سيرة مؤسسة ثقافية لصرح حفظ وصية محمود درويش

ثقافة 14-08-2026 | 11:51

سيرة مؤسسة ثقافية لصرح حفظ وصية محمود درويش

يوثّق سامح خضر تجربة تحويل متحف محمود درويش من فضاء لحفظ الذاكرة إلى مؤسسة ثقافية حيّة.
سيرة مؤسسة ثقافية لصرح حفظ وصية محمود درويش
جانب من متحف محمود درويش في رام الله.
Smaller Bigger

خلال أحد أحاديثه التلفزيونية، قال محمود درويش: "أنا من الشعراء الذين ليس لديهم وهم الخلود، ولا الحرص على بناء متحفهم وهم أحياء... لأنه لا يعنيني شيء بعد موتي". كلمات بدت كإعلان مبكر عن موقفه من التخليد المؤسسي، وعن عدم رغبته في أن يتحوّل إلى "ضريح" أو "نصب تذكاري" بعد وفاته. لم يقلها نصاً، لكنه أمضى سنواته الأخيرة يقاوم هذا المصير، إذ فضّل أن يبقى حياً عبر الكلمات وفي ذاكرة القراء.

لكن في رام الله ثمة مفارقة لافتة: "مكان" يمثّل محاولة لمصالحة درويش مع تفضيله للغياب، هو متحف يحمل اسمه ويضم ضريحه ومقتنياته وأشعاره وإرثه الفكري. وهي مفارقة تزداد عمقاً إذا ما تذكّرنا رفضه أن يُختزل في ذاكرة جامدة مكدّسة بين الجدران.

لكن قراءة تجربة الدكتور سامح خضر، أول مدير للمتحف (2012-2018)، تقدّم مفتاحاً لفهم هذه المفارقة، إذ وثّق التجربة في كتابه "درويش.. المتحف وأنا"، الصادر حديثاً عن دار المعارف المصرية، ويستعرض فيه تجربته الذاتية في الإدارة الثقافية، كاشفاً كيفية تحويل فرد ورمز إلى مؤسسة. فقد أدرك، ولو بشكل غير متعمّد، جوهر ما آمن به درويش، وحوّل المتحف من خزانة للماضي و"ضريح" يضم الرفات إلى فضاء مفعم بالفعاليات الفكرية والثقافية، وقبلة للجمهور، ومنصة لكبار المثقفين العرب.

 

سيرة مؤسسة ثقافية

غالباً ما نقرأ سيراً ذاتية، لكن "درويش.. المتحف وأنا" يبدو أقرب إلى سيرة "مؤسسة ثقافية". وعن هذه التجربة، ومتى أدرك حاجته إلى تدوينها، قال سامح خضر لـ"النهار": "لم تعترني رغبة في الكتابة عن تجربتي في إدارة المتحف، رغم غوايتها. اعتقدت أنني سأكون مستعداً عندما أبلغ من العمر ما يكفي للنظر بحياد إلى الماضي. فأنا خرجت من المتحف، لكنه لم يخرج مني؛ ربما لأنه يخص أيقونة ثقافية ووطنية للإنسانية، وليس للفلسطينيين وحدهم.

وأضاف: "قاومت الرغبة في الكتابة، لأن التجربة حملت مزيجاً من الأضداد ومشاعر متداخلة. فقد تركت المتحف من دون وداع يليق بأيٍّ منّا، وأصبحت التجربة أشبه بالجرح المفتوح، فتحاشيت استثارته بالبوح والكتابة. ورغم انفصالي عن المكان، بقي الارتباط بحبل سرّي يأبى الانقطاع، وكأنني كنت أنتظر نضوج اللحظة لتوثيق جوانب من هذه التجربة.

كانت سنواتي هناك حافلة بالقصص الإنسانية؛ رصدت مشاعر الزوار وعواطفهم، من الفلسطينيين المثقلين بالحنين إلى المثقفين العرب. رأيت دموعهم الصادقة وانفعالاتهم الدفينة، وعايشت مواقفهم الطريفة، بل كانت الدعوة أحياناً جسراً لإحياء صداقات قديمة فرّقتها دروب السياسة ووعورة الجغرافيا. خلال رحلة عمل إلى الإسكندرية، شجّعني الصديق إيهاب الملّاح، مدير النشر بدار المعارف، على الكتابة، استناداً إلى أن التجربة طازجة وحاضرة في ذاكرتي. كنت أتهرّب من الفكرة، لكن حين بدأت الكتابة، كتبت المقدمة باندفاع، وكأنها "مانيفستو" شخصي".

 

غلاف الكتاب.
غلاف الكتاب.

 

جاءت مقدمة الكتاب بخطاب متحفّظ، نفى خلالها المؤلف وجود أي علاقة تجمعه بدرويش، ثم نفاجأ تباعاً بأن ثمة لقاءات وتعاملات ربطت بينهما. وحول أسباب هذا النفي، أوضح بقوله: "لم يكن ما ورد في المقدمة إنكاراً للعلاقة، بل رغبة جامحة في تحرير الذات من ظلال علاقة مهنية عابرة، بدأت قبل رحيل درويش بعام، لكي يتركّز الضوء على جوهر تجربة إدارة المتحف ككيان مستقل. فكثير من المثقفين افترضوا أن شرعية مدير المتحف تُستمد من عمق صلاته الشخصية بالشاعر الراحل؛ لذا كانت المقدمة ضرورة أخلاقية للتنصّل من علاقة فرضها عملي، ووضعني في مسار التلاقي معه. أردت أن ينصرف القارئ إلى "تجربة الإدارة" لا إلى "شخصي"، وإلى "كينونة المتحف" لا إلى علاقتي بصاحبه.

كانت تلك المقدمة انتصاراً للحقيقة المجرّدة، والاعتراف بمثابة هروب مشروع من كمائن ما يمكن تسميته بـ"كوزا نوسترا" المؤسسات الثقافية، التي تحاول حصر الإبداع في دوائر المحسوبية والولاء".

وحول انطباعات خضر عن درويش، وأكثر المواقف التي بقيت عالقة في ذاكرته، أجاب بقوله: "لم أكن بحاجة إلى علاقة مباشرة مع درويش لأكوّن عنه رصيداً من الانطباعات؛ فهو شاعر الوطن الذي تشكّلت ملامحه في مخيلتي قبل اللقاء. كانت صورة نمطية ساذجة تدور حول شاعر على كتفه بندقية، بالكاد يجد وقتاً لحلاقة ذقنه، يتوشّح الكوفية الفلسطينية، ويخطّ قصائده على أوراق صفراء، ويقف ليقرأها أمام جموع المقاتلين. وحين شاهدته على التلفاز، مع طفرة القنوات الفضائية، وجدت رجلاً مفرطاً في أناقته، ويشبه شعره بشكل مذهل. ثم تكررت رؤيتي له عن بُعد في فعاليات مختلفة في رام الله، حتى ساقني القدر لأكون مساعداً له في بعض شؤونه الإدارية.

وأضاف: "في تلك اللقاءات تجلّى لي درويش الإنسان؛ كان مهذّباً بفيض، ودوداً، وشديد التواضع، خصوصاً مع من هم دونه مكانة أو شأناً، وقلقاً جداً في متابعة تفاصيل العمل. ورغم أن حواراتنا القليلة لم تكن كافية لسبر أغوار شخصيته، فإن ما تواتر إليّ من سيرته على ألسنة المقرّبين منه جعلني أحبّه بما يتجاوز كونه شاعري المفضّل".

ويروي خضر حكاية نقلها إليه مساعد درويش الشخصي وصديقه المقرّب نهاد، مفادها أن درويش كان يجيد الطبخ. وذات يوم، أعدّ مائدة فاخرة، ثم دعاه أصدقاؤه إلى مشاركتهم العشاء. استكمل إعداد الوجبة ورتّب المائدة، ثم التفت إلى مساعده بكرم فائض قائلاً: "سأذهب للعشاء مع الأصدقاء، فاستمتع بهذه المائدة".

يرى خضر أن الفلسطينيين رسّخوا درويش في وجدانهم لأنه منحهم ما كانوا يبحثون عنه؛ منحهم اعترافاً بوجودهم كشعب. واستناداً إلى قول درويش في إحدى قصائده: "لا تنتصر قبيلة بدون شاعر، ولا ينتصر شاعر إلا مهزوماً في الحب"، يؤكد خضر أنه بقدر ما كان درويش بحاجة إلى قبيلة ينتصر لها، كانت القبيلة الفلسطينية بحاجة إلى شاعر، شرط أن يكون حياً، بمواصفات خاصة انطبقت جميعها عليه.

كما يؤمن خضر بأن درويش كان ضرورة تاريخية وثقافية فلسطينية، إذ كان ينقص الفلسطينيين صوتٌ يختلف عن دوي الرصاص وصرخات الضحايا وغبار المعارك وأدخنة الدبابات؛ صورة بلا شوائب، ومنبر نظيف يعتليه شخص يجيد اللغة، ويتسابق المترجمون على فهمها ونقلها إلى لغات أخرى. صورة الوطن في شاعره، وصورة الشاعر في شبابه.

 

الثقافة أقوى من السياسة

آمن محمود درويش بأن الثقافة أقوى من السياسة، ورأى أن تنشيط العمل الثقافي الفلسطيني والتغلغل في الوجدان والوعي العالميين عبر سلاح الثقافة هو السبيل إلى اختراق جدار العداء الذي أقامته الصهيونية بين الفلسطينيين والعالم الخارجي. وهي الرؤية التي ترجمها خضر خلال فترة توليه إدارة المتحف، وتتكشّف عبر الكتاب. فتدريجياً، أصبح المتحف وجهة للمسؤولين والساسة العالميين وضيوف المؤسسة الرسمية الفلسطينية، وزاره الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند.

حوّل خضر المتحف من ضريح إلى مؤسسة ثقافية متكاملة، إذ تسلّم إدارته وهو بلا حياة ولا أنشطة ولا إمكانات، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل: كيف حقّق هذا التحوّل؟ لكن خضر يتحفّظ على هذا الوصف، قائلاً: "لا توجد مؤسسة ثقافية متكاملة، وإنما مؤسسة ثقافية قابلة للتطور والتوسع. وأرى أن المعضلة في مؤسساتنا الثقافية العربية تكمن في قدرتها على خلق فرص استدامة ذاتية على مستويات الاستراتيجيات والتمويل والأنشطة؛ وهو ما يقوّض عمل الكثير منها، لأن الحكومات العربية تتعامل مع الثقافة والفنون باعتبارهما ترفاً. وفي فلسطين، لا تحظى الثقافة بدعم كافٍ، رغم أنها أحد عناصر الصراع مع المحتل الساعي إلى طمس الهوية الفلسطينية، مما يضطر الكثير من المؤسسات الثقافية إلى البحث عن تمويل مجتمعي أو خارجي مرتهن لأجندات سياسية معيّنة، فضلاً عن هيمنة التنافس والإقصاء والتبعية في الإدارة الثقافية".

انطلاقاً من هذا الفهم، ارتأى خضر أن نجاح المتحف يكمن في البقاء على مسافة واحدة من الجميع، وأن يكون حيّزاً ثقافياً حراً بعيداً عن نفوذ وسطوة "كارتيلات" الثقافة. وكان الجمهور المحلي الحاضنة المثالية لتحصين التجربة من التجاذبات بين التيارات. موضحاً: "المتحف هو بيت الكل الفلسطيني، إذ يحظى الشاعر الشاب والروائي المبتدئ بالتقدير ذاته الذي يحظى به المكرّسون".

استقطب المتحف أسماء بارزة من كبار الكتّاب والمثقفين في الوطن العربي، مثل إبراهيم نصر الله وفيصل حوراني وسعود السنعوسي وغيرهم، وكسر تحفّظهم على المجيء إلى فلسطين لأسباب سياسية، ومن أبرزهم واسيني الأعرج، بعد رفضه ذلك لمدة عشرين عاماً.

وعن كيفية إقناعهم بذلك، كشف خضر قائلاً: "هي مسألة توفيق وقدرة على التواصل. ولكل ضيف طبائعه التي يمكن استطلاعها والبناء عليها. بالطبع، اسم درويش علامة تسويقية ممتازة تسهم في قرار قبول الدعوة، لكن ثمة عبارة حملت تأثير السحر: "فلسطين تشد حبل الود، فلا تفلته من يديك". وكذلك أسهم شرح الحالة الثقافية الفلسطينية في قرار القبول. فالسنعوسي أدرك حجم جمهوره عقب مشاهدته ندوة أقامتها شابات في طولكرم على يوتيوب، والصفحات المهتمة بكتابات واسيني كان يديرها شباب فلسطينيون، وهم من أوصلوني إليه. كنت أشرح أن فلسطين تستحق الزيارة، وأن ثمة جمهوراً حقيقياً للأدب سيسعده الاطلاع على تجاربكم الإنسانية والأدبية. ولبّوا جميعاً الدعوة، من دون مقابل، بنبل كبير".

وعن الزيارة التي ما زالت عالقة في ذهنه، أجاب بقوله: "لكل زيارة أثرها الخاص؛ من مرافقة إبراهيم نصر الله في رحلة البحث عن مصادر لروايته "دبابة تحت شجرة الميلاد"، حيث رتّبت لقاءات مع قادة العصيان المدني في بيت ساحور، وهي القصة التي بُنيت عليها الرواية، إلى زيارة واسيني الأعرج والجلوس في باحة المسجد الأقصى، وتغيّر الصورة الذهنية عن الفلسطينيين في مخيلة سعود السنعوسي، ودموع الناقد السوري الكبير صبحي حديدي على قبر درويش. والأهم أن ما أخذوه معهم عن فلسطين كان يعادل ما قدّموه لنا، وهذا هو جوهر المسألة".

أورد المدير السابق للمتحف في كتابه أن العمل العام ليس طوباوياً أو خالياً من الدسائس، كما ذكر معارك ومزايدات واجهته. وحول أصعب لحظة شعر فيها بأن المشروع قد يتعثّر بسبب ذلك، قال لـ"النهار": "العمل العام هو اشتباك دائم مع الواقع. والمتحف لم يشبه أي مؤسسة ثقافية آنذاك من حيث تنوّع الأنشطة وكثافتها وانضباطها. المتحف كان مشروع تغيير بنيوي في العقلية التي ندير بها الشأن الثقافي، وكل مشروع يسعى إلى التغيير ويحقق أرباحاً في الأوساط الثقافية، من البديهي أن يدفع ضريبة ذلك. وللإنصاف، كانت الخصومة في معظمها مهنية لا شخصية. هل كنت أخشى على المؤسسة؟ على العكس، من حمى هذا المشروع الناشئ هم جمهور الثقافة وكثير من المثقفين، بالإضافة إلى تركيزنا على العمل وعدم الالتفات إلى محاولات استنزافنا بالمزايدات والتراشق على صفحات التواصل الاجتماعي. والجمهور المتزايد وفّر حصانة معنوية للمكان ولفريق العمل. والتهافت على انتقاد المتحف مؤشر على نجاحه وحيويته.

وتابع: "أتفهّم بعض قسوة الآخرين على إدارة المتحف آنذاك؛ ربما لأن الجميع يشعر بملكيته للمكان، وأن له في محمود درويش شيئاً. ما لم أفهمه، وأراحني في الوقت ذاته، أن النقد كان انطباعياً وعن بُعد. أردت نقداً جدياً من داخل الفعاليات، لا من وراء الشاشات، لأن الفارق بين الانطباع والممارسة كالفرق بين التنظير والواقع. ومع ذلك، كان هذا النقد يطمئنني إلى أننا خلقنا حالة ثقافية لا يمكن تجاهلها".

وحول أسباب تحوّل المثقف من صاحب مشروع تنويري إلى خصم شرس وشخص معطّل وحاقد، وهو ما وصفه في كتابه بـ"المثقف العدواني"، أوضح خضر: "العدوانية الثقافية هي إحدى الارتدادات الدفاعية الناجمة عن إحساس الشخص الزائد بمكانته ومركزيته في المشهد الثقافي؛ فالمؤسسة الثقافية والمثقف الذي يعجز عن مجاراة التغيير سيلجأ إلى مهاجمته، ويصبح عدوانياً كأداة تعويضية لإثبات الذات. ومصطلح "المثقف العدواني" ليس غرضه الإهانة، بل هو تشخيص لحالة ثقافية تصيب المثقف حين يعجز عن أداء دوره كرافعة للمؤسسات الثقافية، فيصبح عائقاً. وهذه العدوانية نتيجة شعور البعض بـ"استحقاق مبالغ فيه"، وبأنهم يملكون الحقيقة المطلقة والرؤية الأفضل، مما يجعل أي نجاح لا يمر عبرهم أو يتوافق مع ذائقتهم نجاحاً مشبوهاً. إضافة إلى عدم التصالح مع صيغة "المثقف المؤسسي"، وتفضيل "المثقف الفرد" عليها. وكنت أتفهّم "نرجسية الهامش الجريحة" في مهاجمتها مؤسسة ناجحة؛ فالسياق التقليدي الذي اعتاد فيه المثقف وجود "مؤسسة رديئة" يشتكيها ويشتكي منها لم يعد قائماً، وانتظام الفعاليات وانضباطها سحبا مركز الفعل الثقافي باتجاه المتحف، فنشأ هامش ثقافي لم يعتد أصحابه وجودهم فيه، فظهرت الرغبة في التعطيل".

يعتبر خضر أن السؤال الأهم هو: هل يمكن لأي مشروع ثقافي الاستمرار إذا ارتهن لمزاجية المثقف الفرد؟ أو خضع لبطريركية ثقافية تملي عليه ما يجب وما لا يجب فعله؟ فإيمانه كان ولا يزال أن المؤسسة هي السبيل الصحيح للارتقاء بالثقافة، وأن الـ"نحن المؤسسية" أفضل كثيراً من "الأنا الثقافية"، حتى لو كان ثمن ذلك الصدام مع نرجسيات جرحها الانضباط والنجاح.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

دوليات 8/11/2026 10:21:00 PM
حذّر فرانك هوغربيتس من زلزال قوي محتمل في منطقة فرانتشا برومانيا بقوة قد تتراوح بين 7 و7.9 درجات
لبنان 8/13/2026 10:26:00 AM
"أعتذرُ يا أهالي الشهداء، يا من قدّمتم للوطن فلذاتِ الأكباد"