رحيل هاني شنودة يعمّق الخسارات... من يحمل إرث الموسيقى التصويرية في مصر؟

ثقافة 28-07-2026 | 08:28

رحيل هاني شنودة يعمّق الخسارات... من يحمل إرث الموسيقى التصويرية في مصر؟

الموسيقى التصويرية المصرية تعاني مع رحيل هاني شنودة جمال سلامة وعمار الشريعي وندرة أعمال عمر خيرت.

رحيل هاني شنودة يعمّق الخسارات... من يحمل إرث الموسيقى التصويرية في مصر؟
الموسيقار هاني شنودة.
Smaller Bigger

يشكّل رحيل الملحن والموزع الموسيقي المصري هاني شنودة (نيسان/أبريل 1943- تموز/يوليو 2026) خسارة حقيقية للأنغام المتفردة، وللموسيقى التصويرية على نحو خاص، بصفته واحداً من أبرز المطوّرين والمجددين في هذا اللون التعبيري، في مرحلة ما بعد الرواد المؤسسين.

بِتَرَجُّل شنودة عن دنيانا، يغيب أحد أضلاع الموسيقى التصويرية في الدراما المصرية، السينمائية والتليفزونية، بعد فقدان ضلعين أساسيين في وقت سابق هما: جمال سلامة (1945-2021)، وعمار الشريعي (1948-2012)، وندرة أعمال الضلع الرابع عمر خيرت (1948) في الوقت الحالي. 
ويمثّل هؤلاء الرموز الأربعة، باختلاف أساليبهم وملامحهم الفنية، التيارات الأكثر حضوراً وتأثيراً في حركة تطوير الموسيقى التصويرية المصرية الخالصة الناضجة خلال العقود الماضية. يأتي ذلك بعد جهود الطليعيين الأوائل في هذا المجال، وعلى رأسهم: المصري اليوناني أندريا رايدر (1908-1971)، وفؤاد الظاهري (1916-1988)، وعلي إسماعيل (1922-1974)، الذين وضعوا الموسيقى التصويرية لمئات الأفلام السينمائية، مَازِجين بين جماليات الموسيقى العربية والغربية، وَمُوازِنين بين التوزيع الآلاتي التقليدي، والتوزيع الأوركسترالي المتفوق.

تنوع المسارات

في جهودهم لترسيخ الموسيقى التصويرية المصرية، المصاحبة للأعمال السينمائية والتليفزيونية والمسرحية والإذاعية، تتنوع مسارات أيقونات التجديد الأربعة؛ شنودة وسلامة والشريعي وخيرت، بما يعكس ثراء الرؤى وخصوبتها في تجاربهم، وفرادة كل قطب منهم في تصوراته عن الموسيقى الدرامية، وصيغها ومعالجاتها، وتعدد أدوارها بين نقل الأحاسيس العميقة، ورسم الشخصيات، وخدمة الحبكة، ودعم تصاعد الأحداث، وبلورة المعاني الضمنية للفن الدرامي.

 

جمال سلامة.
جمال سلامة.

 

وبمقارنة مبسّطة بين رموز التطوير الموسيقي الدرامي الأربعة، فإن جمال سلامة هو الأغزر إنتاجاً، والأكثر قدرة معرفية ومدرسية على ترجمة التشخيص التمثيلي والمشاهد الدرامية إلى أداء تعبيري موسيقي يوازي الأحداث ويتماهى معها تماماً على طول الخط. وتعد موسيقى سلامة، الحاصل على أعلى مؤهل للتخصص في كونسرفتوار تشايكوفسكي في موسكو،  بمثابة صور متحركة تخاطب الحواس كلها وليست الآذان فقط، وتتميز موسيقاه التصويرية بالوعي الأكاديمي والبناء الأوركسترالي الفخم، بما لا يتعارض مع نزعتها الوجدانية وحفرها في الضمير الإنساني الحي. ويتجسد ذلك بوضوح في مسلسلات "الحب وأشياء أخرى"، و"هي والمستحيل"، و"ذئاب الجبل"، وأفلام "أريد حلّاً"، و"أفواه وأرانب"، و"حبيبي دائماً"، و"أنا لا أكذب ولكني أتجمل"، و"النمر الأسود"، وغيرها.

ويعد عمار الشريعي الأكثر شجناً وانغماساً في الروح الشعبية والذائقة الشرقية على مستوى الألحان والتوزيعات وانتقاء الآلات بعناية، كالوتريات والنايات، مع تطوير تقنيات الآلات الغربية مثل الأورج لتقدم المقامات الشرقية و"الربع تون" دون أن تفقد هويتها. ويجيد الشريعي في موسيقاه التصويرية القراءة السيكولوجية للشخوص والنص الدرامي المكتوب والمسكوت عنه أيضاً، ليترجمه إلى نغمات تبرز الصراعات النفسية المتنامية، وتحولات الأحداث. وتبلغ النغمات والتترات الموسيقية على يديه قيمة كبرى، كما في أفلام "الجلسة سرية"، و"البريء"، و"كتيبة الإعدام"، ومسلسلات "أرابيسك"، و"أميرة في عابدين"، و"حديث الصباح والمساء"، و"امرأة من زمن الحب"، و"أبو العلا البشري"، و"دموع في عيون وقحة"، و"رأفت الهجان"، ومسرحيات "الواد سيد الشغال"، و"علشان خاطر عيونك"، و"إنها حقاً عائلة محترمة"، وغيرها.

 

عمار الشريعي.
عمار الشريعي.

 

أما عمر خيرت، فهو الأكثر حرصاً على تأليف مقطوعات موسيقية مكتملة، وسيمفونيات مستقلة بذاتها، تترك علامة لدى المتلقي حال مصاحبتها للأعمال الدرامية، وذلك بغض النظر عن ارتباطها الوثيق بالأحداث الدرامية وطبيعة العمل، أو سيرها في مسالك موسيقية منفردة. وتتمتع هذه المؤلفات الموسيقية الدسمة بالهارموني الكلاسيكي والتوزيع الأوركسترالي العالمي، لتكون الموسيقى التصويرية بطلاً مستقلاً خارج أسوار العمل الدرامي، كما في أفلام "قضية عم أحمد"، و"اليوم السادس"، و"إعدام ميت"، و"خلي بالك من عقلك"، و"سكوت هنصور"، و"زهايمر"، و"الرهينة"، و"مافيا"، ومسلسلات "البخيل وأنا"، و"ضمير أبلة حكمت"، و"غوايش"، و"ليلة القبض على فاطمة"، ومسرحيتي "كارمن"، و"كعب عالي"، وغيرها.

فيلسوف الحالة

يعتبر الموسيقار هاني شنودة الأكثر رقة ورهافة وعذوبة بين أساطين الموسيقى التصويرية، لأنه الأكثر قدرة على "فلسفة الحالة" وتفكيكها، بمعنى بلوغ "ماهية" المشاعر والعلاقات في المواقف الدرامية التي يصاحبها بموسيقاه. 

 

عمر خيرت.
عمر خيرت.

 

ويأتي بلوغ "الجوهر" عند شنودة في مرتبة أهم من اعتماد تقنيات متقدمة وإدخال آلات حديثة، كما في أفلام "المشبوه"، و"الغول"، و"غريب في بيتي"، و"شمس الزناتي"، و"عصابة حمادة وتوتو"، ومسلسل "عائلة الأستاذ شلش"، على سبيل المثال. ولكنه، في الوقت نفسه، يُعزى إليه الإسهام اللافت في استعمال الآلات الإلكترونية والكيبورد، وتفجير الجمل الموسيقية القصيرة والمكثفة، والإيقاعات السريعة، التي تناسب ديناميكية الصورة، إضافة إلى استعماله الواسع للهارموني، للخلاص من أحادية الصوت، وتغذية الألحان بالأصوات المتنوعة، والتفاعل مع موسيقى الروك والجاز دون أن يُفقد لغته نكهتها المصرية، محققاً معادلة صعبة بالجمع بين الحداثة والأصالة والدفء الإنساني.

إن التجديد لدى شنودة ينبع في الأساس من الموهبة الخام، والحس الموسيقي المرهف الموجود بذاته، قبل أن يكون نتيجة لتحصيل معرفي عميق وتسلّح أكاديمي بالدراسة في المعهد العالي للموسيقى "الكونسرفتوار". ويهدف التطوير لديه إلى إيجاد هوية موسيقية مغايرة، خارج القوالب الموروثة، والأطر المحددة سلفاً للتعبير الموسيقي، خصوصاً في ما يخص الموسيقى التصويرية، المقترنة بالضرورة بالحالات الدرامية التي تصاحبها لحظيّاً عند العرض. 

ويمتلك شنودة حساسية استثنائية في التقاط الانفعالات الإنسانية الدقيقة، ولذلك لا يميل إلى المبالغة في التعبير، ولا يعتمد على الضجيج الأوركسترالي لإثارة المتلقي، وإنما يفضل دائماً الجملة الموسيقية الحيوية السلسة، التي تتسلل إلى الوجدان، قبل أن يلاحظها الإدراك. 

وهكذا، يعكس غياب شنودة، بعد رفيقيه الشريعي وسلامة، وندرة أعمال خيرت في الآونة الأخيرة، أزمة فعلية في منحنى تفوق الموسيقى التصويرية في الدراما المصرية. فعلى رغم اجتهادات ملحّنين وموزّعين آخرين، مُجايلين ولاحقين، في هذا المجال، منهم راجح داود، وهشام نزيه، وياسر عبد الرحمن، وهاني مهنا، وغيرهم، فإن الفراغ الذي تركه الأضلاع الأربعة يصعب ملؤه أو تعويضه بسهولة، فهم ليسوا مجرد مؤلفين للموسيقى التصويرية، بل مدارس مستقلة في فهم العلاقة بين الموسيقى والدراما. 

من جهة أخرى، فإن الإنتاج الدرامي نفسه صار أكثر اعتماداً خلال السنوات الأخيرة على المؤثرات الصوتية الجاهزة، الأمر الذي يجعل الموسيقى في أعمال كثيرة وسيلة لشغل الفراغ السمعي أكثر من كونها شريكاً دراميّاً، مؤثراً، وفعّالاً، وخلّاقاً.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 7/27/2026 9:39:00 AM
ممثل موزعي المحروقات فادي أبو شقرا يوضح لـ"النهار"
أوروبا 7/26/2026 2:17:00 PM
أصدرت الشرطة مواصفات للمشتبه به، مشيرة إلى أنه نحيف البنية، يبلغ طوله نحو 1.90 متر، ذو شعر أسود، وكان يرتدي سترة سوداء بغطاء للرأس (هودي) وسروالاً أبيض.
لبنان 7/27/2026 11:00:00 AM
ما الذي يجعل نشاط حركة "عوري تسافون" التي تعني "استيقظ أيها الشمال"، غير قادرة على أخذ موافقة الحكومة الإسرائيلية والقوى العسكرية للدخول إلى جنوب لبنان أو الاستيطان؟