الحبّ والخيانة شرقًا وغربًا

الحبّ والخيانة شرقًا وغربًا
غلاف الكتاب.
Smaller Bigger

إنّ كتابة القصّة ليست مجرّد حالة شعوريّة، بل هي حالة لغوية إنسانيّة، بحيث تحمل ما هو أبعد من الكلام. فقد تبدو قصّة "فصول في الحبّ" لرنا علم حالة مشاعة في عالم القصص، لكنها جاءت حالة خاصّة، فالكاتبة كتبت لغة القلب ولم تكتب لغة العقل.

قصّة "فصول في الحبّ"، شكّلت رعب الخيانة، وارتسم ذلك الأنين في الروح المخدوعة وجعًا غذّته الحرب، وخلّفه انفجار الرابع من آب، كما رفدته الهجرة من الوطن الجريح إلى الغربة بألم الهجران.

ككلّ الحقبات التاريخيّة المأساويّة التي مرّ بها المجتمع اللبنانيّ، ووثّقها الأدب، أنتجت حقبتنا المرّة هذه قصة لرنا علم من طراز سرديّات أدباء كتبوا في الحرب اللبنانيّة، لكن جغرافية قصتها تخطّت خارطة الوطن المعذّب إلى فرنسا وطن الفكر والجمال.

القصّة من نوع الأدب الاجتماعي، تطرح فيها الكاتبة وجهًا من وجوه العلّة التي تفتك بالزواج. فاتّسمت ثيمة القصّة بالتوهّج في بدايتها والحزن العميق في نهايتها، فكانت لغتها حاملة للحدث الروائي في ظاهرها، لكنّها حبلى بالدلالات والترميز في باطنها. فقد رسمت الكاتبة شخوص قصّتها بدقّة فائقة، ورافقت قارئها حتى لحظة النهاية، رِفقة مشوبة بلجاجة سؤال: كيف تتأزّم الأمور خلف أبواب القلوب الموصدة؟

احالتنا الكاتبة على البوتقة التي تنغلق فيها الأنثى الشرقيّة، حتى ولو كانت تعيش في الغرب -فرنسا-. وقد اعتنت بتصوير هذه الأنثى التي يسكنها الفرح في صيرورتها امرأة وحبيبة، ويعصرها الألم كونها لم تستطع أن تكون أمًّا. وفي المقابل صوّرت الذكر رجلا سيطر عليه التوتر والالتفاف على حياته مع زوجته، في رحلة البحث عن تحقيق أبوته من خارج مؤسسة الزواج، بسبب مرض زوجته الذي أدى إلى استحالة حملها.

 تسلّط  القصّة الضوء على أنموذج للرجل الشرقي الذي ينخرط بسهولة في المجتمع الغربي، من دون أن يتخلّى عن تناقضاته، في مقابل أنموذج للمرأة الشرقيّة وهي قارئة وكاتبة وقد ظلّ الوفاء جزءًا من تكوينها، على الرغم من عيشتها معه في نفس المجتمع البعيد عن الشرق. فنهاية القصّة المأساويّة، وثّقت انتحار هذه الأنثى، وكان هذا التوثيق إدانة صريحة، تنمّ عن عدم الرضوخ للأمر الواقع، رافضة خيانة زوجها. هنا في هذه القصّة وضعتنا الكاتبة أمام وضعٍ مهيمن على الأدب الاجتماعي، وأحالتنا إلى واقع أصبح فيه هذا السلوك قاعدةً وليس استثناءً، يدقّ فيه ناقوس الخطر المتكالب على مؤسسة الزواج القائمة على ثنائي (زوج وزوجة)، كما تقوم على الحبّ والعهد أمام الله بقبول الآخر، حتى ولو ظهر عليه المرض. فهل أنّ أدب رنا علم هو تبشير بهويّة جديدة لأنثى لا تغلق قلبها، وتبقى متصالحة مع روحها التي يشنقها الاخلاص  بحبل الخداع، ولا ترضخ للخيانة؟

حاولت رنا علم امساك شيء لا يمكن التقاطه، فقد عرّفت الحبّ كدمع وندى لعشّاق يلبسون رداء أحلامهم على منى الأمل، غافلين عن مغادرتهم أرض العشق بعد الارتباط، فكيف يكون الحبّ حاضرًا في حضرة الخيانة؟: "لأنّ الحبّ، في نهاية المطاف، ليس ما نحصل عليه، بل ما نصبح عليه، بعد أن يحدث" (صفحة 12)

أعطت علم لونًا زاهيًا للسعادة، عندما غدت في متن علاقة المحبّين أيقونة الزهر عند الفجر: "أمضيا ساعات بعد الظهر يستريحان في الحديقة في الجامعة والسّعادة تغمرهما بألوانها الزهريّة." (صفحة 25). وإذا كان هناك ألوانٌ للحسرة والندم، فإننا نشاهدها على صفحات الكتاب بلون النار التي تمور في دواخل الخائن، ولا تستطيع جلاء التجربة المرّة عندما لم يحمل الزوج قنديل الحياء: "تركت له حروفها عن الحبّ في عالم من لونين مختلفين عنه، حيث كان كلّ منعطفٍ يُفرّق بين قلبين جمعهما زبد الحب في بيروت." (صفحة 173)

عند نهاية قراءة قصّة رنا علم "فصول في الحبّ"، يحضرنا قول الأديب المصري أنيس منصور: "الحبّ عند الرجال مرضٌ خطيرٌ، وعند المرأة فضيلة كبرى".

الأكثر قراءة

كتاب النهار 7/31/2026 5:26:00 PM
حملة الدايخ ليست أخلاقية، ومنع الإيجار عنه ربما قرار صائب لأنه ظهر في قلة أخلاق وفي مذهبية حاقدة.
أوروبا 7/30/2026 11:41:00 PM
منطقة شنغن هي فضاء يضم 29 دولة أوروبية ألغت رسمياً إجراءات المراقبة على حدودها المشتركة.
أوروبا 7/31/2026 11:38:00 AM
أعادت أزمة سبتة ملف الهجرة إلى صدارة الجدل الأوروبي، بعدما أدى تدفق آلاف المهاجرين إلى خلافات ديبلوماسية وتحركات أمنية وتساؤلات بشأن دور المغرب.
لبنان 7/31/2026 2:17:00 PM
ليس خافياً أن الدعم الأوروبي للمشروع يرتبط بتشجيع تعزيز الرقابة على الحدود والحد من عمليات تهريب السلاح والممنوعات والعبور غير الشرعي.