من السينما الصعبة إلى سحر البيازا... لوكارنو 79: مهرجانٌ بأكثر من وجه

ثقافة 14-08-2026 | 11:04

من السينما الصعبة إلى سحر البيازا... لوكارنو 79: مهرجانٌ بأكثر من وجه

الفرجة والمتعة والجدية والعودة إلى الماضي والتفكير في المستقبل، هذا ما قدّمه لوكارنو في دورته التاسعة والسبعين.
من السينما الصعبة إلى سحر البيازا... لوكارنو 79: مهرجانٌ بأكثر من وجه
“نادراً ما أستيقظ حالماً“ لإيزابيل ستيفر.
Smaller Bigger

من الظلم تقييم مهرجان لوكارنو السينمائي انطلاقاً من مسابقته الدولية. فهو "باكيج" كامل متكامل. فيه القليل من كلّ شيء لإرضاء كلّ الأذواق ومراعاة الإعتبارات كافة. يرى البعض في محاولة الادارة اقتفاء أثر تظاهرات سينمائية كبرى، من دون ان يكون للمهرجان أي قدرة على منافستها، شيئاً من العبثية. ويرى البعض الآخر في توسيع بؤرة النظر إلى الفنّ والحياة التي تنطوي على التنوّع، انفتاحاً، في زمن لا يترك خيارات كثيرة.

الفرجة والمتعة والجدية والعودة إلى الماضي والتفكير في المستقبل، هذا ما قدّمه لوكارنو في دورته التاسعة والسبعين (5 - 15 آب/أغسطس)، التي جاءت بأفلام "صعبة" تخاطب أهواء القلّة القليلة (أفلام لن نسمع عنها مجدّداً) وأخرى "حكواتية" من شأنها نيل اعجاب الجمهور العريض. وإلى الافلام التي أغلب الظنّ أن بعضها وصل إلى هنا بعدما رُفِض في مهرجانات اخرى، كانت هناك جملة تكريمات لأسماء "صنعت" هذه الدورة، بالإضافة إلى لحظات بهية في "البيازا غراندي". وحتماً ما سيبقى في أرشيف المهرجان: الدرس السينمائي لجيمس غراي، المخرج الأميركي الكبير الذي علّق على ظروف إنجاز كلّ فيلم من أفلامه على حدة، بدقّة وخفّة دم وكرم نادراً ما رأيتُ مثيلاً له في المهرجانات حيث السرعة تسحق كلّ شيء. حضر الفنّان المكرَّم ليفتح قلبه أمام جمهور لوكارنو. وكانت هذه حالة الممثّلة البلجيكية الفرنسية فيرجيني إيفيرا الذي يصلح درسها السينمائي بأن يكون وثيقة لـ"كيف تصبحين ممثّلة في كذا خطوة"، مع الأخذ في الاعتبار صعوبة مهنة فرضت عليها الكثير لإيصالها حيث هي الآن. مجدّداً كانت الدقّة هي سيدة الموقف. أما لحظة اعتلاء السويسري جان لوك بيدو على الخشبة لتسلّم جائزته الفخرية، فهي الأخرى كانت معبّرة في رمزيتها، خصوصاً أن عمر الفنّان المخضرم يتجاوز عمر المهرجان ببضع سنوات. في اليوم التالي، كشف عن فيلمه الأجدد، "أه كمّ السعادة قريبة!" لفرنسوا كريستوف مارزال، الأقرب إلى فيلم هاو للأسف، ولكن مع ذلك يحمل بعضاً من عيش الممثّل نفسه، وهو "يعبر الفصل الأخير من حياته" كما قال وأصر، إلى درجة أن الفيلم يتحوّل إلى وثائقي عنه. ففي نهاية العرض، عندما وقف أمام الجمهور مع عكازتين، للحديث عن تجربته، كان كأنما يخرج من الشاشة.

 

خلال عروض بيازا غراندي في لوكارنو 79.
خلال عروض بيازا غراندي في لوكارنو 79.

 

في الفيلم، جان لوك يُدعى جان لوك أيضاً، ممثّل ثمانيني، يستعد لتجسيد شخصية دون كيشوت على أحد المسارح العريقة في جنيف. إنه الدور الذي انتظره طويلاً، يراه فرصة مثالية ليودّع الخشبة بعد مسيرة حافلة. لكن متاعبه الصحية تبدأ في عرقلة البروفات، فيقرر القائمون على الإنتاج الاستعانة بممثّل بديل تحسّباً لأي طارئ. تدريجاً، تستولي البارانويا على جان لوك، فيقتنع بأن البديل لا يكتفي بأخذ دوره، وإنما يسعى إلى محو وجوده بالكامل، فينغمس في عالم من الوهم والارتياب يصعب عليه الخروج منه.

***

رغم الملاحظات الكثيرة على المسابقة الدولية، فبعض الأفلام اجتاز الامتحان الصعب. كحال "نادراً ما أستيقظ حالماً" للألمانية إيزابيل ستيفر، الذي أعطاه ناقد "غارديان" خمس نجوم من خمس. فيلم صادق ومؤلم عن رحلة التحوّل الجندري التي يعيشها أحد بطلي الفيلم، أوليا وأوليخ، والتي تتقاطع مع الغزو الروسي لأوكرانيا، لتصبح الهوية الشخصية جزءاً من معركة أوسع حول الحرية والحق في تقرير المصير. مستنداً إلى وقائع حقيقية، يضع الفيلم علاقة شخصين في مواجهة حرب تتسلل من المجال العام إلى اطار الحميمية. ويؤدّي الدورين ممثّلان غير محترفين، تانيا ميرونشينا وماركوس برايت، ممّا يمنح الحكاية صلة مباشرة بالواقع الذي تتناوله.
الثنائي هو ما نتعرف اليه أيضاً في "مطاردة" لوين وابيموكوا (من السكّان الأصليين لكندا)، المنافس على جائزة "النمر الذهب" التي ستُمنح مساء غد. يقرّر الشابان ترك حياتهما التي وصلت إلى طريق مسدود، لينطلقا في رحلة نحو أقصى الشمال، بحثاً عن بداية مختلفة. يستلهم الفيلم جريمة حقيقية محولاً إياها إلى تأمّل في العزلة وأزمة الرجولة وأوهام العالم الرقمي، وفي الرغبة الاستعمارية القديمة في الهروب إلى الشمال وبدء حياة جديدة. بيد أن رحلة البحث عن الخلاص تنحرف تدريجاً نحو العنف.

***

في "في ذراع الله" (من عروض بيازا غراندي) الذي سبقه صيته، كونه من إنتاج الفتى الرهيب للسينما الفرنسية (لوك بيسون)، ينقل النمسوي بيتر برونر المشاهد إلى بلدة صغيرة في تكساس، حيث يعيش مشردون على هامش المجتمع، في ظروف قاسية يضاعفها الشتاء. حين يقترح قس شاب عُيِّن حديثاً (كايلب لاندري جونز) إيواءهم في مكان عام، يصطدم برفض سكّان البلدة وأنانيتهم وتجاهلهم لمعاناة الآخرين (رغم تدينهم الظاهري)، فتتكشف تحيزات ومخاوف من كلّ ما يبدو مختلفاً أو دخيلاً. الفيلم المستوحى من وقائع حقيقية، يستند إلى شخصيات وتجارب أناس عاشوا التشرد فعلاً، ممّا يمنحه حسّاً وثائقياً واضحاً. قوة الفيلم في بساطة سرده وإيقاعه المتماسك، وفي جعله أزمة التشرّد قضية إنسانية تتجاوز إدانة عهد ترامب المعادي لكلّ ما لا يخدم المصلحة العامة. ومع ذلك، يقترب أحياناً من الخطابية، خصوصاً حين يشرح بوضوح زائد، فيفقد بعضاً من المساحة التي كان يمكن أن يتركها لتشكيل متلقّ يفهم من دون تلقيمه بالملعقة.

 

"صبي الكونغو": الموسيقى خلاصاً

في البيازا غراندي، اكتشف جمهور لوكارنو هذا العام "صبي الكونغو"، حيث يحوّل المخرج الكونغولي رفقي فريالا تجربة شخصية مؤلمة إلى حكاية عن الشباب والحلم في بلد (جمهورية أفريقيا الوسطى) أنهكته الحروب. روبير، فتى في السابعة عشرة (برادلي فيومونا)، يعيش في بنغي ويجد نفسه فجأةً مسؤولاً عن إخوته بعد سجن والديه، فيضطر إلى العمل وتأمين حاجات العائلة، من دون أن يتخلّى عن رغبته في أن يصبح موسيقياً. ومن خلال هذه الشخصية، التي يؤدّيها فيومونا بأداء لافت نال عنه جائزة التمثيل في كانّ، يستعيد المخرج مرحلة من حياته حين واجه ظروفاً مشابهة. لكن الفيلم لا يغرق في المأساة، بل يوازنها بروح مقاومة، كاشفاً تفاصيل الحياة اليومية في جمهورية أفريقيا الوسطى، ومشيراً إلى التمييز الذي يواجهه اللاجئون الكونغوليون وعجز المؤسسات عن حمايتهم. هكذا يصبح "صبي الكونغو" أكثر من قصّة نجاة: فيلم عن شاب يرفض أن يرث اليأس، ويتمسّك بالموسيقى كطريق إلى واقع آخر.


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

دوليات 8/11/2026 10:21:00 PM
حذّر فرانك هوغربيتس من زلزال قوي محتمل في منطقة فرانتشا برومانيا بقوة قد تتراوح بين 7 و7.9 درجات
لبنان 8/13/2026 10:26:00 AM
"أعتذرُ يا أهالي الشهداء، يا من قدّمتم للوطن فلذاتِ الأكباد"