الفن الفلسطيني بلا "جمل المحامل"... سليمان منصور يُلقي ريشته ورحل
حمّالٌ مسنٌّ يعبر فضاءً خالياً، وقد ضغط حبلٌ على جبهته. يداه وقدماه هائلتان. جسده ينحني تحت وطأة حمولته؛ صرّةٌ على هيئة عينٍ تضمّ القدس، وقد احتشدت بيوتها حول قبّة الصخرة الذهبية. منهكٌ، ولا يتوقّف؛ ولأكثر من نصف قرن، حمل مدينته. أمضى الفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور مسيرته الفنية متأملاً ما يتطلّبه حملٌ كهذا.
"جمل المحامل" عنوانها، ويُقال إنّ الروائي الفلسطيني إميل حبيبي هو من اقترحه. لوحة من عام 1973، حوّلها منصور إلى ملصق بعد عامين، مدفوعاً برغبته في إيصال رسالتها، وسرعان ما تحوّلت إلى ظاهرة عابرة للحدود، عند ملتقى الفن والمقاومة والهوية. وقد حظيت اللوحة بشعبية هائلة في فلسطين حتى قيل إنّ نسخة منها كادت لا تخلو منها دار، ووجد فيها الفلسطينيون والعرب، على اختلاف أجيالهم، ما يمسّهم ويعنيهم.

وُلد منصور في بيرزيت عام 1947، قبل النكبة بعام واحد. فقد والده في الرابعة من عمره، وأُرسل إلى مدرسة داخلية لوثرية في بيت لحم، حيث أدرك معلّم ألماني موهبته في الرسم. وقد زوّدته بساتين الزيتون والمصاطب الحجرية في بيرزيت، والمنشآت المصنوعة من الطين والقش التي كانت تبنيها جدته، بذكريات سيعود إليها وتعود صوراً من الذاكرة ومواضيع للوحاته. درس في أكاديمية بتسلئيل في القدس بين عامي 1967 و1970، متنقلاً في مدينة كانت قد قُسمت للتو. وفي مقابلة مع مجلة ذا ساوث إيست ريفيو عام 2024، استعاد المرحلة التي أعقبت حرب 1967 قائلاً: "كنّا نتوق إلى البحر، فهو عامل ثقافي أساسي في ذاكرتنا".
أبجدية الصمود الفلسطيني
من ذلك التصدّع انبثقت الأيقونات المبكرة في أعمال منصور. اكتسب الفلاحون الفلسطينيون مهابة الشخصيات التاريخية، وجسّدت النساء المرتديات الأثواب المطرّزة الأرض والخصوبة. استحضر البرتقال في لوحاته البلاد التي فُقدت عام 1948، والزيتون رمز التجذّر الذي بات مهدَّداً بعد عام 1967، والقدس تارةً محمولة بين ذراعين، وطوراً متوازنة فوق رأس امرأة، محمولة كإرث ثقيل. كلّ عنصر في لوحاته تكلّم بلغة الصمود.

ساهم منصور في تأسيس رابطة الفنانين الفلسطينيين في أوائل السبعينيات، ثم ترأّسها لاحقاً من عام 1986 إلى عام 1990. وفي ظل قلّة صالات العرض الدائمة، عمّمت الرابطة ملصقات وبطاقات بريدية زهيدة الثمن، وأسست بذلك ثقافة بصرية حديثة خارج نطاق المؤسسات التقليدية. وصادرت السلطات العسكرية الإسرائيلية أعمالاً فنية، وأغلقت معارض، وفرضت قيوداً على تمثيل العلم الفلسطيني وألوانه. وفي ذلك السياق، لم يعد استنساخ الأعمال انتقاصاً من قيمة الفن، وإنما بات وسيلة لنشره وضمان بقائه.
خلال الانتفاضة الأولى، شارك منصور فيرا تماري ونبيل العناني وتيسير بركات في تأسيس جماعة "رؤى جديدة". قاطع الفنانون المستلزمات المصنّعة في إسرائيل والمواد المستوردة عبرها، وقادهم موقفهم إلى استخدام الطين والصلصال والقش والحناء والقهوة والشاي والجلد وشظايا الفخار. وصارت الأرض الفلسطينية جزءاً ملموساً من أعمال منصور.

كان الطين يُكدَّس في طبقات ويُشكَّل فوق الخشب، ثم يُترك ليجف ويتشقّق، وأحياناً ليتفتّت. حمل ذكريات خلايا النحل والأفران التي كانت تصنعها جدته، لكنه انطوى أيضاً على دلالة أكثر قتامة: فالأرض والجسد قابلان للتشظّي، وقد يتعرّض ثباتهما الظاهري للضغط. التصدّعات علامات المنفى والفناء وخطر التلاشي؛ والأرض قد تتشقّق، لكنها تبقى أرضاً.
ساهم منصور كذلك في بناء المؤسسات التي كان الفن الفلسطيني يفتقر إليها، فشارك في تأسيس مركز الواسطي للفنون في القدس الشرقية، ودرّس أجيالاً من الفنانين الشباب، وساعد في إنشاء الأكاديمية الدولية للفنون في فلسطين.

وبرحيله، يفقد الفن الفلسطيني واحداً من أبرز صانعي ذاكرته البصرية الحديثة. جمل المحامل لم يضع حمله. ما زال منحنياً تحت القدس، متقدّماً عبر الأرض القاحلة، يحمل مدينته نحو العالم.
نبض