لوري أندرسون تكتب كتاباً لن يُقرأ قبل عام 2114
أن تكتب كتاباً يعني، في العادة، أن تنتظر قارئاً. أن تتخيله يقلب الصفحة الأولى، أن تترقب ما سيقوله، وما إذا كان سيحب ما كتبت أو يرفضه أو ينساه. لكن ماذا لو كان هذا القارئ لم يولد بعد، ولن يولد ربما قبل عقود؟ ماذا لو كنت تعرف، وأنت تضع النقطة الأخيرة، أنك لن تكون موجوداً حين تُفتح الصفحة الأولى؟
هذه هي المغامرة التي اختارتها الفنانة والكاتبة والموسيقية الأميركية لوري أندرسون، بعدما أصبحت الشخصية الثالثة عشرة التي تنضم إلى مشروع "مكتبة المستقبل" في أوسلو. ستكتب مخطوطاً يُغلق عليه بعيداً من العيون، فلا مراجعات ولا حفلات توقيع ولا قوائم مبيعات، ولن يخرج إلى النور إلا عام 2114، أي بعد 88 عاماً. وهي تلتحق بأسماء أدبية بارزة سبقتها إلى هذا الموعد البعيد، بينها مارغريت أتوود، وهان كانغ، وأوشن فونغ، وأليف شافاك، وكارل أوفه كناوسغارد، وأميتاف غوش.
مكتبة المستقبل
غير أن "مكتبة المستقبل" ليست مجرد مكان تُخبأ فيه الكتب انتظاراً لزمن آخر. فالمشروع الذي ابتكرته الفنانة الاسكتلندية كاتي باترسون عام 2014 يبدو في ذاته عملاً فنياً عن الزمن، وربما عن الإيمان أيضاً. ففي غابة نورد ماركا شمال أوسلو، زُرعت ألف شجرة تنوب، وهي من الأشجار الصنوبرية دائمة الخضرة، لتُترك تنمو قرناً كاملاً، قبل أن تتحول أخشابها إلى ورق تُطبع عليه المخطوطات السرية.

وإلى أن يحين ذلك الموعد، تنتظر النصوص داخل غرفة صامتة صُممت خصيصاً لها في مكتبة ديخمان بيورفيكا العامة في أوسلو. هكذا يبدأ الكتاب شجرة، ويصبح مخطوطاً سرياً، ثم انتظاراً يمتد جيلاً بعد جيل، قبل أن يعود في النهاية ورقاً بين يدي قارئ لا يعرف الكاتب عنه شيئاً.
في الفكرة ما يناقض إيقاع عصرنا كله. ففي زمن يُقاس فيه نجاح النص بعدد المشاهدات خلال ساعات، ويصل رد فعل القارئ إلى الكاتب قبل أن يبتعد عن زر "النشر"، تراهن "مكتبة المستقبل" على النقيض: البطء والسر والانتظار. والأهم، على يقين غريب وجميل بأن المستقبل سيظل يضم إنساناً يريد أن يفتح كتاباً.
رسالة عن الحب إلى عام 2114
ربما لهذا يبدو اختيار لوري أندرسون منسجماً على نحو خاص مع المشروع. فالفنانة الأميركية التي تنقلت طوال مسيرتها بين الموسيقى والأداء والفنون البصرية والكتابة والتكنولوجيا، جعلت من الزمن والذاكرة وطرق رواية الحكايات جزءاً من عالمها الفني. حتى مخطوطها المنتظر لم يتخذ شكله بعد؛ فقد يكون نصاً أو قصة أو مقطوعة موسيقية أو مجموعة تعليمات، أو، كما تقول باترسون، "شيئاً لا نملك له اسماً بعد".
لكن أندرسون تعرف تقريباً ما تريد أن ترسله عبر الزمن: تأمل أن تكتب "شيئاً مفيداً عن الحب" للأشخاص الذين سيقرأونها عام 2114، وأن يتمكن أولئك الغرباء البعيدون من سماع صوتها في الكلمات، كما كانت هي تسمع أصوات الكتّاب في الكتب التي أحبتها.
هل سيظل الحب يعني الشيء نفسه؟
وهنا يتجاوز المشروع غرابته الفنية ليطرح سؤالاً أكثر حميمية: ماذا يمكن لإنسان من زمننا أن يقول عن الحب لإنسان سيعيش بعد نحو تسعين عاماً؟ هل سيظل الحب يعني الشيء نفسه؟ هل ستبقى الكتب على صورتها التي نعرفها؟ وأي عالم سيكون قائماً خارج المكتبة حين يُكسر صمت تلك الغرفة وتخرج المخطوطات منها؟
لا تعرف أندرسون الإجابة، ولا يعرفها أصحاب المشروع. وربما تكمن قوة الفكرة في هذا المجهول تحديداً. فكل كتاب هو، بطريقة ما، رسالة يتركها شخص لغريب لا يعرفه. غير أن الكاتب يستطيع عادة أن يأمل بأن يكون في مكان ما من العالم حين تصل رسالته. أما هنا، فالكتابة تقوم على قبول استحالة اللقاء.
أشجار نورد ماركا ورقاً
عام 2114، حين تصبح أشجار نورد ماركا ورقاً وتُفتح المخطوطات، سيكون معظم الذين كتبوا تلك الكلمات قد غابوا منذ زمن. وسيجلس قارئ ما، في عالم لا نستطيع اليوم تخيل ملامحه، ويفتح كتاباً كُتب من أجله قبل أن يولد.

لعل هذه أجمل مغامرة في "مكتبة المستقبل": أن تكتب لا لأنك تعرف قارئك، بل لأنك تؤمن بأنه سيأتي. وأن تترك له كلماتك، ثم تمضي، واثقاً بأن أحداً، بعد زمن طويل، سيفتح الكتاب.
نبض