هل كنتُ أباً جيداً؟... حين يكبر العصفور الصغير ويغادر شجرة أبويه

ثقافة 31-08-2026 | 16:05

هل كنتُ أباً جيداً؟... حين يكبر العصفور الصغير ويغادر شجرة أبويه

أنا وأمك، للمفارقة، صرنا أخيراً على شجرة واحدة، ننظر إليك وأنت تبتعد.
هل كنتُ أباً جيداً؟... حين يكبر العصفور الصغير ويغادر شجرة أبويه
"مراحل الحياة" (1834) بريشة كاسبر ديفيد فريدريش.
Smaller Bigger
ضياء عبد العال*

سافر فارس اليوم.
منذ ساعات قليلة، حمل حقيبته وغادر إلى فرنسا لاستكمال دراسة الموسيقى في مدينة ليل.
وأنا أراقبه يذهب، تذكّرت كتب التعبير الكتابي و"مدخل إلى التعبير السليم" التي كنا نقرأها على مقاعد الدراسة. كانت تمرّ فيها نصوص يكتبها أب إلى ابنه أو ابنته وهما يستعدان للسفر إلى الخارج لإكمال الدراسة. نصائح عن الغربة والحياة والعلم والأخلاق والنجاح، يكتبها أب حكيم يعرف تماماً ماذا يقول.
كنت أقرأها كأي موضوع تعبير مطلوب للامتحان.
لم يخطر في بالي يومها أنني سأصبح ذلك الأب.
والمشكلة أنني وصلت إلى هذه اللحظة من دون أن أصبح حكيماً بما يكفي.
ماذا يقول أب لابنه عندما يصبح الابن أكبر من حاجته إلى وصايا أبيه؟
لا أعرف.
أعرف فقط أن مشاعر كثيرة ازدحمت في داخلي وأنا أراه يغادر.
فرحت لأنه خرج من لبنان، من أتون الأزمات المتتالية والموت البطيء وانسداد الأفق والإحباط والجو المعلّق منذ سنوات بين الحرب واللاسلم.
وفرحت أكثر لأنه خرج من العش نفسه، من مساحة الأمان العائلية وكنف أبويه، إلى الحياة بحلوها ومرّها.
ثم خفت.
وهذا طبيعي، على ما أظن. فالآباء يمضون نصف أعمارهم يحاولون تعليم أولادهم الطيران، ثم يصابون بالهلع عندما يطيرون.
لكن فارس كان قد حسم هذه المسألة منذ الثالثة من عمره.
سألته أمه يومها، من باب اختبار منطقه الطفولي:
- هناك عصفور صغير على الأرض، وشجرتان كبيرتان. تقف أم العصفور على شجرة، وأبوه على الشجرة الثانية. إلى أين يطير العصفور الصغير؟
- أجاب من دون تردد: "بيطير ع شجرة صغيرة... وبيطيروا إمّه وبيّه لعندو".
لم يختر شجرة أمه. ولم يختر شجرتي. اختار شجرته، وطلب منا أن نأتي إليه.
كان في الثالثة، ويبدو أنه فهم الاستقلال قبلي بسنوات طويلة.
كبر فارس بالطريقة نفسها تقريباً. هنيّاً، هادئاً، خفيف الظل. لا أذكره يبكي في طفولته سوى مرة واحدة بسبب مغص قوي انتهى بعد وقت قصير. ثم لم أعد أسمعه يبكي.
كان يحب المدرسة أيضاً، وهذه وحدها كانت كافية لأشك في أنه لا يشبهني كثيراً.
أنا بدأت علاقتي المضطربة بالتعليم منذ الصف الثاني الابتدائي، عندما علّقت معلمة الدين على ظهري لافتة كتبت عليها: "هذا تلميذ كسول"، لأنني لم أحفظ آية قرآنية.
المسكينة لم تكن تعرف أن أبي شيوعي من كفرشوبا، وأن أمي شيوعية من الخيام أيضاً، وإن كانت هويتها تقول إنها شيعية. أما أنا، فلم أكن قد اكتشفت بعد أن ثمة فرقاً بين الكلمتين.
ولم أكن أعرف ما علاقة كل ذلك بالآية التي لم أحفظها، ولا لماذا وضعوني، من الأساس، في مدرسة اسمها "عائشة أم المؤمنين!".
أما جدول الضرب، فلم أحفظ معظمه حتى اليوم، كرهاً بمعلمة الرياضيات المرعبة. هذه واحدة من انتصاراتي التربوية القليلة التي دفعت ثمنها طوال حياتي.
فارس كان على الضفة الأخرى تماماً.
كان التعلم مساحة فرح له منذ طفولته. تفوق في المرحلتين المتوسطة والثانوية، وحصل على إعفاءات متفاوتة من الأقساط المدرسية بسبب تفوقه. وعندما اختار الموسيقى، لم يكن في البيت إرث موسيقي ينتظره. أمه ليست موسيقية، وأنا بالتأكيد لست موسيقياً، ولا أعرف في العائلة موسيقياً يمكن تحميله المسؤولية.
خرجت الموسيقى من مكان ما فيه.
وفي أول "كونسرت" له، كان في الخامسة. جلس أمام البيانو على كرسي أكبر منه، وقدماه الصغيرتان لا تطالان الأرض. ثم بدأ يعزف بثقة رجل يبدو كأنه أمضى حياة سابقة كاملة على المسرح.
ومضى في الطريق.
تفوق في الكونسرفتوار في لبنان بامتياز مع مرتبة الشرف. وكان بإمكان تفوقه الدراسي في الثانوية أن يأخذه إلى اختصاصات كثيرة يحلم بها آخرون. لكنه اختار الموسيقى. واختار فرنسا.
لم نتدخل.
أعتقد أن واحدة من الخدمات القليلة التي يستطيع الأهل تقديمها لأولادهم هي أن يعرفوا متى يتركونهم وشأنهم.
منذ الصف الثاني الثانوي، بدأ فارس يعطي دروس البيانو للأطفال والشباب. كان في عمر يفترض أن يأخذ فيه مصروفه من أبيه، فصار يكسب ماله بنفسه.
ومنذ أكثر من ثلاث سنوات، لم أعطه مصروفاً.
حدث العكس أحياناً.
كنت أستدين منه بعض المال عندما تضيق الأمور في آخر الشهر، وأعيده إليه عندما يصل راتبي في أوله.
لا أعرف ما إذا كان هذا يدخل ضمن المناهج الحديثة لتعليم الأبناء الاستقلال المالي، لكنه نجح معنا على أي حال.
من تلك الدروس، جمع فارس كلفة سفره كاملة، ومصروف إقامته وسكنه لشهرين. علّم أطفالاً كيف يضعون أصابعهم على مفاتيح البيانو، ووضع قرشاً فوق قرش، حتى اشترى لنفسه تذكرة إلى حياته.
هنا تحديداً، أفكر في نفسي عندما كنت في عمره.
كنت أعمل في ورش البناء. أحمل الرمل وأكياس الإسمنت والبلاط وأصعد بها على أدراج المباني لأؤمّن بعض المال.
كنت أعمل كثيراً.
وأركض كثيراً.
ولا أعرف تماماً إلى أين أذهب.
أما هو، فمنذ نحو أربع سنوات، كان يجمع المال من تعليم البيانو وهو يعرف لماذا يجمعه، وإلى أين يريد أن يصل.
ربما لهذا أقول دائماً إن أولادنا يجب أن يكونوا نسخاً متطورة عنا.
وإلا، ما جدوى كل هذا؟
لكن المقارنة معه تعيدني دائماً إلى سؤال آخر، أكثر إزعاجاً:
- هل كنت أباً جيداً؟
لا جواب لدي.
سأترك الإجابة معلّقة إلى أن يصبح فارس أباً، إذا اختار يوماً أن يصبح أباً.
لم أجد "كتالوغ" مع الطفل الأول يشرح لي كيف أُصبح أباً جيداً. لم يقل لي أحد كم يمكن أن نُؤذي أبناءنا ونحن نعتقد أننا نحميهم، وكم من عقدنا القديمة نُمرّرها إليهم من دون أن ننتبه.
- ومن قال إنني خالٍ من العقد أصلاً؟
أخطأت كثيراً يا فارس.
وأنا آسف.
سأختصر عليك سنوات من التحليل النفسي: أبوك غير مثالي.
لكنني حاولت أن أتطور.
عندما أصبت بسرطان الكلية قبل عشر سنوات، خفت من أثر أزمتي عليك. ذهبت إلى أستاذ في تقنية التأمل التجاوزي وطلبت منه أن يعلّمك التأمل، حتى تستطيع تحمّل توتري وقلقي إلى أن أعبر المرحلة.
سمعني، ثم قال بهدوء إن المشكلة عندي أنا، وليست عند فارس.
قلت له: علّمني إذاً.
وهكذا تعلمت التأمل كي أحميك مني.
ربما كانت تلك من أغرب الطرق التي حاولت فيها أن أكون أباً أفضل.
أمك كانت أوعى مني في التعامل مع طفولتكما. وفي الحقيقة، كانت أوعى مني في معظم ما يتعلق بك وبأختك هند. امتلكت دائماً طريقتها الخاصة في التواصل معكما، غامرة بالعاطفة والاحتواء. وكان لي أسلوبي الآخر، المترع أحياناً بالرسائل غير المباشرة، والنكد، والوجه المتجهم الذي يحتاج إلى مترجم فوري لمعرفة أن صاحبه يحبك.
العنف لم يدخل خياراتنا.
لكن للكلمات عنفها أيضاً، وللأسلوب أثره.
وكنت أقول لك مراراً: حاول أن تفصل بين الفكرة التي أريد إيصالها وبين الطريقة المنفّرة التي قد أقولها بها.
أعرف اليوم أن هذا الطلب نفسه فيه شيء من الوقاحة. كان يمكنني ببساطة أن أتعلم قول الأشياء بطريقة أفضل.
لهذا، خذ مني ما أحببته.
واترك الباقي هنا.
كل خصلة لم تحبها في شخصيتي، تجاوزها. كل خطأ رأيتني أكرره، لا تحمله معك. كل شيء آذاك مني، حاول أن تقطع الطريق عليه قبل أن يصل يوماً إلى أولادك.
يمكنك أن تشبهني في ما أحببته بي.
أما ما لم تحبه، فلا أرى سبباً واحداً يجعلك تكرّره.
وإلا ستراوح الحياة مكانها، وسنظل نُسخاً رديئة متعاقبة عن آبائنا.

وأعتذر أيضاً عن كل مرة حاولت فيها، من دون أن أشعر، أن أستعجلك. أنا شخص لحوح وعجول. أركض مع الحياة كأنها ستغادر بدوني.
أنت لست مثلي.
وأتمنى أن تكون كل محاولاتي لجعلك مثلي قد باءت بالفشل.
ابقَ مثلك.
افعل الأشياء على مهلك، وبهدوئك، وبذلك البرود الذي كان يستفزني أحياناً لأنني لم أكن أملكه. دع الحياة تتعلم المشي إلى جانبك بالوتيرة التي تناسبك.
اضبط إيقاعها كما تضبط سرعة معزوفة.
ربما لهذا أيضاً سأشتاق إلى صوت البيانو في البيت.
سأشتاق إلى مقطوعة صعبة جديدة تحتل الصالون أشهراً. إلى النوتات نفسها تتكرر آلاف المرات، ثم آلافاً أخرى، حتى أشعر أحياناً أنني حفظتها رغماً عني، بينما أنت لا تزال تجد فيها خطأ صغيراً يستحق أن تبدأ من جديد.
وسنشتاق إلى لمّة رفاقك في البيت.
سيبقى الصالون لهم.
قل لهم أن يأتوا متى شاؤوا، حتى في غيابك.
فالبيوت التي يغادرها أولادها تحتاج إلى بعض الضجيج كي لا تنتبه سريعاً إلى الفراغ.
لا أنكر أنني خائف عليك.
لكن خوفي لا قيمة له.
منذ جئت أنت وهند إلى الحياة، تعلمنا أمك وأنا، ببطء، حقيقة يصعب على الأهل قبولها: لا نستطيع أن نحميكما من الحياة.
نستطيع أن نحبكما. أن نحاول توفير الأمان والاستقرار. أن نكون موجودين عندما تحتاجان إلينا. أن ندعو لكما.
أما الحياة، فهي لكما.
أتمنى أن تكون حياتك مليئة بالتطور والغبطة والنعمة والحب والتعاطف. وأن تبقى بعيداً عن التطرف والتعصب والأذى، وعن أمراض هذه البلاد المأزومة بالماضي ومحن العقل والتحجر والظلامية.
وجيد أنك خرجت من لبنان.
أقولها وفي داخلي كل الألم الذي تحمله الجملة.
جيد أنك ابتعدت عن بلد يضيق فيه الفضاء بأبنائه، ويكبر فيه الإحباط أسرع من الأحلام، ويعيش أهله منذ سنوات بين حرب ولاسلم، وبين أزمة تنتظر أخرى كي تنسينا سابقتها.
لك أن تبتكر فضاءك الآن.
لكن انتبه أيضاً إلى البريق.
الغرب الذي ستعيش فيه ليس فردوساً. الحضارة التي ستُبهرك بإنجازاتها تحمل تناقضاتها ومعاييرها المزدوجة أيضاً. لا تسمح لأي مكان أن يأخذ منك قدرتك على التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والجمال والقبح.
وفلسطين ستبقى امتحاناً أخلاقياً لهذا العالم.
أتذكرك في الصف الخامس، واقفاً على مسرح المدرسة في "يوم اللغة العربية"، بحضور أحمد قعبور، تُلقي قصيدة لمحمود درويش.
كنت طفلاً يومها.
واليوم أنت الممتلئ بأسباب الرحيل.
ساهم في رحيلك هذا البلد بزعمائه ومافياته وميليشياته ومصارفه وطوائفه وأحزابه ورجال دينه وحروبه، وساهم فيه أيضاً عدو يقف خلف الحدود ويصرّ منذ أجيال على أن يجعل الحياة هنا أصعب.
لا أريد منك أن تحمل معاركنا معك.
يكفيني ألا تفقد بوصلتك.
وإذا صادفت إسرائيلياً في طريقك، أكمل طريقك كأنك لم تره.
لا أحمّلك كراهيةً، ولا أطلب منك مصالحةً مع من احتل أرضاً وشرد شعباً.
ولا أريد لذاكرتك أن تُمحى.
أتمنى أن تنجو من الاثنين معاً.
قبل ساعات، كنت هنا.
الآن أنت في طريقك إلى مدينة أخرى، وبيت آخر، وغرفة لا أعرف شكلها بعد، وحياة لن أعرف كل تفاصيلها بعد اليوم.
هذه أيضاً فكرة يحتاج الأب إلى وقت كي يهضمها.
لقد أنعمت عليّ الحياة كثيراً.
وأنت واحدة من نعمها.
حاولنا أمك وأنا أن نوفر لك ولأختك الحب والأمان والاستقرار قدر استطاعتنا. لا أعرف إن كنا نجحنا. ربما يكون هذا أيضاً من الأسئلة التي لا يحق للآباء أن يجيبوا عنها بأنفسهم.
لكننا فعلنا ما عرفناه.
وأحياناً ما لم نعرفه.
وحاولنا.
واليوم لا ننتظر منك شكراً.
ولا ننتظر منك أن تثبت لنا شيئاً.
حتى النجاح لا نطلبه منك.
بالنسبة إلينا، شيء أساسي منه تحقق هذا الصباح عندما حملت حقيبتك، التي دفعت ثمن رحلتها وتكاليفها بنفسك، وخرجت من الباب إلى الطريق الذي اخترته بنفسك.
أتذكر الآن ذلك العصفور الصغير.
مرت سنوات طويلة منذ سألته أمه إلى أي شجرة سيطير.
لم تعد الشجرة الصغيرة خياراً.
كبر العصفور.
وصار له جناحان.
وأنا وأمك، للمفارقة، صرنا أخيراً على شجرة واحدة، ننظر إليك وأنت تبتعد.
أمامك من اليوم أشجار كثيرة.
اختر ما تشاء منها.
غيّرها عندما تريد.
وإذا لم تعجبك أي شجرة، ابحث عن واحدة أخرى.
لا تطِر إلينا لأننا ننتظرك.
طِر إلى المكان الذي تريد أنت أن تكون فيه.
وسنجد، أنا وأمك، طريقنا إليك.
لك غدك البعيد.
ولك الطريق.
ولك الموسيقى.
ولك الحياة... يا فارس.

*  كاتب وصحافي
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/29/2026 8:48:00 PM
عاد صانع المحتوى معتذراً للطيار والشعب السوري في مقطع فيديو آخر، مؤكداً أن الموقف كان عفوياً وأنه لم يقصد الإساءة.
المشرق-العربي 8/30/2026 6:52:00 PM
تمت مداهمة مكان اختبائه في مدينة صافيتا بريف طرطوس.‏
آراء 8/30/2026 1:13:00 PM
ماذا يحدث عندما تنشأ قطيعة خطيرة وغير قابلة للإصلاح بين البطريرك وسينودس أساقفة الكنيسة البطريركية، ويرفض البطريرك، رغم طلب السينودس، تقديم استقالته؟
العالم 8/29/2026 4:03:00 AM
تُوّج روكيدي الرابع ملكاً في 12 أيلول/سبتمبر 1995، وهو في الثالثة من عمره، عقب وفاة والده روكيراباسايجا باتريك ديفيد ماثيو كابويو أوليمي الثالث.