معركة فردان بجنودها وقتلاها وجحيمها معرضاً
مئة وعشرة أعوام مرت على معركة فردان في فرنسا، أطول المعارك في الحرب العالمية الأولى وأكثرها دموية. وكي لا ينسى الأوروبيون والعالم هذه الحرب، تم على الأرض التي جرت فيها هذه المعركة الحاسمة، تأسيس متحف للذكرى ومبان أثرية تابعة له تُعرف اليوم باسم "ميموريال دو فردان".

تأسس هذا المتحف عام 1967 وهو خضع لعملية تجديد كبيرة حتى يكون متحفا عصريا بكل معنى الكلمة بالاعتماد على أحدث الوسائل السمعية والبصرية لرواية "جحيم فردان" خلال مرحلة زمنية امتدت عشرة أشهر عام 1916. راح ضحية هذه المعركة 300 ألف قتيل و400 ألف جريح من الجانبين الفرنسي والألماني في أقل من سنة.
يروي المتحف للزوار فصولاً من الحرب العالمية الأولى ومعركة فردان مستنداً على الوثائق التاريخية والشهادات الإنسانية مع نصوص وشروح مثبتة باللغات الفرنسية والإنكليزية والألمانية. نستمع الى أصوات المدافع ونتعرف الى تفاصيل الحياة اليومية للجنود المحاصرين ومعاناتهم وآلامهم وكيف كانت تتم عمليات إنقاذهم من الموت.
تتنوع معروضات المتحف وقد أفادت من التبرعات التي قدمها المحاربون القدامى وأولادهم وتشمل يوميات الحرب التي دونها بعض الجنود والصور الفوتوغرافية والأدوات التي كان يستعملها الجنود والأوسمة إضافة الى الرسوم والمحفورات والملصقات الدعائية والجرائد وبطاقات المعايدة والأزياء.

انتهت حالة العداء بين فرنسا وألمانيا وتعرفنا في السابق الى العديد من مظاهر المصالحة بين البلدين. وللتذكير كان الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران قد دعا عام 1984 المستشار الألماني هلموت كول الى زيارة موقع فردان والمقابر المخصصة للضحايا من الجانبين من أجل بناء ذاكرة مشتركة بعيدا من صراعات الماضي. لكننا اليوم نعيش أجواء مختلفة ونشهد صعود العديد من الحركات القومية المتعصبة في أوروبا والعالم.
من أجل الوقوف في وجه هذه النزعات المتطرفة، يقيم المتحف باستمرار المعارض المؤقتة والنشاطات الثقافية لاستقطاب جمهور واسع من الطلاب والشباب والمثقفين، ومنها المعرض المقام حاليا تحت عنوان "عن عوالم معركة فردان"، وفيه نشاهد وثائق عن مساهمة شعوب من جنسيات مختلفة في الجيش الفرنسي. ومن المعروف أن آلاف الجنود المسلمين القادمين من المغرب العربي وأفريقيا السوداء قضوا في الحرب وهناك مقبرة مخصصة لهم في فردان. جاءت مشاركتهم في المعركة بسبب خضوع بلدانهم للاستعمار الفرنسي، في دليل على دورهم في انتصار فرنسا في هذه المعركة الحاسمة، وتنوع المجتمع الفرنسي وتعدديته اليوم على الرغم من الخطابات العنصرية، كما حدث مع فريق كرة القدم الفرنسي أثناء مباراة كأس العالم.
تكشف زيارة متحف فردان عبثية الحروب وتدميرها للحجر والبشر، وهي تذكرنا بما يحصل اليوم في عدد من الدول العربية وفي الشرق الأوسط الذي يعيش على وقع الحروب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ولقد نجحت إدارة متحف فردان في مقاربتها الإنسانية للحرب من أجل بناء مستقبل مشترك بين الشعوب مع تبني أسس تعليمية قادرة على جذب الكبار والصغار مهما اختلفت قومياتهم وأديانهم.

نبض