هيا بنا نهرب ونلعب في "قاع الهامور"!
غير معقول أنك حتى الآن لم تنضم إلى صفحة "قاع الهامور"، ولم تبحث عن أداة ذكاء اصطناعي تعيد ضبط صورتك وتمنحها فرصة لحياة لذيذة وسط كائنات البحر الملوّنة والمبهجة!
في 11 آب/أغسطس الجاري، أُنشئت صفحة "شكاوى أهالي قاع الهامور"، وخلال أيام معدودة انضم إليها مليون و800 ألف عضو، وانتشرت ملايين التدوينات التي تتضمّن تعليقات وصوراً ومقاطع فيديو تستلهم أجواء "قاع الهامور" وشخصياته. ثم توقّفت الصفحة فجأة لمدة 59 يوماً، على أن تستأنف نشاطها في 22 تشرين الأول/أكتوبر. فما قصة هذه المدينة الافتراضية تحت البحر، الأبعد من مسلسل "سبونج بوب"؟ وما سرّ هوس الملايين بها؟ هيا بنا نلعب، أو نهرب، ونقرأ الصفحة من عنوانها.
شكاوى أهالي قاع الهامور
الكلمة الأولى في العنوان هي "شكاوى"، وهي كلمة راسخة منذ آلاف السنين في الوعي المصري، منذ زمن "شكاوى الفلاح الفصيح" أمام الملك. فالشكوى ترتبط بالشعور بالظلم، وغياب العدالة أو بطئها، وانسداد أفق حرية التعبير، والفجوة بين الحاكم والمحكوم. والإنسان بطبعه شكّاء بكّاء، يميل إلى الشكوى حتى لو كان هو نفسه ظالماً، أو يرغب في أخذ ما ليس من حقه.

تفتح الكلمة الأولى باباً للمواساة والتضامن والتنفيس والفضفضة، خصوصاً إذا كانت الشكوى المباشرة والواقعية لا تأتي بنتيجة، بل قد تسبّب المتاعب للشاكي بدلاً من أن تنصفه.
وما دامت محاضر الشكاوى تُحرَّر في مدينة خيالية افتراضية، فهي مجانية، بلا رسوم ولا قواعد مسبقة، ولا تنتظر حلولاً عادلة وناجزة؛ إنها مجرد بوح خفيف الظل، يهدف إلى الحفاظ على السلامة النفسية.
وربما، من طرف خفي، تزامن إطلاق الصفحة وذيوعها مع موسم الصيف، وما رافقه من شكاوى وشائعات عن مجتمع الساحل الشمالي الشرير وكواليس الطبقة المخملية.
أهالي
"أهالي" كلمة شعبية دارجة ولطيفة، ترسّخ رابطة الدم بين الناس كأنهم عائلة واحدة، وتوحي بالحميمية والنسب والانتساب. فهي مفردة مشحونة بالجاذبية وروح التضامن، وتعزّز ثقافة القطيع في مواجهة التجارب السيئة والمخيفة. فالجميع لديه ما يشكو منه، والجميع يرغب في أن يتكلّم ويجد أذناً تسمعه وعيناً ترى ألمه.
تمنح غريزة القطيع الإنسان المعاصر، العائش في برودة السوشيال ميديا وصقيعها، شعوراً بالأمان وبأنه ليس وحيداً، وتوفّر عليه الجهد والتفكير؛ فهو يواكب القطيع ويكرّر ما يقوله أفراده وما يفعلونه، والإنسان بطبعه كائن يميل بشدة إلى المحاكاة والتقليد. وبعدما كان يتضامن مع قطيعه القديم عند مواجهة الزلازل والبراكين وحيوانات الغابة المفترسة وغضب أمواج البحر، أصبح يهرول للانضمام إلى القطيع وركوب "الترند".

لا يعود هذا الرواج إلى قوة غريزة القطيع فحسب، وإنما أيضاً إلى انضمام معظم نجوم الفن والمشاهير إلى قاع الهامور، ما منح هذا المجتمع شهرة وجاذبية هائلتين. وبدلاً من التقسيم الصارم بين مدن المشاهير والأثرياء، وعزل الساحل الطيب عن الساحل الشرير، اتّسع قاع الهامور للجميع بلا استثناء.
بالنسبة إلى النجوم، كانت تلك فرصة للتسويق والدعاية، وإعادة تركيب صور من أعمالهم، والاستثمار في "الترند"، كما فعلت نيللي كريم وباسم سمرة وهنا الزاهد مثلاً. أما الجمهور، فيميل، لا شعورياً، إلى التماهي مع النجوم وتقليد حضورهم الأيقوني، وإعادة إنتاج أساليبهم في الظهور والتعبير.
قاع
تشير كلمة "قاع"، لغوياً، إلى المستوى المنخفض غير المرئي، مثل قاع البحر أو البئر. أما مجازياً، فهي كناية عن ضآلة المكانة وتدنّي المستوى، مثل قاع الدوري. فالقاع مكان مهمل لا تصل إليه أشعة الشمس، ولا تتلألأ فيه نجوم.
لكنه يتحوّل هنا إلى مدينة خيالية افتراضية مبهجة، مستلهمة من مسلسل "سبونج بوب" وشخصياته الشهيرة. وبالتالي، يرتبط بالذكريات والحنين وبراءة الطفولة، ويغري دائماً بالاستعادة، خصوصاً مع إمكان توظيف التطبيقات وأدوات الذكاء الاصطناعي لتحقيق تفاعل حيّ يجعلنا جزءاً من عالم مبهج أحببناه يوماً؛ كأنه استعادة، أو استعارة، لجنّة مفقودة في داخل كلٍّ منّا.
شخصياً، فوجئت بصديقة إعلامية تطلب صورتي كي تصنع لي مقطعاً متحرّكاً أظهر فيه في حالة من السعادة القصوى، في قاع الهامور، وسط شخصياته الشهيرة.
وهكذا، وفّر القاع لجمهوره مدينة فاضلة، وسمح بالشكوى والنقد المرح عبر ذكاء التورية، مثلما أتاح استعادة لحظات الطفولة وصنع سعادة وهمية مؤقتة.

تختلف تلك المدينة عن مدن اليوتوبيا والديستوبيا الشهيرة في الأدب والفنون؛ إذ إنها لا نهائية، وليست لها حدود أو تقاليد صارمة، بل تنحاز إلى الخفّة فحسب. وحتى الثقل والظلام والغموض المخيف المرتبط بقيعان البحار والأنهار تحوّلت، عبر الصور والمقاطع، إلى ألوان مبهجة وموسيقى وكائنات آمنة محبوبة.
فالمتفرّج لم يعد متلقّياً سلبياً صامتاً، بل أصبح متفاعلاً ومشاركاً في اللعب، وجزءاً من جيش الهروب الكبير إلى الخفّة والمرح والضحك و"تكبير الدماغ"، وعدم أخذ الحياة، على الرغم من حروبها وهمومها وقسوتها، على محمل الجد.
الهامور
ثمة مفارقة في استعمال مفردة "الهامور" على أكثر من مستوى؛ فالاسم يشير إلى نوع فاخر من الأسماك يتميّز بطراوة لحمه ودسامته وضخامة حجمه. وكثيراً ما يُستعار رمزياً للإشارة إلى الرجل البالغ الثراء والنفوذ في السوق والحياة، أكثر من مفردتي "الحوت" و"الأخطبوط"، الأكثر رواجاً في مصر.

"الهامور" أيضاً استعارة للأخ الأكبر في ديستوبيا جورج أورويل، لكنه لم يعد مخيفاً ولا مؤذياً؛ إذ يمكن استعادته للسخرية منه والتنكيت عليه والتطهّر من الخوف منه، بعدما بات جزءاً من لعبة مسرحية. وقد يظل مختفياً مقارنة بالحضور المميّز لشخصيات أخرى لطيفة، مثل "سبونج بوب"، وسريع الحلزون، وبسيط، ومستر سلطع، وشفيق الحبار.
فالهامور الكاتم على أنفاسنا فوق الأرض، بكل ثقله السياسي وفساده المالي وثرائه غير المشروع، فقد أسلحته كلّها وذاب في الماء، وبات اسماً منزوع النفوذ والسلطة. بل قد يُسمح له باللهو واللعب معنا، ولكن بشروطنا نحن.
كأنها فرصة أخيرة كي يستعيد الهامور طبيعته السمكية، ويتوقّف عن إذلال خلق الله ونهب ثرواتهم. فلن يُسمح له بالهروب عبر الأبواب السرية للمطارات، ما دام في إمكانه الانضمام إلينا والعيش معنا على قدم المساواة في القاع السعيد.
نبض