مغامرات المسرح الصيني المعاصر... فنون حركية وقتالية تصل الحاضر بالماضي
لا يتوقف المسرح الصيني المعاصر عن خوض مغامراته المتعددة وقفزاته التجريبية المدهشة على مستوى الرؤية والتوجه والمعالجة والتقنية وغيرها من المفردات والعناصر المسرحية، بدون أن يفقد هويته الخاصة وطابعه المميز كفنٍّ راسخ ومتجذّر في المنجز المحلي منذ القدم.
يشكّل استلهام الركام الإنساني الصيني، الاجتماعي والثقافي والزراعي والصناعي والحضاري بوجه عام وليس فقط التراث المسرحي بشكل خاص، ركيزة أساسية في تفجير الصياغات المسرحية الراهنة، التي تفتح فضاءاتها في الوقت نفسه بكلّ أريحية ومن دون حذر على التيارات الغربية الوافدة وسائر المستجدات التي عرفتها القاعات ودور الأوبرا ومساحات العرض المفتوحة حول العالم.
ومن خلال مجموعة من العروض المسرحية المتنوعة التي أتيحت مشاهدتها مؤخراً لكاتب هذه السطور في عدد من المسارح ودور الأوبرا في العاصمة الصينية بكين ومدينة قوانغتشو بمقاطعة قوانغدونغ، يتجلى أمر آخر جوهري يخص المسرح الصيني الحالي، هو انخراطه بشكل لافت في الاستعراض الأدائي المتفوق القائم على الحركة ولغة الجسد الإشارية والراقصة، المصحوبة بالغناء والثيمات الموسيقية ذات النكهة الشعبية أو الكلاسيكية في معظم الأحوال.
كما يحرص "أبو الفنون" في المشهد المسرحي الصيني الآني على أن تكون الخشبة دائماً وعاء زمكانيّاً يستوعب تاريخ البيئة الحيّة بأكمله وتفاصيل الحياة البشرية في هذه المساحة الجغرافية على مرّ العصور. وإلى جانب العناصر المسرحية الرئيسية، فإنّ المسرح الجديد يستعين في رسائله الفكرية وركائزه الجمالية بكلّ أنساق الإبداعات المتاحة، التقليدية والحداثية على السواء، ومنها مثلاً الفنون الأكروباتية، والألعاب القتالية، وفن الشعر بتمثلاته وطاقاته التعبيرية والتصويرية والتخييلية المتجاوزة للمنطوق اللفظي.
الواقع والأسطورة
تحت هذه المظلة، تتجسّد عروض مسرح أوبرا قوانغدونغ أو مسرح الأوبرا الكانتونية، أحد أبرز الفنون المسرحية الصينية، الذي أدرجته منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي. ويجمع فن الأوبرا الكانتونية "دراما قوانغدونغ"، على مسرح أوبرا قوانغتشو ومسرح أوبرا قوانغدونغ، بين الأدب الكانتوني، والأداء الحركي والرقص والغناء الحي، والآلات الموسيقية التقليدية كالإيرشيان واليويتشين (الغيتار الصيني المستدير)، إضافة إلى الأزياء الفخمة والكلاسيكية التي تجسّد حركات الجسم المجردة، وفنون الدفاع عن النفس، ويمثل أرقى الفنون المسرحية التقليدية في جنوب الصين.
ويعتبر مسرح أوبرا قوانغتشو قرب نهر اللؤلؤ تحفة معمارية عالمية، وواحداً من أكبر ثلاثة مسارح في الصين، وتصميمه مستوحى من الحصى الناعم المصقول بفعل التعرية الطبيعية في وديان الأنهار. وقد بدأت الهجرة التدريجية لهذا الفن من شمال الصين إلى مقاطعة قوانغدونغ في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي خلال عهد سلالة سونغ الجنوبية، ونضج الفن وتطور كشكل مسرحي مستقل بحلول القرن السادس عشر، في عهد سلالة مينغ.
وتدمج عروض أوبرا قوانغدونغ الواقعي والعجائبي في منظومة مسرحية واحدة، مستندة إلى الفولكلور الصيني، والملاحم الفانتازية، والسرديات التاريخية، والتقاليد المحلية المشحونة بتأثيرات متنوعة من جميع أنحاء الصين. ويتخصص فنانو الأوبرا الكانتونية في أربع فئات أساسية، هي الغناء "تشانغ"، والتكلم "نيان"، والتمثيل "زو"، والفنون القتالية "دا".
ومن أبرز الأساطير التي تستلهمها عروض الأوبرا الكانتونية دراميّاً، باللغة الكانتونية العامية، أسطورة "الأفعى البيضاء"، وهي قصة حب تجمع بين رجل فانٍ وروح أفعى بيضاء تتجسد في هيئة امرأة، وتحكي قيم التضحية والعشق، في عالم مليء بالصراعات والخيانات.
وتتناول أسطورة "عشاق الفراشة" مأساة رومانسية تُعرف بـ"روميو وجولييت الصين"، حيث يفرّق المجتمع الطبقي بين عاشقين متحابّين. أمّا أسطورة "جناح الغرب"، فإنها تستوحي قصة رومانسية مقتبسة من مسرحية تعود إلى سلالة تانغ، وتصور العلاقة العاطفية الجريئة بين فتاة حسناء وباحث شاب.
سلب الحواس
تحفل عروض مسرح أوبرا قوانغدونغ أحياناً بمداخلات شعرية تعبيرية تحت شعار "لقاء الشعر والمسرح"، حيث ينسجم الشعر الأدائي مع التجسيد المسرحي، التمثيلي والغنائي والراقص، في لوحات بصرية دينامية تتعانق فيها سلسلة متنوعة من الفنون. وتمتدّ مثل هذه العروض الشعرية المسرحية أيضاً إلى المنصات والمسارح المجهزة في منطقة سور الصين العظيم في بكين.

وفق هذا المنطلق، فإنّ المسرح الصيني هو مسرح حركة بامتياز، على طول الخط. وليس ضروريّاً أحياناً أن تكون هناك صناعة درامية موسعة بالمعنى البنائي العريض المتعارف عليه، إذ يكفي أن تكون هناك حكاية بسيطة أو لقطة صغيرة مستدعاة من التراث أو من الواقع المجتمعي أو من الخيال. والأهم دائماً هو الاشتغال الفني على هذه السردية الحكائية بتكنيك بصري بالغ الخصوصية والجاذبية، بما يلائم ذلك المسرح الفريد، بمشاهده وصوره البرّاقة، التي تخطف العين وتسلب الحواسّ.
وانغ يانغ مينغ
وتستوعب العروض المسرحية سائر العناصر الثقافية الصينية المدرجة في قائمة التراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونسكو، ومنها على سبيل المثال زراعة الشاي، وأساليب تحضيره بأنواعه ومذاقاته المختلفة بالطرق التقليدية، التي تشكّل رمزاً روحيّاً للأمة الصينية.
وتستغرق العروض المسرحية الصينية في تقصّي العادات والتقاليد والمراسم والمناسبات والمعاملات الاجتماعية المتعددة، والقواعد الأخلاقية، والطقوس الروحية. كما لا تخلو من نزعة واضحة إلى التوحّد مع الطبيعة الأم، حيث الأشجار في الحقول الخضراء، والأقمار والنجوم في السماء، والأمواج في البحار، والرمال في الصحراء.
ومن تلك العروض المتميزة، على مسرح دار الأوبرا الوطنية الصينية في بكين، عرض "وانغ يانغ مينغ"، الأدائي الغنائي الأكروباتي الراقص، المصحوب بموسيقى أوركسترالية. وتقدم المسرحية تنامياً دراميّاً بارعاً من خلال الحركة الجسدية للاعبين. وتستعرض المسرحية الرحلة الفلسفية والتنويرية للمفكر الصيني وانغ يانغ مينغ (1472-1529)، الذي تُعدّ فلسفته من أهم أركان الكونفوشيوسية الجديدة، وتقوم على أنّ الحكمة لا تأتي من دراسة العالم الخارجي، بل من تصفية العقل الباطن. وينقسم العرض إلى خمسة فصول هي: المقدمة، السعي وراء الطريق، فهم الطريق، تحقيق الطريق، الخاتمة، ويدمج العرض بين الرقص الشعبي، وعناصر الأوبرا التقليدية، وتصميم الرقصات الحديثة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل كان التعثر المالي وراء وفاته؟
نبض