كيف إِرنست همنغواي غيَّرَ الأَدب الأَميركي (3 من 3)

ثقافة 04-08-2026 | 09:13

كيف إِرنست همنغواي غيَّرَ الأَدب الأَميركي (3 من 3)

بين ولادته وانتحاره حياة صاخبةٌ ملأَها تَنَقُّلًا وكتاباتٍ وكتُبًا وصحافةً وأَسفارًا ورحلاتٍ ومغامراتٍ وزواجاتٍ وقصصًا.
كيف إِرنست همنغواي غيَّرَ الأَدب الأَميركي (3 من 3)
همنغواي في مقصورة يخته "العمود".
Smaller Bigger

في الذكرى 65 لوفاة إرنست همنغواي، نستذكره في هذه الثلاثية صوتًا ضالعًا بِقُوَّةٍ في فضاء الأَدب العالمي.
بين ولادته (21 تموز/يوليو 1899 في مدينة أُوك بارك Oak Park - ولاية إِيلينُوُيْ) وانتحاره (2 تموز/يوليو 1961 في مدينة كيتْشُوم ولاية آيداهو) حياة صاخبةٌ ملأَها تَنَقُّلًا وكتاباتٍ وكتُبًا وصحافةً وأَسفارًا ورحلاتٍ ومغامراتٍ وزواجاتٍ وقصصًا. وهو بنى شهرته على قاعدة عَمِلَ لها وأَرساها: "نظرية جبَل الجليد"، قائمة على إِيجاز الأُسلوب إِلى آخر الحدِّ الأَدنى من اختصار التعابير والعبارات، ما كان له تأْثير بالغ على الأَدب الأَميركي خصوصًا، وعمومًا على أَدب القرن العشرين.
في الحلقتَيْن الأُوْلَيَيْن سردتُ ملامح من نشأَته ومطالعه الأَدبية، وما كان له من تجارب في باريس وسواها.
في هذه الحلقة الثالثة (الأَخيرة)، أَختم هذه الثلاثية بــنجاح همنغواي وانتحاره.  

صيد الأَسماك من اليخت

خارج مسيرته الأَدبية، كانت سيرة همنغواي الشخصية ممتلئةً مفاجآتٍ غريبةً وطريفة. فهو كان صيادَ سمكٍ مدمنًا على صيده في أَعماق البحار. أَمضى وقتًا طويلًا وسْط تيارات الخليج قبالة شواطئ كوبا، على متن يخته الخاص "العمود": 12 مترًا طولًا، اشتراه سنة 1934، وسمَّاه على اسم زوجته الثانية بولين، وهو أَيضًا اسم بطلة روايته عن الحرب الأَهلية الإِسپانية "لِمن يُقرع الجرس حزنًا"؟ (1940). وورد ذكْرٌ لأَوقات صيده على متنه في عدد من رواياته، منها "العجوز والبحر" (1952)، وفيها تفاصيل دقيقةٌ عن إِدمانه البقاء في يخته، وشعوره بالوحدة فيه والانفراد، ومصارعته الأَنواء في البحر الهائل الهائج. 

 

صراع العجوز والبحر (عن رواية همنغواي).
صراع العجوز والبحر (عن رواية همنغواي).

 

لكتابته على متن اليخت، اتخذ عادة الطباعة على آلته الكاتبة (الدكتيلو) واقفًا. وضعها بعُلُو صدره على منصة خشبية عالية في زاوية من يخته، عليها أَيضًا أَقلامٌ وأَوراقٌ تحمل ملاحظات وأَفكارًا جاهزة للتوسيع. وكما ورد في حديثه يومًا إِلى جريدة پاريسية، كانت تلك عادته المهنية منذ مطالع كتاباته الصحافية. على جدار اليخت علَّق ورقة يدوِّن عليها يوميًّا عدد الكلمات التي كتبَها، وكان يعتبر بلوغَه 500 كلمة يومًا تأْليفيًّا مثمرًا.   

الهررة النادرة

ومن هواياته اقتناءُ نوع من الهررة ذي ست أَصابع في كلٍّ من قائمتَيْه. وكان أَول ما حمل إِلى بيته في جزيرة "كي وِسْتْ" (أَسفل ولاية فلوريدا، 90 ميلًا عن كوبا)، هرٌّ سَمّاه "سْنو وايت" (الثلج الأَبيض)، أَهداهُ إِياه قبطان بحري صديقه. وتناسل من ذاك الهر ما يشكِّل اليوم نحو 60 هرًا وهرَّة، في بيته ومتحفه هناك، ما زال يهتم بها القيِّمون على المتحف.

 

"پوليتزر" ثم "نوبِل"

سنة 1952 صدرت روايته "العجوز والبحر" (1952) كتبها بين كانون الأَول/ديسمبر 1950 وشباط/فبراير 1951، روى فيها قصة صياد سمك كوبيّ وصراعه الخطير مع سمكة "المارلِن" (من سمك المحيطات الضخم). في انطباع أَوَّليٍّ عاديٍّ، هو حدثٌ بسيط لا مثير في قصته. إِنما عمقيًّا، خلف هذه البساطة، رمزُ التأَمُّل في عظَمة المثابرة، وتمجيد الكرامة الإِنسانية، وقوة التصميم على بلوغ الهدف. وأُسلوب هذه الرواية أَفضلُ تجسيدٍ لنظرية همنغواي الكتابية "جبل الجليد".
سرعان ما اندلَعت شهرة الرواية. نال همنغواي عليها سنة 1953 جائزة "پوليتْزِر"، وهي أَرفع جائزة أَميركية للآداب والفنون، أَسّسها سنة 1904 الصحافي الهنغاري جوزف پوليتْزِر (1847-1911)، وبدأَ منْحُها السنوي سنة 1917، تنفيذًا وصيَّته، في جامعة كولومبيا - نيويورك. وتحوَّلت الرواية فيلمًا سينمائيًّا سنة 1958 مع سپنسير تريسي، وسنة 1990 مسلسلًا تلفزيونيًّا مع أَنطوني كْوين. بعد صدورها بسنة واحدة (1954) نال إِرنست همنغواي جائزة نوبل للأَدب مكرِّسةً إِياه بين أَكبر أُدباء العالم.

 

همنغواي متسلِّمًا جائزة “نوبِل“.
همنغواي متسلِّمًا جائزة “نوبِل“.

 

حادثتان مأْساويتان

سوى أَنه، عامئذٍ، وقعَ ضحيةَ حادثتَين خطيرتين: سقطت به الطائرة مرتين إِبان رحلة صيد الحيوانات البرية في أَفريقيا. وأُصيب بجروح عميقة خالت بسببها إِحدى الصحف أَنه مات، ونشرت خبر وفاته. لكنه نجا من الحادثتين إِنما بكسور ورضوض في جسمه، خصوصًا في ظهره وكتفَيه. وراحت تزداد آلامه وتعقيداتُ صحته طويلًا بعدذاك، وعاش بها انهيارًا نفسيًّا، وتراجُعًا جسديًّا، وصراعًا يوميًّا مع آلام قاسية راحت تتزايد سنةً بعد سنة، حتى أَدَّت به إِلى الانتحار باكرًا فجرَ الثاني من تموز/يوليو 1961 بإِطلاق النار من مسدسه الخاص على رأْسه داخل بيته في كيتشُوم (ولاية آيداهو الأَميركية) وكان في الحادية والستين.

تأْثيره بعد وفاته

بعد وفاته، صدرَت له ثلاث روايات: "جزُر في الـمجرى" (1970)، "حديقة عَدَن" (1986)، "النور الأَول والحقيقي" (1999). وكانت صدرَت مذكراته "الاحتفال المتنقِّل" سنة 1964.

 

خبر انتحاره كما نشَرتْه الصحُف.
خبر انتحاره كما نشَرتْه الصحُف.

 

اليوم، بعد 65 سنة على غيابه، ما زال تأْثيره ساطعًا في الأَدب، بالعبارة الموجزة، بالكلمات الأَكثر إِيحاءً والأَقل عددًا، بالحوار الموحي معنىً آخر، بالقصة التي تترك قارئها متأَثِّرًا لوقت طويل، وجميعها عناصرُ أَدبيةٌ أَسس لها في عصره وما زالت سائدة في فن السرد حتى اليوم. ما يعني أَنَّ نظريته "جبل الجليد" ما زالت راهنًا في صلب الأُسلوب الأَميركي الأَدبي، وهو ما يأْمل القارئ إِيجاده في كل نصٍّ سردي (قصصًا أو روايات)، انسيابًا مع نظريته بأَن عواطف الحياة والشجاعة والحزن والحب والمثابرة والاحتمال، لا يجب أَن تظهر مسطَّحة على وجه الغمْر، بل تبقى في معظمها، كجبل الجليد، في قعر المياه العميقة. 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
اقتصاد وأعمال 8/3/2026 2:25:00 PM
تقدّر الكلفة السنوية للعطاءات بما لا يقل عن 800 مليون دولار، منها نحو 200 مليون مخصصة للمنح المدرسية والتعويض العائلي، و600 مليون لتغطية كلفة الرواتب والأجور الناتجة من الرواتب الستة الإضافية.
مجتمع 8/2/2026 12:38:00 PM
حذّرت المصلحة من التعرّض المباشر لأشعة الشمس ومن اندلاع الحرائق في المناطق الحرجية.