صالات السينما العراقية القديمة في بغداد: من العصر الذهبي إلى الإهمال
آية القيسي
شكّلت السينما، منذ دخولها العراق في مطلع القرن العشرين، جزءاً مهماً من الحياة الاجتماعية والثقافية، ولا سيما في بغداد. فقد أقبلت العائلات العراقية على هذا الفن الجديد، وحرصت دور العرض على تخصيص أجنحة لها، فيما انتقلت الشاشات تدريجاً من الأفلام الصامتة إلى الأفلام الأجنبية والمصرية الناطقة.
ولم يكن ارتياد السينما مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبح طقساً اجتماعياً يعكس اهتمام العائلة العراقية بالفن والأناقة ومواكبة كل جديد يدخل بيئتها. وقد أثارت العروض الأولى دهشة الجمهور، قبل أن تتحول دور السينما، مع مرور العقود، إلى معالم بارزة في الحياة البغدادية.
البدايات: من الأفلام الصامتة إلى "سينما بلوكي"
تفيد سجلات تاريخ السينما العراقية بأن بغداد شهدت أولى العروض السينمائية عام 1908 أو 1909. وكانت في البداية عروضاً صامتة أثارت فضول العراقيين واهتمامهم بهذا الفن الوليد.
ومع تزايد الإقبال عليها، استثمر بعض التجار مساحة في بستان «العبخانة» لتقديم عروض ترفيهية، من بينها ما كان يُعرف بـ«الألعاب الخيالية»، في مقابل تذكرة دخول واحدة. وتحولت هذه المساحة لاحقاً إلى دار عرض حملت اسم «سينما بلوكي»، نسبة إلى صاحبها، الذي استورد معدات العرض السينمائي.

واستمرت الأفلام الصامتة حتى دخل الصوت إلى الأعمال السينمائية في ثلاثينيات القرن الماضي. وفي عام 1934، عرضت «سينما الوطني» الفيلم المصري «الوردة البيضاء»، من بطولة محمد عبد الوهاب، والذي تضمن أغنيته الشهيرة «يا ورد مين يشتريك».
وفي أربعينيات القرن الماضي، بدأ النشاط السينمائي ينتقل من شارع الرشيد إلى منطقة الباب الشرقي. وكانت «سينما غازي» من أوائل دور العرض التي افتُتحت هناك، وعرضت الفيلم الأميركي الشهير «ذهب مع الريح».
أما الترويج للأفلام ومواعيد عرضها، فكان يتم بوسائل بسيطة ومبتكرة. واشتهر في بغداد رجل يدعى عباس حلاوي، كان يثبت ملصقات الأفلام على عمود في عربته، ثم يجوب بها أبرز مناطق العاصمة لإطلاع السكان على أسماء الأفلام ومواعيد عروضها.
تاريخ «فُرجة» قبل أن يكون تاريخ إنتاج
يقول الباحث في الشأن السينمائي علي حمود الحسن لـ«النهار» إن «تاريخ السينما في العراق ليس تاريخ إنتاج أفلام فحسب، بل هو، في بداياته، تاريخ فُرجة». ويوضح أن أول عرض سينمائي شهده العراقيون في بغداد يعود، وفق وثائق القنصلية الأميركية، إلى عام 1908.
أما أول دار سينما دخلها العراقي ودفع ثمن تذكرة لمشاهدة عرض فيها، فكانت، بحسب الحسن، «سينما بلوكي»، التي سُمّيت تيمناً بصاحبها، وذلك في 5 أيلول (سبتمبر) 1911.
ويضيف أن صالات السينما بدأت تنتشر بعد دخول الكهرباء، ثم امتدت في أربعينيات القرن الماضي إلى عدد من المحافظات العراقية. ووفق إحصائية ينسبها الحسن إلى المؤرخ والناقد السينمائي الفرنسي جورج سادول، بلغ عدد دور السينما في بغداد وحدها أكثر من 82 صالة، كان نحو نصفها صالات صيفية تعرض الأفلام في الهواء الطلق، وهو نمط اشتهرت به العاصمة العراقية.
وواصلت دور العرض تطورها، وبلغت ذروة ازدهارها في ستينيات القرن الماضي، قبل أن يبدأ تراجعها في الثمانينيات، بالتزامن مع الحرب العراقية–الإيرانية. ثم تسارع هذا الانحسار خلال العقود التالية، حتى تحولت غالبية الصالات القديمة إلى مبانٍ مهجورة أو مجرد ذكريات. ولم يقتصر ذلك على بغداد، بل شمل أيضاً مدناً مثل الموصل والبصرة وكركوك والناصرية.
بغداد كما التقطتها السينما العراقية
لم تكن بغداد مكاناً لدور العرض فحسب، بل حضرت أيضاً في عدد من الأفلام العراقية والعربية، وإن جاء حضورها في بعض الأعمال خلفية مكانية أو عنصراً ديكورياً أكثر منه موضوعاً قائماً بذاته.
وفي مقاله «بغداد والسينما»، يتوقف الناقد السينمائي علاء المفرجي عند مجموعة من الأفلام التي سجّلت، بدرجات متفاوتة، ملامح العاصمة وتحولاتها الاجتماعية. فمن بين الأعمال المبكرة فيلم «القاهرة–بغداد»، الذي أخرجه أحمد بدرخان في إنتاج عراقي–مصري مشترك، وصُورت مشاهد محدودة منه في بغداد.
أما فيلم «من المسؤول؟»، المأخوذ من عمل للكاتب العراقي الرائد إدمون صبري، فيقدم صورة لبغداد في خمسينيات القرن الماضي، تتجلى من خلالها تفاصيل اجتماعية واقتصادية عدة. وينطبق الأمر أيضاً على فيلم «سعيد أفندي» للمخرج كاميران حسني، فيما اختار المخرج الراحل عبد الهادي مبارك تصوير معظم مشاهد فيلمه «عروس الفرات»، عام 1958، في مناطق مختلفة من بغداد.
وفي فيلم «الجابي»، للمخرج جعفر علي، تبدو صورة الحياة اليومية في بغداد الستينيات أكثر وضوحاً. إذ يجمع الفيلم نماذج بشرية واجتماعية مختلفة داخل حافلة للنقل العام، محاولاً رصد طبيعة العلاقات بين الناس والتقاط شيء من إيقاع العاصمة في تلك المرحلة.
وتكشف هذه الأعمال، على قلتها، جانباً من التحولات العمرانية والاجتماعية التي مرت بها بغداد، وتحفظ صوراً لتفاصيل ربما تبدلت أو اختفت من المدينة. وبذلك تكتسب قيمة تتجاوز بعدها الفني، لتصبح أيضاً وثائق بصرية لذاكرة المكان والمجتمع.

إنتاج محلي محدود وشاشات مفتوحة على العالم
تكشف هذه الجولة السريعة في تاريخ الفيلم العراقي مفارقة واضحة: ففي الوقت الذي كانت فيه صالات العرض تعيش عصرها الذهبي، ظل الإنتاج السينمائي المحلي محدوداً قياساً إلى اتساع شبكة الدور والإقبال الجماهيري عليها.
وكانت شباك التذاكر تعتمد إلى حد بعيد على الأفلام العربية، ولا سيما المصرية، إلى جانب الإنتاجات الأجنبية. وقد أدت هذه الأفلام دوراً مهماً في تعريف الجمهور العراقي بمدارس سينمائية وثقافات وتجارب مختلفة، لكنها في الوقت نفسه كشفت محدودية حضور الفيلم العراقي على شاشات بلاده.
ولا يعني ذلك غياب التجارب العراقية المهمة، بل إن السينما المحلية قدمت أعمالاً بقي بعضها حاضراً في الذاكرة الثقافية. غير أن حجم الإنتاج لم يكن متناسباً مع غنى المجتمع العراقي وقضاياه وتحولاته، ولا مع كثرة الحكايات والبيئات والتجارب التي تستحق أن تُجسّد على الشاشة وتُروى سينمائياً.
صالات صامتة بلا جمهور
وعن أسباب تراجع دور السينما وغياب جمهورها، بعدما كانت بعض الصالات العراقية تُعدّ من الأحدث في المنطقة، يرى الحسن أن التحولات السياسية والاجتماعية التي أعقبت عام 2003، ومنها صعود تيارات الإسلام السياسي، أسهمت في زيادة تهميش السينما وعدم الاهتمام بها.
ويقارن الباحث التجربة العراقية بنظيرتها الإيرانية، قائلاً إن إيران أولت السينما أهمية كبيرة، ما أتاح لها بناء صناعة سينمائية حققت حضوراً عالمياً، في حين غابت في العراق السياسات الرسمية الداعمة للقطاع، وبقيت معظم المبادرات السينمائية فردية ومحدودة.
ويشير إلى أن بغداد لا تزال تضم مباني عدد من الصالات القديمة، مثل «غرناطة» و«أطلس» و«روكسي» و«سميراميس» و«بغداد»، إلا أن معظمها مغلق أو متداعٍ، ولا يستقبل جمهوراً أو يقدم عروضاً منتظمة. وبعض هذه الصالات يفتح أبوابه بين حين وآخر لاستضافة عروض أو فعاليات محدودة، لكن من دون استعادة الحضور الجماهيري والعائلي الذي عرفته السينما العراقية في عقود ازدهارها.
عودة السينما في المجمعات التجارية
مع ذلك، لا يعني تراجع الصالات التاريخية اختفاء ثقافة مشاهدة الأفلام في العراق. فقد أسهم انتشار المنصات الرقمية وتبدل أنماط المشاهدة في إضعاف دور السينما التقليدية في بلدان كثيرة، وليس في العراق وحده.
وفي المقابل، ظهرت صالات حديثة داخل المجمعات التجارية، تستقطب أعداداً ملحوظة من الشباب والعائلات، وتعرض أنواعاً مختلفة من الأفلام. إلا أن هذه القاعات، على حداثة تجهيزاتها، لا تعوض بالنسبة إلى كثيرين صالات بغداد القديمة، بما كانت تتميز به من رحابة وعدد كبير من المقاعد ومواقع مركزية، فضلاً عن مكانتها في الذاكرة الاجتماعية والثقافية للعراقيين.
وبين مباني الصالات القديمة التي تترنح تحت وطأة الإهمال، والشاشات الجديدة المنتشرة في المجمعات التجارية، تبقى السينما العراقية في حاجة إلى مشروع متكامل لا يكتفي بتوفير أماكن العرض، بل يعيد الاعتبار إلى الإنتاج المحلي، ويحفظ ذاكرة الصالات التاريخية، ويمنح القصص العراقية فرصة الوصول إلى الشاشة والجمهور.
نبض