مهرجان Edinburgh Fringe... وفرة فنيّة أم زحام ثقافيّ؟
تُختتم اليوم، 31 آب، فعاليات مهرجان (Edinburgh Festival Fringe) لعام 2026، بعدما حوّل العاصمة الاسكتلندية، منذ 7 آب، إلى مسرح مفتوح امتدت عروضه من القاعات التقليدية إلى الحانات والحدائق وساحات المدينة.
ويُعدّ “Fringe” أكبر مهرجان للفنون الأدائية في العالم، إذ يجمع المسرح والكوميديا والموسيقى والرقص والسيرك والكباريه والسحر وعروض الأطفال. وضمّت دورة هذا العام قرابة 4200 عروض مسجّلة من 74 دولة، توزّعت على 299 موقعاً، وقدّم فنانوها أكثر من 60 ألف أداء خلال الشهر. أرقام تكشف حجم التنوّع، لكنها تطرح أيضاً سؤالاً: كيف يمكن العثور على العمل الجيد وسط هذا الزحام؟
من الهامش إلى حدث عالمي
وُلد (Fringe) على هامش مهرجان إدنبرة الدولي عام 1947، حين وصلت ثماني فرق مسرحية من دون دعوة، وقرّرت تقديم أعمالها خارج البرنامج الرسمي وفي أماكن بديلة. ومن موقعها على "هامش" المهرجان، استمدّت الظاهرة اسمها وروحها، فاتحةً أبواب المسرح أمام التجارب التي لا تجد مكاناً في المؤسسات الفنية التقليدية.
ومع مرور السنوات، تحوّل (Edinburgh International Festival) و(Festival Fringe) إلى احتفال عالمي بالفنون والثقافة، وجعلا من إدنبرة واحدة من أبرز المدن الثقافية. وبحسب الجهة المنظمة، أصبح (Fringe) ثالث أكبر حدث عالمي قائم على التذاكر، فلا يتقدّمه من حيث الحجم سوى الألعاب الأولمبية وكأس العالم لكرة القدم، مع فارق أنه يعود سنوياً إلى المدينة نفسها.
من الذكاء الاصطناعي إلى مسرح الساونا
عكست عروض 2026 جانباً كبيراً من هواجس العالم الراهن، فتناولت الذكاء الاصطناعي وأزمات الهوية والطبقات الاجتماعية والجماعات المغلقة، إلى جانب الصمود والأمل في عالم مضطرب.
ومن أكثر تجارب الدورة لفتاً للأنظار إقامة أول مسرح داخل ساونا في بريطانيا، حيث شاهد الجمهور، مرتدياً ملابس السباحة، عروضاً مسرحية وموسيقية، من بينها اقتباس حسّي من رواية فرجينيا وولف "الأمواج"، دخلت فيه الحرارة والبخار والرائحة في صلب التجربة.
وسجّل الحضور الفلسطيني محطة بارزة من خلال عرض (The Palestinian Circus: Step and a Half) الذي مزج الرقص الشعبي الفلسطيني بالسيرك المعاصر، في احتفاء بالحرية والتراث والصمود.
كما أثار عرض أماندا نوكس الكوميدي (Cartwheel) ، المستوحى من تجربتها مع الإدانة الخاطئة والسجن والأمومة، جدلاً ودعوات إلى إلغائه، إلا أن المنظمين رفضوا سحبه.
وفي جوائز إدنبرة للكوميديا، فاز كريس كانتريل بجائزة أفضل عرض عن (Rewilding)، فيما نالت مارتي غليسون جائزة أفضل وجه جديد عن (Dog Ear) .
حين تتحوّل الوفرة إلى منافسة
لكن النجاح الهائل حمل معه مفارقة واضحة: فالمهرجان الذي وُلد ليمنح الفنانين فرصة الظهور، بات يضمّ آلاف العروض المتنافسة على الجمهور نفسه. ولم تعد جودة العمل كافية وحدها، إذ يحتاج الفنان إلى حملة تسويقية وتغطية صحافية وحضور على مواقع التواصل، وربما إلى قدر كبير من الحظ.
وتزيد تكاليف السفر والسكن واستئجار المسارح والإعلانات من صعوبة المشاركة. ففي دورة 2026، تقدّم أكثر من 400 فنان للحصول على 16 منحة فقط ضمن صندوق (Keep it Fringe) ، ما يثير مخاوف من أن تصبح الأفضلية لمن يستطيع تحمّل الخسارة، لا لمن يملك الفكرة الأفضل.
المسرح للجميع، لكن... من يراه؟
مع ذلك، لا تكمن المشكلة في كثرة العروض، بل في غياب فرص متساوية للوصول إلى الجمهور. فهذه الوفرة هي التي تجعل (Fringe) مساحة حيّة للاكتشاف والتجريب، لكنها قد تخفي في الوقت نفسه أعمالاً تستحق أن تُرى.
في مهرجان يمنح الجميع حقّ الصعود إلى الخشبة، يبقى التحدّي الحقيقي أن يحصل كلّ فنان على فرصة عادلة كي يُسمَع صوته.
نبض