من بيروت الى البندقية... السينما اللبنانية تحجز مقعدها
يحضر لبنان في مهرجان البندقية من قلب أزماته بفيلمي “Furies” لرامي قديح و“Quelques instants de bonheur” لشادن صفي الدين تازي.
حين تنطلق الدورة الثالثة والثمانون من "مهرجان البندقية السينمائي"، بين 2 و12 أيلول، لن يصل لبنان إليها عبر صورة سياحية أو حكاية منفصلة عن واقعه. يحضر بأزماته نفسها: أموال عالقة خلف أبواب المصارف، حرب تُراقَب من الغربة عبر الهاتف، ومشاريع سينمائية تبحث خارج البلاد عمّا ينقصها من تمويل وفرص.
لا يبدو الحضور اللبناني كبيراً بالأرقام، ولا يصل إلى المسابقة الرسمية على"الأسد الذهبي"، لكنه يتوزع بين فيلمين في الاختيارات الرسمية ومشاريع داخل سوق الإنتاج. حضورٌ يروي البلد من الداخل ومن بعيد، ويكشف في الوقت نفسه كيف تحوّلت الأزمات اللبنانية إلى مادة سينمائية تعبر الحدود.
“Furies” … حين يسرق المودعون أموالهم
في قسم “Venice Spotlight”، يقدّم المخرج اللبناني رامي قديح فيلم “Furies” أو "غضب"، وهو إنتاج لبناني–برازيلي باللغة العربية، من بطولة ماريا ناكوزي وريم مروة وحسن عقيل وعصام بو خالد. كما يشارك جورج كلوني كمنتج تنفيذي إلى جانب شريكه المعتاد غرانت هيسلوف، وذلك عبر شركتهما الإنتاجية الأميركية الشهيرة Smokehouse Pictures.

تنطلق القصة من واقعة يعرفها اللبنانيون جيداً: تتوقف المصارف فجأة عن منح المودعين حق الوصول إلى مدخراتهم. تحتاج "مارو"، وهي أم عزباء، إلى المال لتغطية جراحة ضرورية لشقيقتها الصغرى "داليا"، لكن المصرف يرفض تسليمها أموالها. عندها، تتحول محاولة إنقاذ الأخت إلى خطة سطو ليلية، تنضم إليها شخصيات من ماضي المدينة المسلح، قبل أن تخرج الأحداث عن السيطرة.
الفيلم يُصنّف كدراما وإثارة وجريمة (Thriller / Heist Movie)، ويقارب وجع المودعين اللبنانيين بأسلوب سينمائي سريع الإيقاع.
يستخدم قديح قالب فيلم السطو والتشويق للاقتراب من واحدة من أكثر الأزمات اللبنانية قسوة. فالسارق هنا لا يحاول الاستيلاء على مال الآخرين، بل استعادة ماله. والجريمة لا تبدأ خارج القانون بقدر ما تولد من عجز القانون عن حماية الناس.
ولا تأتي الفكرة من الخيال وحده. يروي قديح أن بذرتها تعود إلى عام 2019، حين علقت مدخراته في المصرف بينما كانت زوجته وشريكته في كتابة السيناريو، نورا ماريانا، تحتاج إلى جراحة. من ذلك العجز الشخصي وُلد سؤال ساخر وغاضب: هل يحتاج إلى كتابة فيلم سطو كي يستعيد ماله؟
يتنافس “Furies” على جائزة الجمهور المخصصة لأفلام “Venice Spotlight”، لتتحول أزمة عاشها ملايين اللبنانيين إلى حكاية يُطلب من جمهور عالمي أن يحكم عليها، لا بوصفها خبراً اقتصادياً، بل تجربة إنسانية عن الغضب والعائلة ومحاولة استعادة الحق.
الحرب من الجهة الأخرى للشاشة
من داخل المصرف، ينتقل الحضور اللبناني إلى شاشة الهاتف في الفيلم الوثائقي القصير “Quelques instants de bonheur” أو "لحظات قليلة من السعادة"، للمخرجة اللبنانية–المغربية شادن صفي الدين تازي.
📌 «لحظات من السعادة»... ذاكرة الحرب اللبنانية في مهرجان «فينيسيا»
— fasllah | فاصلة (@Fasllah_sa) July 23, 2026
🔷 ينافس الفيلم اللبناني القصير "لحظات من السعادة" (A Few Moments of Happiness)، وهو ثاني أفلام المخرجة شادن صفي الدين تازي القصيرة، في المسابقة الرسمية للدورة الـ83 من "فينيسيا السينمائي الدولي".#Venezia83… pic.twitter.com/yJiL90E2F6
يشارك الفيلم، ومدته 18 دقيقة، في مسابقة الأفلام القصيرة ضمن قسم "آفاق"، حيث ينافس على جائزة أفضل فيلم قصير. ويتابع مخرجة لبنانية شابة تغادر بيروت إلى باريس، ثم تجد نفسها عاجزة أمام صور القصف الذي يتعرض له لبنان. من سريرها، تراقب بلادها عبر الهاتف، وتتصل بوالدها يومياً، مسجّلةً حياتها الرقمية وما يعبرها من صور وأصوات وصمت.
يتشكّل الفيلم من تسجيلات الشاشة والرسائل الصوتية والمحادثات المتقطعة، مستعيداً تجربة باتت مألوفة لدى أبناء الاغتراب: أن يشاهدوا الخطر يقترب من بيوتهم، فيما تفصلهم عنه مسافة لا يستطيع الهاتف إلغاءها.
هنا، لا تكون الشاشة نافذة حقيقية على الحرب، بل حاجزاً أيضاً. تمنح صاحبها القدرة على الرؤية، لكنها لا تمنحه القدرة على الحضور أو المساعدة. وبين صورة قصف وأخرى عابرة على منصات التواصل، يطرح الفيلم سؤالاً عن شكل الذاكرة في زمن تُحفظ فيه المآسي داخل الهواتف، وتختلط فيه الصور القاسية بالمحتوى اليومي بلا فاصل.
أفلام تبحث عن فرصة لتولد
لا يقتصر الحضور اللبناني على الأفلام الجاهزة للعرض. ففي “Venice Gap-Financing Market”، الذي يُقام ضمن “Venice Production Bridge”، يشارك مشروع “Holiday” للمخرج اللبناني وسام شرف، وهو إنتاج مشترك بين فرنسا وإيطاليا واليونان ولبنان، بمشاركة شركة “Né à Beyrouth Films”.
ويمنح السوق المشاريع التي قطعت مرحلة متقدمة من التمويل فرصة لقاء منتجين وموزعين ومنصات عرض وجهات تمويل دولية، لاستكمال الطريق نحو الإنتاج. كما يحضر لبنان شريكاً في مشروع “Ya & Niki” للمخرجة الإيطالية را دي مارتينو، الذي يدور جزء من حكايته حول لاجئ سوري عالق في مخيم في بيروت.
وطنٌ يروي أزماته
من امرأتين تخططان لاستعادة وديعتهما بالقوة، إلى مخرجة تراقب حرب بلادها من سرير في باريس، يحمل الحضور اللبناني في البندقية وجهين للبلد نفسه: من بقي عالقاً في الداخل، ومن غادره لكنه لم يستطع الابتعاد عنه.
قد لا تكون للبنان مشاركة في سباق "الأسد الذهبي"، إلا أنّ أفلامه تصل محمّلة بما هو أثقل من الجوائز: أسئلة الناس الذين خسروا أموالهم، وذاكرة الذين شاهدوا بيوتهم تُقصف عبر الشاشات، وإصرار سينمائيين ما زالوا يبحثون، وسط كل ذلك، عن طريقة ليكملوا أفلامهم.
في البندقية، لا يعرض لبنان صورته بقدر ما يعرض جرحه. لكنه، حين يحوّل هذا الجرح إلى سينما، يستعيد شيئاً من قدرته على رواية قصته.
نبض