"لا نستمع إلى هذه الأغنيات فقط، بل نسكنها"

ثقافة 04-08-2026 | 08:58

"لا نستمع إلى هذه الأغنيات فقط، بل نسكنها"

تهدّم الدكان وترحل بنت الجيران، ويُبنى بيت جديد، لكن حنّا لا يغادر مكانه. لا يقاوم الزمن بالصراخ، ولا يحاول استعادة ما مضى، بل يحرس اللحظة الأولى من الضياع
"لا نستمع إلى هذه الأغنيات فقط، بل نسكنها"
ليليان يمين.
Smaller Bigger

ليليان يمين

 

يخبرني صديق أن في بلدته الجبلية من يشبه حقًا «حنّا السكران»ويروي لي حبيب أن «طريق النحل» رسمت رحلته شابًا من ضيعته الصغيرة إلى بيروت، إلى سعتها الممتدة «حدّ السما الزرقا» وعندما كان يردد لي أحدهم كلّما التقاني:«يا حلو شو بخاف إنّي ضيّعك»، ظننتها عبارته الخاصة لي ويا خجلتي عندما اكتشفت أنها قصيدة رحبانية.

 

 الحبّ عند الرحابنة لم يكن يوما الغاية، بل البوابة. فمن يدخل عالمهم باحثًا عن قصة عاشقين، يكتشف أنه يسير، من حيث لا يدري، نحو الزمن. الحبّ في أغنياتهم يوشي بسؤال عن الذاكرة، وعن الطفولة، وعن ما يبقى من الإنسان بعد أن تتغير الأمكنة والوجوه.

 

في أغنية «حنّا السكران» تبدأ الحكاية بجملة تبدو عابرة: «كان الزمان وكان في دكانة بالفي»، ليست الدكانة في الواجهة، بل، في الظل، حيث تختبئ الذاكرة بعيدًا عن صخب الحياة ،هناك يجلس أيضا حنّا، خلف الدكان، لا في مقدمتها، ينتمي إلى عالم آخر، عالم لا تُقاس فيه الأشياء بالمكانة، بل بالوفاء.

 

تهدّم الدكان وترحل بنت الجيران، ويُبنى بيت جديد، لكن حنّا لا يغادر مكانه. لا يقاوم الزمن بالصراخ، ولا يحاول استعادة ما مضى، بل يحرس اللحظة الأولى من الضياع. يغني ويرسم بنت الجيران، لأن الذكرى عنده لا تنمتي إلى الماضي، الذكرى شكل من أشكال الحضور. 

 

وفي «طريق النحل» يعود الرحابنة إلى الفكرة نفسها بلغة أخرى. لا تطلب الحبيبة هنا من حبيبها ألا يرحل، فهي تعرف أن الفراق ممكن، لكنها تقول: «ضلّ تذكرني، وتذكر طريق النحل». الطريق هو الأثرً الذي تركه الحب في الذاكرة، والنحل، الذي يعرف دائمًا كيف يعود إلى خليته، يصير رمز الذاكرة وحارس الحكاية.

 

ثم تأتي «يا حلو شو بخاف» لتكشف الوجه الثالث لهذا الزمن. فإذا كان «حنّا السكران» يعيش الفقد، و«طريق النحل» يحفظ أثره، فإن «يا حلو شو بخاف» تعيش قبله، في لحظة القلق من أن يحدث. الأغنية كلها مبنية على فعل واحد: الخوف. ليس الخوف من الحبيب، بل الخوف من الزمن وهو يمد يده ليأخذ منا من نحب. الجسر العتيق هو المعبر بين زمنين:قبل اللقاء وبعده. والطريق أكثر من مسافة، هي احتمال أن يبتعد الحبيب دون أن يلتفت. والضباب الذي «يمحي الدني» حالتنا عندما يغيب من يمنح العالم معناه. لذلك لا تطلب الحبيبة وعدًا بالخلود، نسمعها ترجو أن تصبح «مثل خاتم ذهب بإصبعه"، شيئًا صغيرًا، دائم الحضور، يرافق الزمن بدل أن يقف في وجهه. مرة أخرى، لا يكون الحب هو الغاية كما ذكرنا ، الحب هو اللغة التي يتحدث بها الرحابنة عن الزمن، وعن هشاشة الإنسان أمامه، وعن رغبته العميقة في أن يبقى، ولو أثرًا، في قلب من يحب.


القصيدة الرحبانية لا تغرق بسؤال: هل بقي العاشقان معًا؟ فالسؤال أعمق: ماذا يبقى من الحب عندما يمضي الزمن؟ وجوابهم يتكرر في صور مختلفة: دكانة في الظل،جدران في داخلنا وطريق نحل في السماء، وعاشق يخاف السؤال خشية "تضحر من سؤالي وزعلك".

 

هذا هو سر عودتنا الدائمة إلى أغنيات الرحابنة. لأنها تعيدنا إلى الزمن،ندخل معها في الدوامة الجميلة نفسها، نلتقط النبض :نمرّ بالدكانة، ونسلك طريق النحل، ونعبر الجسر العتيق، ونشعر أن الزمن لم يرحل، بل ما زال يدور في أعماقنا. 

 

لذلك نرانا لا نستمع إلى هذه الأغنيات فقط، بل نسكنها، وتصبح هي المكان الذي نلتقي فيه بذواتنا الأولى، نستعيدها مع أحباء،في جلسة أو في اتصال هاتفي، نفككها، نتبادل المقاطع،نخطأ ،نصحح،ننسى ،نحملها تارة طيلة النهار ،لا نفهم سر تكرارها لكننا ندرك أننا في كل ذلك نعيد معها تركيب الوقت. 
نحن عندما نجد من يشاركنا هذا العالم الشعري نفرح ونتأكد أنه لا يمكن أن نحب شخصا لا يجيد الدخول واللهو بين سطور تلك القصائد.

 

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
اقتصاد وأعمال 8/3/2026 2:25:00 PM
تقدّر الكلفة السنوية للعطاءات بما لا يقل عن 800 مليون دولار، منها نحو 200 مليون مخصصة للمنح المدرسية والتعويض العائلي، و600 مليون لتغطية كلفة الرواتب والأجور الناتجة من الرواتب الستة الإضافية.
مجتمع 8/2/2026 12:38:00 PM
حذّرت المصلحة من التعرّض المباشر لأشعة الشمس ومن اندلاع الحرائق في المناطق الحرجية.