"عيون بيروت" لعزّة طويل: من يملك الحكاية حين تصبح الحياة رواية؟
ليست العين في رواية "عيون بيروت: سرّ اللمعة في العينين" لعزّة طويل مجرّد نافذة تطلّ منها الشخصيات على العالم، بل تكاد تكون العالم نفسه: عين تحب، وأخرى تشهد، وثالثة تُفقأ، وعين كاميرا تحفظ ما يحاول النسيان محوه. وبين عيني لمياء اللتين يحاول رامي الاستحواذ على بريقهما، وعيون المتظاهرين التي تستهدفها السلطة، وعيني الراوية اللتين يرهقهما الصداع النصفي، تبدو بيروت كأنها العين الكبرى. مدينة رأت أكثر مما ينبغي، ومع ذلك لم تفقد تماماً قدرتها على النظر.
من هنا يمكن الدخول إلى الرواية، الصادرة عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، لا بوصفها رواية حب تدور أحداثها في بيروت، بل بوصفها رواية عن سلطة السرد: من يملك الحكاية؟ من يروي الآخر؟ وهل امتلاك اللغة يمنح صاحبه الحق في امتلاك حياة الآخرين؟
تحية إلى رولان بارت
ليس عبثاً أن تضع الكاتبة في إهدائها تحية إلى رولان بارت. فظلّ صاحب "موت المؤلّف" يمتد إلى صميم اللعبة الروائية: ما إن تُكتب الحياة حتى تنفصل، إلى حدّ ما، عمّن كتبها، ويغدو القارئ شريكاً في إنتاج معناها. لكن عزّة طويل تقلب المسألة إلى وجهها الأخلاقي الأكثر إرباكاً: ماذا لو كان النص الذي تحرّر من مؤلّفه قد سجن شخصاً حقيقياً داخله؟
هنا يقع رامي في قلب المعضلة. فالكاتب ومسؤول دار النشر، الذي يكبر لمياء بنحو خمسة وعشرين عاماً، لا يكتفي بعلاقة عاطفية مضطربة معها، بل يكتبها في روايته "لعنة الحب"، مستعملاً تفاصيل من حياتهما الحميمة، وتتحول التجربة المشتركة إلى مادة يمتلك هو سلطة ترتيبها وتفسيرها. المشكلة، إذاً، ليست في أن رامي كتب الحب، بل في أنه أراد أن يمتلك الرواية الوحيدة الممكنة لهذا الحب.

واللافت في البناء أن الراوية تعرف هذا الرجل من قبل. فقبل سبعة عشر عاماً، كانت هي في المكان الذي تقف فيه لمياء الآن. وحين تلتقي الفتاتان في معرض بيروت للكتاب أواخر عام 2018، لا تلتقي امرأتان فحسب، بل تلتقي امرأة بذاتها القديمة. لذلك يصبح دفاع الراوية عن لمياء ملتبساً: إنها تنقذها، لكنها تحاول من خلالها أيضاً إنقاذ المرأة التي كانتها يوماً، وربما الانتقام، متأخرةً، من رجل ظنت أنها تجاوزته.
من هنا تنشأ واحدة من أجمل مرايا الرواية: لمياء ليست الراوية، لكنها احتمالها الآخر. وما تعجز الواحدة عن تسويته مع ماضيها، تحاول الأخرى كتابته في حاضرها. وحين تبدأ لمياء روايتها المضادة، ينتقل الصراع من الحب إلى اللغة. لم تعد القضية مَن أحبّ مَن، بل مَن سيحصل، في النهاية، على حق وضع النقطة الأخيرة.
فعل استرداد الذات
لهذا تصبح الكتابة فعلاً من أفعال استرداد الذات. رامي يكتب لمياء، ولمياء تعيد كتابة ما كتبه، والراوية تراقبهما وتكتشف أنها هي أيضاً موجودة داخل الحكاية. وفي الخلفية تقف بيروت، المدينة التي تتنازعها، بدورها، روايات لا تنتهي عن الحرب والإعمار والفساد والثورة والانفجار. كأن ما يحدث بين رجل وامرأتين في غرفة صغيرة نسخة مصغّرة عمّا يحدث لمدينة كاملة: هناك دائماً من يريد أن يرويها نيابةً عنها.
وتكتسب "العين" هنا معناها الأعمق. كنان، المصوّر الذي يدخل حياة الراوية على النقيض من رامي، يؤمن بأن الصورة تستطيع التقاط ما تعجز الكلمات عن قوله. يصوّر عيون المتظاهرين، ويقيم علاقة مع العالم تقوم على النظر، لا الاستحواذ. وبين الرجلين فارق جوهري: رامي يريد الآخر أسيراً داخل حكايته، فيما يحاول كنان أن يراه كما هو. الأول يستخدم اللغة ليمتلك، والثاني يستخدم العدسة ليشهد.
ولذلك أيضاً لا يبدو استدعاء بارت بعيداً عن عالم كنان. ففي "الغرفة المضيئة"، لم يتعامل بارت مع الصورة باعتبارها نسخة عن الواقع، بل بوصفها حضوراً لما صار غياباً، وأثراً يجرح من ينظر إليه. وصور كنان تفعل شيئاً قريباً من ذلك: إنها لا تنقذ أصحاب العيون من العنف، لكنها تحول دون اختفاء أثرهم. العين هنا تشهد وتتحول، بدورها، إلى شهادة.
حتى جسد الراوية يدخل في هذه الثنائية. فالصداع النصفي الذي يطاردها ليس تفصيلاً مرضياً زائداً: الضوء نفسه يصبح مؤلماً، والرؤية التي يُفترض أن تمنح الوضوح تتحول إلى عذاب. وبين الضوء والعتمة تختبئ ذاكرة الأب الذي قُتل عام 1995، قبل أن تكتشف الابنة أن الصورة التي صنعتها له لم تكن مكتملة. فالأم، حارسة الصور والذاكرة، تحمل جزءاً آخر من الحقيقة. هكذا تهدم الرواية يقيناً إضافياً: حتى موتانا الذين نظن أننا نعرف قصصهم قد يكونون شخصيات في رواية صنعناها لأنفسنا.
الرابع من آب 2020
ثم يأتي الرابع من آب 2020، فيتحول المجاز إلى حقيقة مادية: ينفجر المرفأ ويتحطم زجاج بيروت. تفقد المدينة نفسها الحاجز الشفاف الذي كان يفصل داخلها عن خارجها ويحميها، ولو وهماً. يُصاب رامي وتُبتر يده، في مفارقة لا تخلو من قسوة رمزية: اليد التي كتبت الآخرين تفقد اكتمالها، فيما تبدأ لمياء باستعادة يدها، أي قدرتها على الكتابة.
ومع ذلك، لا تقدّم عزّة طويل الكتابة بوصفها عدالة سحرية. فالرواية تبدأ، زمنياً، من نهايتها، عام 2022، حين تقف لمياء، وقد أصبحت كاتبة، لتقدّم روايتها الأولى. المرأة التي كانت موضوعاً في كتاب رجل صارت صاحبة كتاب. لكن السؤال يبقى أكثر إثارة من الانتصار نفسه: هل استردّت حياتها حين كتبتها، أم صنعت، بدورها، نسخة أخرى منها؟
لعلّ "سرّ اللمعة في العينين" يكمن هنا تحديداً. فاللمعة ليست وعداً ساذجاً بأن بيروت ستنهض دائماً، ولا استعارة جاهزة للصمود، بل شيء أكثر هشاشة وصدقاً: القدرة على الاحتفاظ بحق النظر حين يريد الآخر أن يرى بالنيابة عنا، وبحق الكلام حين يريد أن يكتبنا، وبحق امتلاك حكايتنا حتى عندما نعرف أن الحقيقة نفسها لا يملكها راوٍ واحد.
لهذا لا تكتب "عيون بيروت" مدينةً جريحة فحسب، بل تضع المدينة والمرأة والكاتب والقارئ أمام السؤال ذاته: من يملك الحكاية بعد أن تُروى؟ وربما يكون أجمل ما تقوله الرواية أنها لا تمنحها لأحد كاملة، بل تتركها موزّعة بين العيون؛ لأن الحكاية التي تحتكرها عين واحدة تفقد، في النهاية، شيئاً من حقيقتها.
نبض