع"، الظاهرة التي انتشرت على نطاق واسع في مطلع الألفية.
أكثر من نصف أفلام المسابقة، ويصل عددها إلى 13، تأتي من أوروبا، القارة التي لا تزال المصدر الأبرز لما يُعرف بـ"سينما المهرجانات". وتتصدّر المشهد دولتان: إيطاليا، بوصفها البلد المضيف، وفرنسا، الحاضنة التاريخية لسينما المؤلف وأحد أبرز مموّليها. في الجانب الإيطالي، تشكّل عودة ناني موريتّي إلى البندقية مع "سيحدث هذا المساء" حدثاً لافتاً، بعدما كان تشكلّ معظم مسيرته على الكروازيت. والمفارقة أن الفيلم إنتاج إيطالي فرنسي مشترك، يضمّ ممثّلين فرنسيين، بينهم لوي غاريل وإيبوليت جيراردو، ويروي قصّة حبّ تمتد عبر سنوات. كلّ المؤشّرات توحي بأنه عمل حميمي يتخلّى عن السياسة لمصلحة المشاعر. أما "غرفة الصدى" لأندريا بالاورو، ثاني الأفلام الإيطالية، فهو أيضاً فيلم عن الحبّ، فيما يفتتح باولو ستريبولي، في "الغريبة"، حكايته بظهور امرأة على عتبة منزل ابنتها لتكشف لها سراً يقلب تاريخ العائلة. ويكتمل الحضور الإيطالي مع "النار التي في داخلك" لإدواردو دي أنجيليس، وهو مواجهة عائلية ساخرة وشرسة تدور خلال عيد الميلاد، حيث تنفجر سنوات من الضغائن وسوء الفهم.
تتوزّع الأفلام الفرنسية الأربعة على اتجاهات مختلفة. ففي "جندي مطيع"، يواصل ستيفان بريزيه، الذي تنقّل طوال مسيرته بين كانّ والبندقية، انشغاله بالهم الاجتماعي، راوياً قصّة امرأة أربعينية تعمل بلا كلل، لكنها تعاني فقداناً للثقة بالنفس. ويحضر هذا الهم أيضاً في “15/18” لسدريك كانّ، الذي يضع كاميراه داخل جناح الطبّ النفسي للمراهقين في مستشفى حكومي فرنسي. أما "قبل منتصف الليل بقليل" لنيكولا باريزيه، فيتأمّل الماضي العاطفي لرجل على مشارف الخمسين، ويبدو أكثر أفلام المسابقة انحيازاً إلى قضايا النساء، أو بالأحرى إلى نسوية راديكالية كتبها وأخرجها... رجل! ويعود فلوريان زيلر، صاحب "الأب" مع أنتوني هوبكنز، بفيلم "مخبأ"، مستعيناً بخافيير باردم وبينيلوبي كروز، في دراما عن مهندس معماري يُكلَّف بناء مخبأ فاخر للنجاة من الكوارث لصالح ملياردير.

فيلمان من بريطانيا يكمّلان هذا البرنامج المتنوّع، الذي قد يخيب وقد يصيب، ولا جواب قبل إثني عشر يوماً من الآن. أولهما يحمل توقيع المخرج البريطاني الإيرلندي الفذ مارتن ماكدونا، "الحصان البري التاسع" الذي يعيدنا إلى السبعينات، وذلك قبيل انقلاب تشيلي. أما "نازا"، الفيلم "البريطاني" الثاني (اذا اعتمدنا الإنتاج معياراً للتصنيف)، ليوفال أبراهام وراشيل زور (اثنان من المخرجين الأربعة الذين أنجزوا "لا أرض أخرى")، فقد توليا هنا، إخراج فيلم صُوِّر ليلاً فوق أسطح مباني تلّ أبيب، في محاولة لكشف الآليات التي تقف وراء القتل المتعمّد للمدنيين الفلسطينيين في غزة، والغوص في تفاصيل منظومة العنف التي تجعل هذا القتل ممكناً.
ذاكرة الديكتاتوريات وأسئلة الموت والسلطة
أميركا اللاتينية لا "تمثّلها" في المسابقة سوى "عودة إلى بوينس آيريس"، من توقيع الإيطالي التشيلياني ماركو بيخيس، في إنتاج إيطالي برازيلي مشترك. الفيلم عن رجل يعود إلى بلاده ليشهد ضد الضبّاط الذين اختطفوه وعذّبوه خلال فترة الديكتاتورية، في مواجهة متأخّرة مع ماض لم يُغلَق بعد. ويحضر الشرق الأوسط بفيلم واحد أيضاً، هو "شيء من الضوء" للإيراني المعارض علي أصغري، في عمل يستدعي إلى الذاكرة، من حيث فكرته "طعم الكرز" لعباس كيارستمي. بعد اعتقاله وإغلاق عيادته، يفقد طبيب إيراني إيمانه بالمستقبل، ويقرر إنهاء حياته. يقضي يومه الأخير متنقّلاً بين أشقائه ووالدته، محاولاً تهيئتهم لرحيله.
في دورة تضع الكثير من الأضداد في مواجهة بعضها بعضاً تطبيقاً لمبدأ "ليتخاصموا ولنتفرج عليهم!"، يظهر مخرج معارض ينافس على "الأسد الذهب"، لكن هذه المرة ليس من إيران بل من روسيا. إنه إيليا خرزانوفسكي، الذي يأتي بـ"داو"، فيلم يمتد ثلاث ساعات ونصف الساعة، مع استراحة، ويستند إلى عالم الفيزيائي الذي ساهم في صناعة القنبلة الذرية السوفياتية. يتتبع الفيلم، على امتداد أربعة عقود من تاريخ الاتحاد السوفياتي، مسيرة فيزيائي يوناني الأصل، في عمل يبدو كأنه مواجهة بين العلم والسلطة، وبين العبقرية الفردية والنظام الذي يريد إخضاعها.
السينما الآسيوية: مانغا وحرب ورغبات مكبوتة
نتّجه شرقاً مع ثلاثة أفلام آسيوية، اثنان منها من اليابان وواحد من كوريا الجنوبية. بعدما قدّم فيلماً ضعيفاً في كانّ العام الماضي، يعود هيروكازو كوريه إيدا إلى البندقية بفيلم جديد عنوانه "التفاتة إلى الوراء"، مستوحى من مانغا تتمحور حول فتاة مراهقة. وبعيداً من عالم البراءة، يحملنا مواطنه شينيا تسوكاموتو في "سيد نيسلون، هل قتلتَ بشراً؟" إلى أجواء الحرب، من خلال قصّة جندي أميركي التحق بقوات المارينز هرباً من الفقر والتمييز، فأُرسل إلى فيتنام، حيث شارك في قتل عدد من المدنيين. وأخيراً، وبعد سنوات من الانقطاع، يعود لي تشانغ دونغ، أحد كبار السينما الكورية، مع "حبّ ممكن"، عن زوجين، أحدهما عامل فقد وظيفته وزوجته، والآخر مخرجة أفلام وثائقية وزوجها. وأثناء تصوير فيلم وثائقي، تتكشّف أمامهم تدريجاً الفوارق بين حيواتهم والرغبات التي ظلّت طويلاً حبيسة الداخل.
ثمانية أقسام وصراع مفتوح بين الأجيال
الأقسام الرسمية في المهرجان عددها ثمانية، من المسابقة و"أوريزونتي" و"سبوتلايت" إلى "كلاسيكيات البندقية"، مروراً بـ"عروض خاصة" و"خارج المسابقة" وغيرها. هذا كله سيشغل رواد السينما في الأيام المقبلة. أفلام ستتصدّر النقاش وأخرى ستتوارى سريعاً، وهذا تحديداً ما يجعل المهرجانات ممتعة: لا أحد يستطيع أن يعرف مسبقاً أي الأفلام ستبقى وأيها ستُنسى. بالإضافة إلى الصراع بين الأجيال والمناكفة بين المكرَّس والجديد، وبين التقليدي والثوري.
من بين الأسماء المنتظرة في الفقرات الموازية: الإيطالي المخضرم جياني أميليو، والفيليبيني لاف دياز، والروماني كورنيل موندروتسو، والأميركي بول شرايدر. وفي عام تحمل دورته عدداً لافتاً من الأفلام الوثائقية (بينها أعمال من "بطولة" إيلون ماسك وسلافوي جيجيك ونينو روتا)، تخضع أسماء كبيرة هي الأخرى للعبة الواقع: الروسي فيكتور كوساكوفسكي، الإسرائيلي أموس غيتاي، الأوكراني سيرغي لوزنيتسا، التايواني تساي مينغ ليانغ، والألماني فيم فندرز. حتى الممثّل النيوزيلاندي راسل كرو، يمرّ خلف الكاميرا، ليتحدّث عن أثر الموسيقى فيه، في جانب أقل معرفةً من بطل "المصارع". في حين يوثّق الإيطالي لوكا غوادانينو سيرة برناردو برتولوتشي في فيلم يتجاوز أربع ساعات، لكن للأسف التذاكر نفدت منذ الآن. عربياً، تحضر أفلام من مصر ولبنان وفلسطين وتونس، لأشجان الهمس ورامي قديح وشادن صفي الدين ومؤيد عليان وأحمد حسونة وكمال العريضي، وسنعود إليها بعد مشاهدتها.
فإلى الأفلام…
نبض