في وداع الملوك… كيف أصبحت الزهور لغة الحداد الملكي؟

ثقافة 29-08-2026 | 14:31

في وداع الملوك… كيف أصبحت الزهور لغة الحداد الملكي؟

كيف أصبحت الزهور جزءاً شبه بديهي من وداع الملوك؟ وكيف انتقلت، عبر التاريخ، من نباتات ارتبطت بالموت والطقوس الجنائزية إلى لغة رمزية، ثم إلى وسيلة يعبّر بها الناس أنفسهم عن علاقتهم بالملكية؟
في وداع الملوك… كيف أصبحت الزهور لغة الحداد الملكي؟
في وداع الملك
Smaller Bigger

ميرا فاضل 

 

 

لم يحتج النرويجيون إلى إعلان بروتوكولي كي يعرفوا ماذا يحملون معهم إلى القصر.
منذ الساعات الأولى لوفاة الملك هارالد الخامس، أمس الجمعة، بدأ الناس يتوافدون إلى الساحة أمام القصر الملكي في أوسلو، حاملين باقات الزهور والشموع. رحل هارالد عن 89 عاماً، بعدما حكم النرويج 35 عاماً، وكان عند وفاته أكبر ملوك أوروبا سناً. وسرعان ما بدأت الزهور تتراكم أمام القصر، في مشهد بات مألوفاً في وداع أفراد العائلات الملكية الأوروبية. لكن لهذا المشهد في النرويج ذاكرة خاصة.

قبل 35 عاماً، كان هارالد نفسه يعيش الحداد على والده، الملك أولاف الخامس. ففي ليلة 17 كانون الثاني 1991، وبعد إعلان وفاة أولاف، خرج آلاف النرويجيين إلى الساحة نفسها، ووضعوا الزهور وأشعلوا الشموع حتى تحولت، وفق توصيف القصر الملكي النرويجي نفسه، إلى "بحر من الزهور والشموع". 

 

بحر الزهور في وداع الأميرة ديانا
بحر الزهور في وداع الأميرة ديانا

 

 

فكيف أصبحت الزهور جزءاً شبه بديهي من وداع الملوك؟ وكيف انتقلت، عبر التاريخ، من نباتات ارتبطت بالموت والطقوس الجنائزية إلى لغة رمزية، ثم إلى وسيلة يعبّر بها الناس أنفسهم عن علاقتهم بالملكية؟

 

الزهور أقدم من الممالك

 

 

في الحقيقة، سبقت العلاقة بين الزهور والموت الممالك الأوروبية بآلاف السنين. ولعل أشهر الأدلة القديمة يأتي من مصر الفرعونية؛ فقد عُثر ضمن المواد الجنائزية المرتبطة بتوت عنخ آمون على أطواق مصنوعة من أوراق وبتلات وأزهار وتوت، يرجّح أنها استُخدمت خلال مراسم دفنه قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.

 

حين كانت الزهور حاجة قبل أن تصبح رمزاً

 

 

ارتبط وداع الملوك بالزهور في أوروبا عبر التاريخ بتحول عميق انتقل من الحاجة الطبية والعملية البحتة لإخفاء روائح التحلل، إلى لغة بروتوكولية وسياسية مشفّرة تعبّر عن مكانة الملك الراحل وعلاقاته الدبلوماسية.

 

 

زهور الوداع للملكة إليزابيث الثانية
زهور الوداع للملكة إليزابيث الثانية

 

ففي العصور الوسطى، كانت الجنازات الملكية تتطلب أسابيع أو أشهر من التخطيط لتمكين النبلاء والملوك الأجانب من السفر وحضور المراسم. ونظراً لأن تقنيات التحنيط لم تكن متطورة بما يكفي، كانت الزهور والأعشاب العطرية تستخدم بشكل أساسي كأداة وقائية لتغطية الروائح الكريهة: كان يتم حشو وكساء نعش الملك بطبقات كثيفة من الزهور ذات الروائح النفاذة والأعشاب لمنع انبعاث روائح التحلل أثناء عرض الجثمان العام واستخدمت نباتات مثل اللافندر (الخزامى)، والأوريغانو، وإكليل الجبل (الروزماري) التي لم تكن تمنح رائحة طيبة فحسب، بل كان يُعتقد أنها تطهر الهواء من الأمراض.
أي إن الزهرة، قبل أن تحمل رسالة، كانت تؤدي وظيفة. وقبل أن تصبح رمزاً للحب والوفاء والذكرى في وداع الملوك، كانت جزءاً من محاولة الإنسان التعامل مع حقيقة الموت نفسها.

 

العصر الفيكتوري: ولادة " لغة الزهور"

 

 

في القرن التاسع عشر، وخصوصاً خلال العصر الفيكتوري في بريطانيا، اكتسبت الزهور بعداً جديداً في التعبير عن المشاعر. فبعدما ارتبط استخدامها في الطقوس الجنائزية بوظائف عملية ورمزية، تحوّلت تدريجياً إلى لغة قائمة بذاتها، عُرفت باسم "لغة الزهور" .  حيث ارتبطت أنواع الزهور وألوانها بمعانٍ تتصل بالحب والفقد والوفاء 
وفي طقوس الحداد، ازدادت أهمية الأكاليل والتنسيقات الزهرية، فيما ارتبطت الزهور البيضاء، ومن بينها الزنابق، بمعاني النقاء والسلام والبعث في التقليد المسيحي، لتصبح مع الوقت من الصور المألوفة في الجنازات الأوروبية.

 

من الزهرة إلى الرمز في الوداع الملكي الحديث

 

 

لم تختفِ هذه اللغة مع انتهاء العصر الفيكتوري. فقد حافظت المراسم الملكية الحديثة على رمزية النباتات والزهور، وإن لم تكن هناك "شفرة ملكية" موحّدة تحدد معنى كل زهرة. ويظهر ذلك في الاختيارات الدقيقة التي ترافق بعض الجنازات الملكية.
ففي إكليل الملكة إليزابيث الثانية عام 2022، مثلاً، اختير إكليل الجبل رمزاً للذكرى، والآس رمزاً للزواج السعيد، وأوراق البلوط الإنجليزي رمزاً للقوة والثبات. وكان للآس معنى شخصي إضافي، إذ أُخذ من نبتة نمت من غصن كان ضمن باقة زفاف الملكة عام 1947.
وهكذا، لم تعد الزهرة مجرد عنصر جمالي في وداع الملوك، بل أصبحت قادرة على حمل شيء من سيرة الراحل نفسه: زواجه، وذاكرته، ووطنه، وحتى علاقته بالأرض.

 

ديانا… حين خرجت الزهور من البروتوكول

 

 

لكن التحول الأكبر لم يحدث فوق نعش ملك، بل خارج أبواب القصور.
ومن منّا لا يتذكّر بحر الزهور الذي غمر قصر كنسينغتون في وداع الأميرة ديانا عام 1997، في واحد من أكثر مشاهد الحداد الشعبي رسوخاً في الذاكرة؟

بعد وفاة الأميرة ديانا في 31 آب 1997، بدأ البريطانيون بالتوافد إلى قصر كنسينغتون وباكنغهام وسانت جيمس. باقات، رسائل، شموع، دمى وصور أخذت تتراكم يوماً بعد يوم، حتى قدّرت الشرطة آنذاك أن أكثر من مليون باقة وُضعت أمام المواقع الملكية الرئيسية.
منذ ذلك الحين، لم تعد الزهور في الوداع الملكي حكراً على البروتوكول، بل أصبحت لغة الشعوب في التعبير عن حزنها و توديع ملوكها.

 

واليوم… تعود الزهور إلى أوسلو

 

واليوم، يتكرّر المشهد في أوسلو، حيث تتراكم الباقات أمام القصر الملكي في وداع هارالد الخامس، مؤكدةً أن الزهور لا تزال، بعد كل هذه القرون، حاضرة حين يحين وقت الوداع.
الزهرة الأخيرة
من الأعشاب العطرية التي رافقت الموت قديماً، إلى "لغة الزهور" في العصر الفيكتوري، ثم الأكاليل الملكية المحمّلة بالرموز وباقات الناس أمام أبواب القصور، تغيّرت وظيفة الزهور ومعانيها عبر القرون.
لكن شيئاً واحداً بقي على حاله: حين تنتهي المراسم وتصمت الكلمات، تبقى زهرةٌ أخيرة تقول ما لم يُقَل… وداعاً.

الأكثر قراءة

العالم 8/29/2026 4:03:00 AM
تُوّج روكيدي الرابع ملكاً في 12 أيلول/سبتمبر 1995، وهو في الثالثة من عمره، عقب وفاة والده روكيراباسايجا باتريك ديفيد ماثيو كابويو أوليمي الثالث.
لبنان 8/26/2026 7:18:00 PM
أعلن المكتب الإعلامي للنائب اللبناني جبران باسيل أنه خضع لعملية جراحية بسيطة تكلّلت بالنجاح، مؤكداً أن وضعه الصحي ممتاز وأنه سيستأنف نشاطه السياسي المعتاد اعتباراً من الغد.
لبنان 8/27/2026 8:19:00 PM
نقلت القناة 14 الإسرائيلية عن تقديرات أن "جزءاً كبيراً من المسلحين" قُتلوا داخل منشآت وبنى تحتية في منطقة علي الطاهر
لبنان 8/28/2026 3:47:00 PM

طقس نهاية الأسبوع في لبنان: ماطر بغزارة مع برق ورعد واحتمال تساقط حبات من البرد وتشكّل السيول