"اكتشاف العرب لليابان"... حكايات رحّالة رسموا صورتها في المخيال العربي
تُرَى من هم أوائل العرب الذين وطأت أقدامهم أرض اليابان ودوَّنوا لنا مشاهداتهم وتحليلاتهم عنها؟ ومنذ أي زمن استطاع أحد من بلاد العرب أن يصل إلى تلك البلاد البعيدة التي تقع في أقصى شرق الكرة الأرضية؟
في ظل ذلك البُعد الجغرافي وما كان يتكبّده المرتحلون من وعثاء السفر قبل الثورات الصناعية وازدهار وسائل النقل والاتصالات، يتتبّع كتاب "اكتشاف العرب لليابان: من الحرب الروسية اليابانية إلى الحرب العالمية الثانية" للباحثة ريم أحمد السجلات التي تشير إلى أشكال التلاقي المباشر أو غير المباشر بين اليابان والدول العربية، أو بينها وبين العالم الإسلامي بصورة أوسع. كما يبحث في العصور التي تعود إليها هذه السجلات، والشخصيات المرتبطة بها، والدوافع التي كانت وراء تلك اللقاءات.
من هذه التساؤلات انبثقت فكرة الكتاب البحثي الصادر حديثاً عن "مركز أبوظبي للغة العربية". فاليابان أرخبيل يتكوّن من نحو 6 آلاف و852 جزيرة تحيط بها المياه من جميع الجهات، وهو ما كان يعيق الوصول إليها أو الخروج منها إلى أماكن بعيدة، ويحدّ من إقامة علاقات بينها وبين معظم دول العالم حتى العصور الحديثة، باستثناء قدر محدود من التنقّل من اليابان وإليها.

قديماً، اقتصر هذا التنقّل في الغالب على السفر عبر البحار والتواصل مع الدول القريبة جغرافياً، مثل الصين، التي استمدّت منها اليابان الحروف الصينية، وتأثرت بها في طقوس الشاي وتعاليم الكونفوشيوسية، فضلاً عن كثير من العلوم والمعارف الأخرى. كما أقامت اليابان علاقات تجارية ودينية وثقافية مع شبه الجزيرة الكورية، وتعاملت مع بعض مناطق جنوب شرقي آسيا. ثم نشأت علاقات بينها وبين البرتغال وهولندا في القرن السادس عشر، خلال ما يُعرف بـ"العصر الإقطاعي في اليابان"، إذ حاولت الدولتان التوغّل في البلاد وإقامة علاقات معها.
الرحّالة العرب الأوائل إلى اليابان وتجاربهم
يشكّل الكتاب محاولة بحثية موسّعة لتسليط الضوء على جانب لم يحظَ بما يكفي من الاهتمام في دراسات التبادل الثقافي بين العالم العربي واليابان، ويتمثّل في توثيق التجارب المبكرة لأوائل العرب الذين زاروا اليابان وكتبوا عنها خلال المرحلة الأولى من الاحتكاك المباشر بين الجانبين، وتحليل هذه التجارب.
وتمتد الفترة الزمنية التي يغطيها البحث من الحرب الروسية اليابانية (1904-1905) حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939-1945). وهي فترة اتسمت بتحوّلات كبرى في بنية الدولة اليابانية، خلال "عصر ميجي" وما تلاه من جهود التحديث والانفتاح على العالم، ومن ثمّ الاحتكاك المباشر بين العالمين العربي والياباني.
ويتناول الكتاب تجارب أربعة رحّالة، هم:
- الصحفي الأزهري علي الجرجاوي، صاحب كتاب "الرحلة اليابانية"، الذي نُشر عام 1907.
- الأمير محمد علي، سليل العائلة الحاكمة، وصاحب كتاب "الرحلة اليابانية"، الذي نُشر عام 1909.
- اليوزباشي أحمد فضلي، صاحب كتاب "سر تقدّم اليابان"، الذي نُشر عام 1911.
- المعلّم محمد ثابت، صاحب كتاب "جولة في ربوع آسيا بين مصر واليابان"، الذي نُشر عام 1932.
كان الرحّالة الأربعة جميعاً مصريين. ووفق النتائج التي توصّلت إليها الدراسة، لا توجد كتب أخرى نشرتها شخصيات عربية زارت اليابان بنفسها وكتبت عنها. ومن هنا اختارت المؤلفة لكتابها عنوان "اكتشاف المصريين لليابان: من الحرب الروسية اليابانية حتى الحرب العالمية الثانية"، تعبيراً عن التركيز الجغرافي والزماني للدراسة. فقد ظهر هؤلاء الرحّالة في ظروف خاصة خلال تلك الحقبة الأولى من انفتاح اليابان على العالم.
وتقدّم الدراسة، التي ترى المؤلفة أنها الأولى من نوعها، تحليلاً شاملاً ومقارناً لهذه التجارب مجتمعة، وتخصّص الفصول من الثاني إلى الخامس لتحليلها.
يتناول أحد محاور الكتاب تحليل أسباب التباين في رؤى الكتّاب الأربعة إلى اليابان بعد ارتحالهم إليها، واستكشاف التحديات الناتجة من الاختلاف الثقافي كما انعكست في كتاباتهم. وقد ظهرت هذه التحديات في مواقف عدّة، من بينها فهم الجرجاوي الخاطئ لأمور شتّى، مثل تصوّره أن الإمبراطور قد اعتنق الإسلام في قرارة نفسه، أو اعتقاده أن كل عود من أعواد الطعام اليابانية يُمسك بيد منفصلة.

وتجلّت هذه التحديات كذلك في صعوبة تقبّل محمد ثابت ثقافة الحمّامات العامة في اليابان، لما رآه فيها من اختلاف عن طبيعة بلاد الإسلام ومفهوم الحياء، فضلاً عن سوء فهم الرحّالة الأربعة لبعض العادات اليومية في المجتمع الياباني.
كما يبحث الكتاب في الكيفية التي تناول بها هؤلاء الكتّاب سياسات اليابان التوسعية، والتي أظهروا تفاوتاً في الوعي بها. فعلى الرغم من إدراك بعضهم لطموحات اليابان الإمبريالية، فإنهم كثيراً ما نظروا إليها بإعجاب، باعتبارها دولة آسيوية تنتمي إلى الشرق وتمكّنت من منافسة القوى الغربية والتفوّق عليها. وقد منحها ذلك رمزية خاصة في المخيال العربي آنذاك، ولا سيما في ظل معاناة دول الشرق الأوسط بأسرها من الاستعمار الغربي.
ويُظهر الكتاب أن الكتّاب الأربعة اشتركوا في رغبة قوية في فهم أسرار تقدّم اليابان ومحاولة استلهام تجربتها في التحديث، بل سعوا إلى تقديمها نموذجاً يُحتذى به في السياقات العربية. غير أنهم، في الوقت نفسه، أسقطوا تصوّراتهم الذاتية والاجتماعية على تجاربهم اليابانية، مما أدّى إلى إنتاج صورتين: صورة اليابان الواقعية، وصورة اليابان كما تمنّوا أن تكون.
انطلاقاً من ذلك، يطرح الكتاب سؤالاً محورياً عن الأسباب الكامنة وراء هذا التباين في نقل صورة اليابان خلال الثلث الأول من القرن العشرين.
ويبحث في احتمال أن يكون التباين ناتجاً من اختلاف دوافع كل واحد من الرحّالة. فقد كان هدف الجرجاوي الأكبر نشر الإسلام في اليابان، في حين انصبّ اهتمام الآخرين على فهم أسباب نهضتها بوصفها نموذجاً تنموياً حديثاً.
كما يدرس أثر التفاوت في الخلفيات التعليمية والمعرفية. فقد بدا الجرجاوي غير متمكّن من اللغات الأجنبية، بخلاف الأمير محمد علي وأحمد فضلي ومحمد ثابت، الذين امتلكوا مهارات لغوية متعددة، مما أدّى إلى تفاوت في دقة نقل المعلومات المختلفة عن اليابان.
ويضع الكتاب في الاعتبار أيضاً اختلاف المواقع الاجتماعية والتخصصات، إذ كان لكل واحد من الرحّالة عالمه الخاص. كان الجرجاوي صحفياً ذا خلفية دينية أزهرية، فيما انتمى الأمير محمد علي إلى الطبقة الحاكمة، وكان اليوزباشي أحمد فضلي ضابطاً عسكرياً، في حين كان محمد ثابت معلّماً وأكاديمياً مهتماً بالجغرافيا والأدب. ويفحص الكتاب مدى إضفاء هذا التنوع طابعاً خاصاً ومتفرّداً على كل تجربة.
كذلك يتناول أثر توقيت الزيارة في اختلاف التقييمات؛ فالرحّالة الثلاثة الأوائل زاروا اليابان قبيل الحرب العالمية الأولى، في حين جاءت زيارة ثابت قبيل الحرب العالمية الثانية.
ويسعى الكتاب عبر فصوله إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، مستنداً إلى مجال الثقافة المقارنة وأدب الرحلات التحليلي.
بدايات التبادل الثقافي مع اليابان في عيون الرحّالة
على الرغم من وجود عدد محدود من الدراسات التي تناولت رحلتَي الجرجاوي وأحمد فضلي إلى اليابان، فإن مؤلّفات كل من الأمير محمد علي ومحمد ثابت تكاد لا تُذكر في الأوساط الأكاديمية، ولم تحظَ بالاهتمام الكافي في الأبحاث العربية أو اليابانية.
كما لا تزال الدراسات التي تجمع بين تجارب العرب الأوائل في اليابان وتقارن بينها نادرة في الأبحاث العربية واليابانية على السواء. وتحاول الدراسة، من خلال هذه المقارنة، استكشاف ملامح بداية العلاقة بين اليابان والعالم العربي، وهو ما يبرز فرادة الكتاب وأهميته.
ويستند الكتاب إلى معطيات ميدانية أُتيحت للمؤلفة عبر زيارات بحثية عدّة إلى مصر، جمعت خلالها وثائق تاريخية نادرة وصوراً، وأجرت مقابلات، إلى جانب تحليل دقيق للمصادر الأولية. وتهدف الدراسة إلى تقديم رؤية جديدة تسهم في تعميق فهم بدايات التفاعل الثقافي والمعرفي بين مصر واليابان، اعتماداً على الوثائق الأصلية والمقابلات والزيارات الميدانية التي أجرتها المؤلفة للتعرّف إلى هؤلاء الرحّالة وتجاربهم بعمق.
ويبرز الكتاب أهمية الكتابات الفردية الأولى عن اليابان بوصفها مصادر تاريخية وثقافية تعكس ما يمكن تسميته بـ"الاكتشاف المصري-العربي لليابان" في مطلع القرن العشرين. كما يكشف عن الأبعاد الشخصية والسياسية والدينية التي شكّلت تصوّرات أولئك الرحّالة، ويسعى إلى إعادة قراءة تلك النصوص برؤية نقدية معاصرة تسهم في توسيع أفق الدراسات المقارنة في مجالَي التبادل الثقافي والتاريخي بين الشرقين الأقصى والأوسط.
ويحلّل الكتاب الانطباعات الأولى التي كوّنها المصريون عن اليابان، كما وردت في مذكّراتهم، وما حملته كتاباتهم من تصوّرات وتعميمات، بل ومن سوء فهم أو مبالغات أحياناً. ويناقش التحديات التي واجهها هؤلاء الرحّالة في تفاعلهم مع ثقافة مختلفة تماماً عن ثقافتهم، ويسلّط الضوء على كيفية تفاعلهم مع الأيديولوجيات السياسية والفكرية السائدة في اليابان آنذاك، مثل "آسيا العظمى" و"الإمبراطورية اليابانية"، ومدى إدراكهم لأبعاد طموحات اليابان التوسعية.
نبض