لماذا لا يزال "سبايدر مان" يتفوّق على زملائه الأبطال الخارقين؟
تجاوز "سبايدر مان" تقلبات الجمهور، وتضخّم السلاسل السينمائية، وجدل "إرهاق أفلام الأبطال الخارقين".
حقق فيلم "الرجل العنكبوت: يوم جديد" أعلى إيرادات يوم افتتاح في تاريخ شباك التذاكر الأميركي، محققاً 168 مليون دولار، ليضع "سبايدر مان" مرة أخرى في قلب المشهد التجاري لهوليوود، بينما يكافح عدد من سلاسل أفلام الأبطال الخارقين لاستعادة حماسة الجمهور.
لماذا بقي سبايدر مان حاضراً بينما اختفى أبطال كثر؟
وراء هذا الإنجاز التجاري سؤال يتجاوز شباك التذاكر: لماذا (وكيف) صمد "سبايدر مان" في كلّ مراحل سينما الأفلام الضخمة الحديثة، بينما صعد كثير من أبطال القصص المصورة إلى القمة ثم تراجعوا واختفوا؟ الجواب يكمن في مرونة الشخصية وقدرتها على التكيّف؛ إذ واصلت الشخصية عكس هواجس الأجيال وطموحاتها.
وعلى خلاف أبطال خارقين طبعت قدراتهم الاستثنائية شخصياتهم، تُعرّف مشكلات بيتر باركر العادية به. فهو يقلق بشأن دفع إيجار المنزل، ويخشى خذلان أحبائه، ويحاول التوفيق بين العمل والمسؤولية، ويواجه قرارات أخلاقية نادراً ما تختفي آثارها مع ظهور شارة النهاية. قدراته خارقة، أما حياته فليست كذلك. وقد أثبت هذا الفارق أنه يتمتع بقدرة استثنائية على الصمود.
كل جيل أعاد اكتشاف سبايدر مان بطريقته
سام رايمي: إعادة الشرعية لأفلام الأبطال الخارقين
عندما انطلقت ثلاثية سام رايمي عن سبايدر مان عام 2002، كانت سينما الأبطال الخارقين لا تزال تبحث عن شرعيتها بعد الإخفاقات التجارية التي شهدتها نهاية تسعينيات القرن الماضي. تعامل رايمي مع الشخصية كأسطورة أميركية معاصرة. ركزت أفلامه على التضحية، والمسؤولية، والصدق العاطفي، في مرحلة كان الجمهور لا يزال ينتظر فيها من اقتباسات القصص المصورة أن تبرر جديتها. وقد أسهم النجاح الهائل لفيلمي "سبايدر مان" (2002)، ولا سيما "سبايدر مان" (2004)، في ترسيخ القالب الإبداعي الذي ستطوره لاحقاً أفلام الأبطال الخارقين، بما فيها أعمال عالم "مارفل" السينمائي.

مارك ويب: بيتر باركر في زمن الهوية والواقعية النفسية
ورث مارك ويب، بعد عقدٍ، مشهداً سينمائياً مختلفاً. فقد كانت ثلاثية "باتمان" للمخرج كريستوفر نولان قد رسخت شعبية الواقعية النفسية، بينما اعتاد الجمهور مقاربات أكثر قتامة وحميمية لأساطير القصص المصورة. لذلك ركز فيلما "سبايدرمان المذهل" (2012 - 2014) على المراهقة، والهوية، والحب الأول. ظهر بيتر باركر (أندرو غارفيلد) هشاً من الناحية العاطفية، ومربكاً اجتماعياً، لكنه واثق من قدراته الفكرية، معبراً عن جيل بات يقدّر الأصالة أكثر من البطولة المثالية. وعلى الرغم من أن تلك الأفلام قسمت آراء النقاد ولم تحقق الهيمنة الثقافية التي كانت "سوني" تأملها، فإنّها أثبتت مرونة الشخصية.

توم هولاند: مراهق داخل أكبر امتياز سينمائي في هوليوود
وجاء انضمام توم هولاند إلى عالم مارفل السينمائي ليعكس مرحلة جديدة. ففي منتصف العقد الثاني من الألفية، أصبحت الأفلام المترابطة النموذج السائد في هوليوود. ولم يعد بيتر باركر بطلاً مستقلاً، بل بات جزءاً من عالم سينمائي واسع يضم أبطالاً خارقين وشخصيات استثنائية وتهديدات كونية. ومع ذلك، حرصت استوديوهات "مارفل" على ألا تذوب شخصيته وسط هذا العالم المزدحم، بل أبقته مراهقاً يحاول التكيف مع مسؤوليات تفوق سنه. وتحوّل ارتباكه وعثراته إلى جزء من جاذبيته، لا إلى نقاط ضعف تقلل من مكانته.

الرسوم المتحركة مستقبل سبايدر مان؟
ولعل أكثر عمليات إعادة الابتكار جرأة لم تأتِ من أفلام الحركة الحية، بل من الرسوم المتحركة. فقد وسّع فيلما "داخل عالم العنكبوت" (2018) و"عبر عالم العنكبوت" (2023) الأسطورة من دون التخلي عن جوهرها العاطفي. وأثبتت لغتهما البصرية الثورية، المستوحاة من تقنيات طباعة القصص المصورة، أنّ سينما الأبطال الخارقين ما زالت قادرة على مفاجأة الجمهور من حيث الشكل، لا السرد وحده.

كيف حافظت "سوني" على سبايدر مان؟
ويعود جانب كبير من هذا التجدد المستمر إلى سوني بيكتشرز، التي أثبتت إدارتها لشخصية "سبايدر مان" قدرة لافتة على الصمود. فعلى خلاف عدد من السلاسل المنافسة التي قيدتها الاستمرارية السردية أو الاستراتيجيات المؤسسية، أتاحت "سوني" مراراً للمخرجين إعادة تفسير الشخصية بما يناسب الجمهور المتغيّر. كما عزز تعاونها مع "مارفل" ابتداءً من عام 2015 قوة السلسلة. وبدلاً من أن تحل كل نسخة محل سابقتها، أسهمت كل واحدة منها في توسيع الذاكرة الثقافية لسبايدر مان نفسه.
ولا يزال "سبايدر مان" من بين العلامات القليلة في عالم الأبطال الخارقين القادرة على تحقيق إيرادات استثنائية في شباك التذاكر، فيما شهدت شخصيات من القصص المصورة تراجعاً في العائدات وسط استمرار النقاش حول ما يسمى "إرهاق أفلام الأبطال الخارقين". فالجمهور لا يهجر أفلام الأبطال الخارقين بحدّ ذاتها، ولكنّه أصبح أكثر انتقائية، يميل نحو الشخصيات والقصص التي تظلّ ذات معنى عاطفي، بدلاً من تلك التي تتحول إلى إنتاجات متسلسلة وآلية.
بيتر باركر... بطل خارق يعيش حياة عادية
كثيراً ما عبّر مؤرخ السينما ديفيد بوردويل عن أنّ الأساطير الشعبية التي تعيش طويلاً هي تلك التي تتمتع بمرونة كافية لاستيعاب التحولات الثقافية من دون التخلي عن خصائصها الجوهرية. ويجسّد "سبايدر مان" هذا المبدأ خير تجسيد، إذ يكتشف كلّ جيل بيتر باركر مختلفاً، لكن المعادلة الأخلاقية التي صاغها ستان لي وستيف ديتكو لأول مرة عام 1962 لم تتبدّل، وهي أنّ القدرة الاستثنائية تستوجب مسؤولية استثنائية.
وقد أصبحت هذه الفكرة البسيطة أكثر قيمة في زمننا؛ فبيتر باركر ما زال يفشل، ويشك في نفسه، ويفقد من يحب، ويرتكب أخطاء مؤلمة. وعلى خلاف كثير من أبطال اليوم، فإنّ انتصاراته لا تمحو نقاط ضعفه. وصحيح أنّ الجمهور يملّ من تضخم السلاسل السينمائية ومن تصاعد الاستعراض البصري، لكنّه لا يزال ينجذب إلى القصص التي تتناول أشخاصاً عاديين يحاولون، بكلّ ما في محاولاتهم من نقص، أن يفعلوا الصواب.
نبض