أدلّة من عصر النهضة تؤكّد استمرار الحياة في بومبي بعد ثوران البركان
ظلّت بومبي معروفة لدى السكان المحليين الذين زاروا أجزاء منها واستخدموها.
لم تنتهِ قصة بومبي عندما دفن بركان فيزوف المدينة الرومانية تحت الحطام البركاني عام 79 ميلادياً. فقد كشفت لقى أثرية جرى التعرف إليها حديثاً، تعود إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر، أن الناس استمروا في زيارة أجزاء من الموقع واستخدامها خلال عصر النهضة، أي قبل قرون من بدء أعمال التنقيب المنهجية.
ظهرت هذه الأدلة في إنسولا ميريديوناليس، وهي منطقة واسعة تمتد على طول الطرف الجنوبي لبومبي، حيث يُجري علماء الآثار تحقيقات في إطار مشروع للحفظ والترميم أُطلق في أيلول/سبتمبر 2023. وتشير شظايا خزفية ومواد أخرى تعود إلى عصر النهضة إلى وجود بشري سبق بوقت طويل بدء سلطات آل بوربون أعمال التنقيب في بومبي عام 1748، وفق دراسة نُشرت في المجلة الإلكترونية لتنقيبات بومبي.
الحياة عادت بعد ثوران فيزوف
لا تثبت هذه الاكتشافات بالضرورة أن مجتمعاً منظماً أقام بصورة دائمة في المدينة المدفونة خلال عصر النهضة. لكنها تُظهر أن المنطقة ظلّت متاحة ومعروفة لدى السكان المحليين، ما يتحدى الصورة الشائعة لبومبي بوصفها مكاناً طواه النسيان تماماً طوال نحو 1700 عام.

وتكشف مراحل أقدم، عُثر عليها في المنطقة نفسها، تاريخاً أطول بكثير من إعادة استخدام الموقع. فقد حدّدت أعمال التنقيب في "منزل الفسيفساء الهندسية" مواقد وفرناً للخبز وطاحونة للحبوب ومنشآت خشبية وقطعاً فخارية تعود إلى الفترة الممتدة من القرن الثالث إلى منتصف القرن الخامس الميلادي. وكانت غرف شكّلت في السابق جزءاً من مسكن روماني أنيق قد أُعيد تكييفها لأغراض منزلية وإنتاجية بعد ثوران البركان.
من جانبه، قال غابرييل زوختريغل، مدير متنزه بومبي الأثري، لـ"يورونيوز": "إنها آثار خافتة لحيوات هشّة، عاشت في ظل التاريخ الرسمي".
وتُضاف هذه النتائج إلى أدلة سابقة تفيد بأن الناجين والوافدين الجدد عادوا بعد الكارثة. وتشير الهيئة الأثرية الرسمية في بومبي إلى أن الأجزاء العلوية من بعض المباني ظلّت ظاهرة فوق الترسبات البركانية، فيما تحولت المدينة المدفونة إلى مصدر للرخام والحجر والرصاص. كما زُرعت أجزاء من المشهد الطبيعي، واستُخدمت للدفن أو أُدمجت في منشآت شُيّدت لاحقاً.
تاريخ متعدد الطبقات لبومبي
تمنح المواد العائدة إلى عصر النهضة أيضاً ثقلاً أثرياً لفكرة استمرار المعرفة المحلية بالآثار. فقد كانت المنطقة تُعرف تقليدياً باسم تشيفيتا، وهو اسم مكان يوحي بوجود مدينة تحت الأرض. وفي أواخر القرن السادس عشر، أنشأ المهندس المعماري دومينيكو فونتانا قناة عبر تل تشيفيتا لمصلحة الكونت موزيو توتافيلا، فعثر على مبانٍ ولقى ونقوش قديمة، من دون أن يشرع في تحقيق منهجي.

وقال زوختريغل: "من دون الانتقاص بأي شكل من جهود باحثين مثل جواكينو ألكوبييري، الذي روّج لأول أعمال التنقيب الأثري في بومبي عام 1748، علينا أن نقرّ بأن مجتمعاً محلياً كان موجوداً هنا، وواصل، منذ اليوم التالي للثوران، العيش في بومبي وصون ذاكرتها".
وبدلاً من النظر إليها بوصفها مدينة اختفت ثم عادت إلى الظهور فجأة خلال عصر التنوير، يُنظر إلى بومبي على نحو متزايد باعتبارها مشهداً متعدد الطبقات: دُمّرت عام 79 ميلادياً، ثم سُكنت واستُغلت على نحو متقطع في العصور القديمة المتأخرة، وزارها الناس خلال عصر النهضة، قبل أن تتحول أخيراً إلى أحد أهم المواقع الأثرية في العالم.
نبض