والذائقة الأدبية: من يختار ما نقرأ؟ BookTok
داخل عالم تيك توك الواسع، نشأ مجتمع فرعي له لغته الخاصّة وجمهوره وترنداته: بوك توك. يجمع هذا الفضاء القرّاء والكتّاب وصنّاع المحتوى حول الكتب، من خلال مراجعات سريعة، توصيات، اقتباسات وانطباعات شخصيّة قد تحوّل كتاباً مغموراً إلى ظاهرة، أو تعيد رواية قديمة إلى قوائم الأكثر مبيعاً. وما بدا كمساحة افتراضيّة يتبادل فيها محبّو القراءة كتبهم المفضّلة، أصبح اليوم لاعباً مؤثّراً في صناعة النشر وبالطريقة التي يكتشف بها الجيل الجديد قراءاته.
لكن مع اتساع هذه القوة، لم يعد السؤال يقتصر على ما إذا كان بوك توك يشجّع على القراءة، بل يصل إلى كيف يساهم في تشكيل ذائقة القرّاء، وعمن يملك القدرة على التأثير فيها.
فحين تتحوّل التوصية الشخصيّة إلى وسيلة قادرة على دفع كتاب نحو الشهرة والمبيعات، تصبح الحدود بين الرأي والتأثير والترويج أكثر التباساً، خصوصاً مع الجدل الأخير حول تقاضي بعض صنّاع المحتوى مبالغ ماليّة مقابل مراجعة الكتب.

بين التّوصية والتّرويج
لكن نجاح بوك توك لم يخلُ من الجدل. فقد أعاد نقاش حديث في أوساط المنصة طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل يمكن أن تبقى مراجعة الكتاب رأياً مستقلاً إذا كان صاحبها يتقاضى المال مقابل تقديمها؟ وجاء الجدل بعد حديث صانع محتوى عن تقاضي ما يصل إلى ألف دولار من كتّاب مستقلين مقابل قراءة كتبهم ومراجعتها، قبل أن يعتذر لاحقاً عن الفيديو الذي أثار الانتقادات.
وهنا يظهر التناقض في الظاهرة: المنصة التي جعلت من القارئ صوتاً مؤثراً في صناعة الكتاب، قد تجعل هذا الصوت نفسه جزءاً من سوق التسويق للكتب.
حين تختار الخوارزمية ما نراه
لكن المال ليس العامل الوحيد الذي يؤثر في الكتب التي تصل إلى القارئ|؛ فحتى التوصية العفوية والصادقة تمرّ عبر وسيط آخر، أقل وضوحاً وأكثر حضوراً: خوارزمية تيك توك.
حين يحقق فيديو عن كتاب ما تفاعلاً مرتفعاً، تزداد فرص ظهوره أمام مستخدمين جدد، قد يبحثون عن الكتاب أو يقرأونه أو يصنعون محتوى جديداً عنه. ومع تكرار هذه الدائرة، قد يتحول عنوان واحد خلال فترة قصيرة إلى ظاهرة يصعب تفاديها على بوك توك.

وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل تنتشر بعض الكتب لأنها الأفضل، أم لأنها أكثر قابلية للتحول إلى محتوى؟
بهذا المعنى، لا تختار الخوارزمية للقارئ كتابه التالي بشكل مباشر، لكنها تختار إلى حد بعيد ما سيشاهده مراراً. والتكرار بدوره يصنع الألفة والفضول، وقد يحوّل كتاباً من مجرد عنوان بين آلاف العناوين إلى “الكتاب الذي يقرأه الجميع".
ومع ذلك… نقرأ
في النهاية، ربما لا يحتاج بوك توك إلى حكم نهائي بقدر ما يحتاج إلى قراءة واعية لتأثيره. فقد أعاد الكتاب إلى الواجهة وخلق جيلاً يتحدث عن القراءة ويتشاركها، لكنه في الوقت نفسه منح التوصية والخوارزمية قدرة غير مسبوقة على توجيه الانتباه نحو عناوين دون أخرى. وبين قارئ يختار، وصانع محتوى يوصي، وخوارزمية تقرر ما يظهر أولاً، يبقى السؤال الذي بدأ منه النقاش: من يختار ما نقرأ؟
نبض