عروس قونيا لرشا دندشلي... كيميا تعيد محاكمة شمس التبريزي والرومي
ليست المشكلة في أن التاريخ ينسى، بل في أنه يتذكّر بانتقائية. يرفع أسماء إلى مرتبة الأسطورة، ويترك أخرى في الهوامش، كأن أصحابها لم يكونوا سوى تفصيل في حياة "العظماء". من هذه الفجوة تنطلق رشا مختار دندشلي في روايتها "عروس قونيا: محاكمة شمس التبريزي"، الصادرة عن دار الفارابي، لتعيد النظر في واحدة من أشهر حكايات التصوف الإسلامي، لا من جهة جلال الدين الرومي وشمس التبريزي هذه المرة، بل من جهة طفلة عبرت حكايتهما ثم كادت تختفي من التاريخ: كيميا خاتون.
لا تسعى دندشلي إلى هدم أسطورة الرجلين بقدر ما تغيّر موضع العين التي تنظر إليهما. وهذا التحول يقلب المعادلة: فالعشق الذي تناقلته القرون باعتباره طريقاً إلى المطلق يمكن، إذا نُظر إليه من موقع الطرف الأضعف، أن يكشف عن كلفة إنسانية لم تحظ بالقدر نفسه من الضوء. ومن هنا ينبثق سؤال الرواية الأكثر إزعاجاً: هل تكفي الغاية الروحية السامية لتبرئة كل ما يحدث في الطريق إليها؟
كيميا... حين يمنح الأدب السكوت قلماً
تعلن دندشلي منذ التمهيد أنها تريد استعادة "قصة على الهامش، ظلت منسية خافتة الصوت". فالمصادر التي عادت إليها لا تمنح كيميا إلا إشارات قليلة قياساً إلى مئات الصفحات التي تناولت الرومي وشمس، ولذلك تقول إنها كتبت لتمنح "السكوت قلماً".

في هذه العبارة مفتاح الرواية. فالأدب لا يستطيع أن يملأ فراغات التاريخ بحقائق مؤكدة، لكنه يستطيع الدخول إلى المساحة التي تعجز الوثيقة عن بلوغها: ماذا شعرت طفلة وجدت نفسها داخل صراع أكبر من عمرها؟ ماذا يعني أن يصبح جسدها ومصيرها جزءاً من علاقة روحية بين رجلين؟ ومن يروي حياة الذين لم يتركوا دواوين ولا كتباً ولا مريدين يحفظون سيرتهم؟
لهذا لا تعود كيميا شخصية هامشية، بل تصبح اختباراً أخلاقياً للسردية كلها.
الوجه الآخر للعشق الصوفي
تدخل الرواية عالم التصوف من داخله: مراتب النفس، ومجاهدتها، والشريعة والطريقة والمعرفة والحقيقة، والتحول الذي أصاب الرومي بعد لقائه شمساً حتى صار يرى فيه مرآة لنور يتجاوز الفرد.
لكن إلى جوار هذا الصعود الروحي تضع الرواية سؤالاً جوهرياً: ماذا لو كان الإنسان يرتقي في مدارج الروح، لكنه لا يرى الألم القريب منه؟
من هنا تتجاوز "محاكمة شمس التبريزي" محاسبة شخص بعينه إلى مساءلة الحصانة التي تمنحها الأجيال اللاحقة للرموز. فعندما يتحول الإنسان إلى أيقونة، يصعب النظر إلى تناقضاته، لأن الجماعة لا تعود تقرأه باعتباره بشراً قابلاً للخطأ، بل معنى ينبغي الدفاع عنه.
وكيميا هي النقطة التي يختبر عندها هذا التناقض. ففي رؤية دندشلي ليست الفتاة العاشقة الهائمة بشمس كما صورتها تخيلات أدبية أخرى، وإنما "الصدى البعيد الذي يبحث عن صوت". وهكذا يصبح السؤال عن العشق سؤالاً عن المسؤولية أيضاً: إذا كان الحب تحوّلاً، فمن الذي يتغير، ومن الذي يحترق؟
من قونيا إلى غزة... ذاكرة الألم
لا تبقى الرواية في القرن الثالث عشر. فإزاء كيميا خاتون تظهر كيميا أخرى في الحاضر، مخرجة وثائقية مثقلة بصور المأساة في غزة، تقودها أزمتها النفسية ومحاولة انتحار فاشلة إلى دهاليز الذاكرة واللاوعي.

العلاقة بين المرأتين من أكثر أفكار الرواية خصوبة: واحدة قُصّت حياتها من متن التاريخ، وأخرى تقص صور الضحايا لتصنع منها فيلماً يحفظهم من النسيان. وتضع الرواية الاثنتين في ما تسميه، استناداً إلى يونغ، "منطقة الظل".
وغزة هنا ليست مجرد خلفية سياسية، بل امتداد لسؤال الذاكرة: ماذا يحدث حين يشاهد الإنسان من آلام الآخرين أكثر مما تحتمل ذاته؟ ومتى يكف الألم عن كونه صورة على شاشة ليصبح جزءاً من الذاكرة الشخصية؟
تستعين دندشلي بمفاهيم كارل يونغ، من الظل واللاوعي الجمعي إلى التزامن والتفرد، لكن البعد النفسي الأكثر إثارة لا يكمن في إثبات التقمص أو نفيه، بل في سؤال أعمق: لماذا يحتاج الإنسان أحياناً إلى حكاية حياة أخرى كي يفهم حياته؟
ثمانية قرون في خمس وعشرين دقيقة
في خاتمة الرواية تدرك كيميا أن ما عاشته من شمس والرومي وقونيا والزلزال والموت لم يستغرق سوى خمس وعشرين دقيقة. وبعد عبور ثمانية قرون، تتجه إلى باب الطبيبة النفسية مستعدة أخيراً للحديث عن طفولتها، وعن أهلها الذين تركوها، وعن مخاوفها.
هنا تبلغ اللعبة الزمنية معناها الأعمق. ربما لم تكن الرحلة إلى القرن الثالث عشر هروباً من الحاضر، وإنما الطريق الطويل للعودة إليه. وربما تصبح "الحياة السابقة" مجازاً يحتاج إليه العقل ليقترب من جرح لا يستطيع مواجهته مباشرة.
ويتقاطع ذلك مع التصور الصوفي للزمن الذي تستحضره الرواية عبر ابن عربي: الزمن ليس مجرد ساعات متعاقبة، والمكان ليس جغرافيا ثابتة. وهو تصور يلتقي، أدبياً ونفسياً، مع طبيعة الصدمة نفسها. فالحدث ينتهي في الخارج، لكنه يستطيع أن يستمر سنوات في الداخل وكأنه يحدث الآن.
أما الفيزياء الكمومية والأكوان الموازية، فتوسّع المجال التخييلي للعمل، وإن كان الأفضل قراءتها كلغة روائية للاحتمال، لا كإثبات علمي للتقمص أو عبور الأزمنة.
حين تصبح المعرفة عبئاً على الرواية
الوفرة المعرفية إحدى نقاط قوة "عروس قونيا"، وهي أيضاً موضع مخاطرتها. فالنص يجمع التاريخ والتصوف وعلم النفس والفلسفة والدين والفيزياء، والكاتبة نفسها واعية لخطر أن "تلتهم الأفكار الفلسفية انسيابية الحكاية الإنسانية".
وتكون الرواية أقوى حين تثق بالمشهد أكثر من الشرح. طفلة تموت ولا يحتفظ التاريخ إلا بشذرات عنها أبلغ أحياناً من صفحات في تفسير تهميش النساء، وكيميا الواقفة أمام باب الطبيبة بعد رحلة ثمانية قرون أكثر تأثيراً من أي تعريف نظري للظل واللاوعي.
كذلك فإن ندرة المعلومات التاريخية عن كيميا، وهي التي تمنح الرواية حرية تخييل مصيرها، تفرض عليها في الوقت نفسه الحذر من تحويل الفراغ التاريخي إلى يقين مضاد. فالأدب يستطيع مساءلة الرواية الموروثة، لكنه لا يمتلك بالضرورة الحقيقة التي حجبها الزمن. وهنا تكون "عروس قونيا" أكثر إقناعاً عندما تقدم احتمالاً إنسانياً لما سكت عنه التاريخ، لا حين تبدو كأنها تستبدل يقيناً بيقين آخر.
من يملك حق البقاء في الحكاية؟
في جوهرها، تبدو "عروس قونيا" رواية عن سلطة السرد: من يتحول ألمه إلى تاريخ، ومن يبقى هامشاً فيه؟ لذلك تتجاور قونيا وغزة من دون أن تتماثلا. فالرواية تبحث في الحالتين عن الفرد الذي تحجبه السرديات الكبرى. كيميا المعاصرة تحفظ صور من قد يتحولون إلى أرقام، فيما تستعيد دندشلي كيميا القديمة من بضعة أسطر تركها لها التاريخ.
بعد ثمانية قرون، لا تستطيع الرواية الجزم بما جرى في قونيا، لكنها تستطيع إعادة كيميا إلى مجال النظر. وإذا كان التصوف يسعى إلى كشف الحجاب عن الحقيقة، فإن "عروس قونيا" تزيح حجاب الأسطورة عن ضحاياها، لتترك سؤالها الأشد وقعاً: من بقي في الظل كي يسطع ذلك النور؟
نبض