"يوم الكشف" لسبيلبرغ: لسنا وحدنا في هذا الكون!
لا يزال ستيفن سبيلبرغ قادراً على الإدهاش والمفاجأة، وإشعال المخيّلة، وإشهار الأسئلة، واستفزاز العقول النائمة، وزرع الشكوك في المسلّمات. في "يوم الكشف" الذي لم يُعرض في لبنان خلافاً لكلّ الدول العربية، يوقّع فيلماً سبيلبرغياً: عملاً مخرِّباً يغرس سكينه في جسد السينما الأميركية، ويعيد الاعتبار إلى الإنسان حتى وهو يكشف أكثر جوانبه ظلمةً. إنه، في مفارقة لافتة، أشبه بـ"بلوكباستر حميمي".
بعدما عاد في "آل فايبلمان" إلى سيرته الذاتية، يستأنف في جديده انشغاله بعوالم الخيال العلمي، ذلك الحقل الذي ترك عليه بصمة يستحيل محوها. غير أن الخيال العلمي هنا لم يعد هو نفسه الذي عرفناه في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، حين أنجز أبرز روائعه. فهو يأخذ في الحسبان ما أصبحنا نعرفه اليوم، وما لا نزال نجهله، في عالم تبدّل جذرياً، وفي ضوء ما كان يمكن أن يصير إليه.
يقف الفيلم في منطقة وسطى بين أعمال سبيلبرغ الأكثر جديةً وأفلامه الجماهيرية، مستعيداً أحد أبسط مبادئ السينما الأميركية: وضع أشخاص عاديين في ظروف استثنائية، ثم ترك الحدث يتكفّل تغيير مصائرهم.
ينسج سبيلبرغ، مستنداً إلى سيناريو لديفيد كويب، وتصوير مديره الأثير يانوش كامينسكي، وموسيقى التسعيني جون وليامز، حكايتين تبدوان، للوهلة الأولى، بلا رابط. نتعرّف إلى مارغريت فيرتشايلد (إيميلي بلانت)، خبيرة الأرصاد الجوية في مدينة كانساس، قبل أن ينتقل السرد إلى دانيال كيلنر (جوش أوكونور)، المتخصص في الأمن السيبرياني. يكتشف الأخير أن الشركة التي يعمل فيها تتولّى، منذ عقود، حفظ أرشيفات سرية توثّق لقاءات الحكومات الأميركية بزوار من خارج الأرض، في عملية تكتّم تمتد لثمانين عاماً. مدفوعاً بفضوله، يقدم دانيال، بعيداً من الأنظار، على نسخ هذه الملفات، ليكتشف أن الكائنات الفضائية لم تصل حديثاً، كما يظن العالم، بل زارت الأرض مراراً، وعدداً منها وقع في الأسر.
تكتشف الشركة عملية التسريب، فيشنّ مديرها (كولين فرث) حملة مطاردة واسعة لدانيال. سبيلبرغ لن يرسم هذه الشخصية في هيئة الشرير النمطي. فالمدير مقتنع بأن كشف الحقيقة لن يقود إلى التحرر، ولكن إلى ارتباك ديني، وزلزال سياسي، وربما حروب. ومن هذا المنطلق، تبدو الكذبة، في نظره، الوسيلة الأوحد لحماية البشرية من نفسها.

في المقابل، يجد دانيال حليفاً غير متوقّع في أحد كبار المسؤولين السابقين في الشركة (كولمان دومينغو)، الذي قرر الانشقاق عن المؤسسة. بالنسبة له، الحقيقة ليست ملكاً للحكومات، ولا حقّاً حصرياً لأجهزة الاستخبارات. انه إرث يخصّ البشرية جمعاء.
رغم اقترابه من الثمانين، لا يزال سبيلبرغ يحتفظ بقلب طفل، بإيمانه العنيد بأن للحياة وجوهاً أخرى غير تلك التي نعرفها ونعيشها. والفيلم، في أحد مستوياته الأساسية، ليس سوى مواجهة بين العقل والعاطفة، بين الخوف والفضول، وهذا هو الخط الفاصل الذي لطالما وقف عليه مشروعه السينمائي.
منذ اللحظة التي يتقاطع فيها مصير دانيال ومارغريت، يصبح الفيلم تأمّلاً في معنى التواصل. فالنصف الثاني بأكمله يقوم على اكتشاف: لقد أمضى البشر عقوداً وهم يسيئون فهم رسالة سلام جاءت من الخارج، معتبرين اليد الممدودة تهديداً مقنّعاً أو مقدمة لغزو وشيك. وماذا لو كانت الفكرة بهذه البساطة؟ ماذا لو أن الكون، طوال هذا الوقت، لم يكن يحاول غزونا، بل التحدّث إلينا؟ سؤال يطرحه سبيلبرغ من دون يقين، لكنه يتركه معلّقاً في أذهاننا، قبل أن نمضي، نحن أيضاً، إلى تفاصيل حياتنا اليومية.
"يوم الكشف" هو أكثر أفلام سبيلبرغ احتواءً على التناقضات: الحلو والمر، الترفيه والتفكير، اليأس والأمل، المعلوم والمجهول. فيلم يجمع كلّ هذه الثنائيات من دون أن يفضّل إحداها على الأخرى، وكأنه خلاصة سينمائية لمسيرة امتدت أكثر من نصف قرن.
في النهاية، تنتهي كلّ هذه الرحلة بكلمة واحدة: "أنصتوا". ثم تنطفئ الشاشة على السواد. لا سبيلبرغ يعرف ما يأتي بعد ذلك، ولا نحن. يرفض أن يكشف بقية الرسالة، لأن هذه الكلمة وحدها تكفي لتكون قلب الفيلم: لنتوقّف، ولو للحظة، عن الخوف من المجهول. ولنمنح أنفسنا فرصة الإصغاء إلى ما يهمس به الكون، بدلاً من أن نستقبله دائماً بالارتياب والعداء.
حتى قبل وصول "يوم الكشف" إلى الصالات، أحاط بالفيلم قدر من الهالة، بفعل تزامنه مع عودة ظاهرة الأجسام الطائرة المجهولة إلى واجهة النقاش العام في الولايات المتحدة، بعد سنوات من التقارير العسكرية والرسمية التي أعادت طرح السؤال حول وجود ظواهر جوية لا تزال عصية على التفسير. وقد دفع هذا التزامن كثيرين إلى التساؤل عمّا إذا كان فيلم سبيلبرغ يأتي في لحظة ثقافية وسياسية تمهّد لما يُعرف بـ"الكشف"، أي الإعلان الرسمي لحقيقة وجود حياة خارج الأرض.
غير أن الفيلم لا يتصرف باعتباره بياناً سياسياً، ولا امتداداً لرواية حكومية، بل يستخدم الخيال العلمي لطرح سؤال فلسفي: كيف سيتعامل الإنسان مع حقيقة تقوّض الصورة التي كوّنها عن نفسه وعن موقعه في الكون؟ ماذا سيحدث لرؤيتنا للعالم إذا اكتشفنا أننا لسنا وحدنا؟ وهل ستظلّ الأديان الإبراهيمية قادرة على الحفاظ على تصوّرها التقليدي لمركزية الإنسان، أم ستجد نفسها مدعوة إلى إعادة تأويل علاقتها بكون يعجّ بأشكال أخرى من الحياة؟
لكن سبيلبرغ لا يشنّ هجوماً على الأديان، ولا يسعى إلى تفنيدها، وإنما يركّز على اللحظة التي تتحوّل فيها الحقيقة السرية إلى معرفة عامة، وما قد يرافقها من صدمة نفسية وحضارية، حين تنهار الحدود التي رسمها الإنسان بين المعروف والمجهول. صحيح أن الفيلم لا يستغرق في مناقشة هذه الإشكاليات، لكنه يفتح باباً واسعاً للتساؤل، ولا سيما في ما يتعلّق بالأديان التوحيدية وقدرتها على استيعاب احتمال وجود حضارات أخرى في الكون. ففي الفيلم، تخشى بعض الشخصيات أن يؤدّي إعلان وجود كائنات خارج الأرض إلى زعزعة الإيمان الديني، فيما يرى آخرون، ومن بينهم راهبة، وعلى نحو يثير المفاجأة، أن الأمر قد يكون على العكس تماماً: فإذا كان الله خالق الكون، فلماذا يكون قد خلق الأرض وحدها؟

يرفض سبيلبرغ الانحياز إلى أي من الموقفين. فلا يقدّم الفيلم أطروحة لاهوتية، ولا يدعو إلى تقويض الإيمان، ملمّحاً إلى أن اكتشافاً بهذا الحجم قد يدفع التقاليد الدينية إلى إعادة قراءة بعض تفسيراتها. غير أنه يبدو أكثر هدوءاً وتعقيداً من هذا الطرح. فمنذ "لقاءات قريبة من النوع الثالث" وصولاً إلى "إي. تي."، ظلّ الانبهار بالمجهول يتغلّب، في عالمه السينمائي، على الخوف منه. فالكائنات القادمة من الفضاء ليست غزاة بالضرورة، وإنما فرصة لتوسيع أفق الإنسان.
هل يمكن اعتبار "يوم الكشف" فيلماً عن عالم يستعد تدريجاً لمرحلة ما بعد الدين بدعم تكنولوجي رهيب؟ ربما. فالفيلم يتّسع لمثل هذه القراءة، كما يتّسع لغيرها. وسبيلبرغ، كعادته، لا يقدّم أجوبة سهلة، ناسجاً الغموض على مستويات متعدّدة، مدركاً أن الشكّ هو الحالة الأكثر صدقاً أمام اتساع الكون، وأن الإنسان، كلّما ازداد معرفةً، أدرك حجم ما يجهله.
يمارس سبيلبرغ قدراً من "الخداع السردي"، بحيث قد يشعر المُشاهد الذي ينتظر فيلماً تقليدياً عن كائنات فضائية بشيء من الارتباك. وكحال الأعمال الكبرى، سرعان ما يتحوّل الحديث عن "الآخر" إلى حديث عن الذات. في الواقع، لا يبدو أن سبيلبرغ مهتم بإثبات وجود حياة خارج الأرض أو نفيها، بقدر اهتمامه بطرح سؤال آخر: هل مجتمع منظّم، يفاخر بعقلانيته واستعداده لكلّ الاحتمالات، قادر حقّاً على تقبّل "الغريب"؟ وهكذا، يتحوّل السر الذي تخفيه الدولة إلى استعارة لعلاقتنا المعاصرة بالحقيقة نفسها: بالمعلومة، والشفافية، والتلاعب، واحتكار المعرفة. ومن هذه الزاوية، يكتسب الفيلم نبرة سياسية واضحة.
العبارة التي يقولها دانيال "لن تصدّقني إذا أخبرتك، فدعني أريك"، تختصر منهج سبيلبرغ السينمائي بأكمله. في عالمه، يمرّ الإيمان غالباً عبر الرؤية، والدليل، والتجربة الحسية. سبيلبرغ ليس مخرجاً يبني نصوصه على التجريد الخالص، واضعاً شخصياته، ومعها المتفرج، أمام شيء يمكن رؤيته ولمسه واختباره. لا يطلب منّا أن نؤمن بفكرة لأنها قيلت، ولكن لأنها تحوّلت إلى تجربة بصرية ومعيشة. وهكذا، يصبح الكائن الفضائي، أو المعجزة، أو الخطر، أو حتى الدهشة أمام المجهول، "حدثاً" محسوساً يسبق الفهم العقلي. ولذلك يبدأ التحوّل، في معظم أفلام سبيلبرغ، من لحظة الرؤية: لحظة مواجهة ما يتجاوز حدود التصديق، لكنه يغدو حقيقة لأنه انكشف أمام العين.
قلّة من المخرجين يؤمنون، مثل سبيلبرغ، بسلطة الصورة وقدرتها على إعادة تشكيل نظرتنا إلى الكون. وحتى في أكثر أفلامه امتلاءً بالحركة والإيقاع المتسارع، يجد دائماً فسحة للتأمّل: طائر يحط على طاولة، غزال يعبر الكادر، أو عين كائن فضائي تحدّق في الإنسان. فحيث يندفع كثيرون إلى تضخيم الحدث بالعنف، يتوقّف سبيلبرغ عند لحظة الدهشة، الأساسية في أفلامه.
في طبيعة الحال، ليس "يوم الكشف" فيلماً كاملاً. ويمكن مؤاخذة سبيلبرغ، لا على الصنعة التي لا تزال تبلغ مستوى رائعاً، وإنما على بعض مظاهر الاستسهال الدرامي، حين يفضّل، في لحظات محدّدة، أن يمرر أفكاره عبر الحوار المباشر بدل أن يترك الصورة تقوم بالمهمّة. يحضر هذا، مثلاً، في المشهد الذي يجمع بين راهبة سابقة وأخرى لا تزال في الرهبنة، حيث تبدو بعض الاستنتاجات جاهزة أكثر ممّا ينبغي. غير أن هذه المآخذ تبقى هامشية إذا ما قيست بالثراء الفكري والوجداني الذي يقدّمه الفيلم.
سبيلبرغ، الذي ينجز الأفلام مذ كان مراهقاً، يعود بفيلم يحمل نبرة الوصية، مستعيداً القضايا التي شكّلت جوهر مشروعه السينمائي: الطفولة، الدهشة، العائلة، الخوف من المجهول، لكنه لا يكررها، اذ يعيد اكتشافها بعين رجل لم يفقد فضوله، ولا تعطّشه إلى المعرفة.
حتى صورة الأب، ذلك الشبح الذي ظلّ يرافق سينماه منذ بداياتها، تعود هنا، كما يعود القطار، ذلك الرمز المؤسّس الذي سكن مخيلته مذ شاهده طفلاً في أحد أفلام سيسيل ب. دوميل. كلاهما يطلّ، بطريقة أو بأخرى، ليربط مراحل المسيرة، ويذكّر بأن سبيلبرغ، مهما ابتعد، يعود دائماً إلى المنابع الأولى التي أنتجت خياله.
ومن موقع مخرج راكم، على مدى أكثر من 60 عاماً، أسئلة لا تنتهي عن الإنسان ومكانه في العالم، يعود سبيلبرغ، بعدما واجه الفضاء، والديناصورات، والحروب، والذاكرة، والتاريخ، ليطرح السؤال نفسه من جديد: مَن نحن، في كون يذكّرنا بجهلنا؟
الأكثر قراءة
إذا سلّم "حزب الله" سلاحه للدولة من خلال تفاهم داخلي، فإن ذلك لا ينتقص من وزن الشيعة، وهو يدرك أن السلاح من دون استقرار للناس في أرضهم لا قيمة له
نبض