أغنية السعادة معرض راوول دوفي في النورماندي
تحت عنوان "أغنية السعادة"، دشن مركز الفرنسيسكان الثقافي في مدينة دوفيل البحرية في منطقة النورماندي موسم الصيف بمعرض كبير مخصص للفنان الفرنسي راوول دوفي (1877-1853) أحد رواد الحداثة ومن كبار فناني النصف الأول من القرن العشرين، في إطار التعاون بين متحف الفن الحديث في مركز بومبيدو الثقافي في باريس ومركز الفرنسيسكان.
يملك المتحف مجموعة نادرة من أعمال دوفي يشرف عليها الباحث الفرنسي كريستيان بريند، وهو تولى أيضا الاشراف على معرض الفرنسيسكان فجاء شاملا مبينا موهبة الفنان الاستثنائية وإمساكه بأدواته التشكيلية سواء في الرسم أو في التلوين. يضم المعرض نحو مئة عمل فني موزعة بين اللوحات الزيتية والرسوم التخطيطية والمحفورات فضلا عن المنسوجات والقطع الخزفية.

لم يأت اختيار مركز الفرنسيسكان لراوول دوفي بالمصادفة لموسم الصيف. فالفنان المولود في منطقة النورماندي كان من محبي المدينة التي شكلت منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر نقطة جذب للكثير من الكتاب والفنانين والمصورين الفوتوغرافيين. فرضت نفسها كمصيف أنيق بسبب قربها من باريس ونشاطاتها الدائمة التي جعلت منها مدينة نابضة بالحياة تستقبل السياح من مختلف أنحاء العالم كما تحتفي بالرياضة والثقافة ومنها السينما، فيقام فيها كل عام مهرجان مخصص للسينما الأميركية.
راوول دوفي من الفنانين الذين عشقوا المدينة فرسم البحر والريح وهي تعبث بالمظلات على الشاطئ كما رسم سباق الخيل وحركة الزوار أثناء مرورهم بالمدينة. نشاهد في المعرض لوحات متنوعة تعكس مشاهداته، منها لوحة "ساحة سباق الخيل في دوفيل" عام 1928 وهي من مجموعة متحف مركز بومبيدو ويطغى عليها الأخضر على خلفية بيوت المدينة، بينما يظهر الفرسان على أحصنتهم مع المشاة.

من عالم سباق الخيل الى البحر والصيادين. تتنوع الرؤية وتعكس كيف نهل الفنان من تيارات الحداثة في عصره، كما في لوحة تعود الى مطلع القرن العشرين نشاهد فيها المصطافين على الشاطئ الرملي الى جانب خيامهم البيضاء المنصوبة لتحميهم من الشمس. لوحة رائعة بتنظيمها الهندسي بين الخطوط الأفقية والعمودية، وتؤكد تأثر الفنان بالأسلوب الانطباعي في سعيه لتجسيد انعكاسات الضوء على عناصر الطبيعة والبشر.
أهمية المعرض أنه يختزل جميع المراحل التي قطعها الفنان وكيف استوحى من عناصر الطبيعة والبشر ومظاهر الحياة الحديثة بأسلوب حر وجريء قائم على الحركة والحيوية، بحيث يشعر المشاهد أنه أمام مسرح مفتوح حيث انعكاسات الضوء والظلال والألوان المبهرة.

عايش دوفي الحربين العالميتين لكنه ابتعد تماما عن مآسيهما مؤمنا بالقيم الجمالية وحب الحياة بالمعنى الإيجابي للكلمة. من هنا اختيار منظمي المعرض عبارة "أغنية السعادة" كعنوان لهذه التظاهرة الكبيرة. فقد كان على اقتناع بأن لا حدود تفصل بين الفنون وبأن الفنان المبدع قادر أن يحقق طموحاته خارج المفهوم الضيق للوحة. ولهذا انفتح على التقنيات والفنون الأخرى كالسيراميك ونحت الخشب والحفر وفن النسيج والموضة والموسيقى. فنان غزير الإنتاج ومتعدد الأداء، ألغى الحدود بين ما يعرف بالفنون الجميلة والفنون الزخرفية. مثقف في تاريخ الفنون، عرف كيف ينهل من تيارات الحداثة ومنها الانطباعية والوحشية والتكعيبية، كما تجلت في لوحاته التي رسم فيها السابحين والسابحات حيث طغت الألوان الحادة والخالصة وكانت بمثابة كلمات تتشكل بها لغة الفن التشكيلي بحسب قوله.
مع معرض "أغنية السعادة لراوول دوفي" يؤكد مركز الفرنسيسكان الثقافي من جديد، نجاحه في فرض نفسه على الصعيدين الفرنسي والعالمي، بعد 6 سنوات على افتتاحه.
نبض