زياد الرحباني... سنةُ الغياب وعمرُ الحضور
كلّ ما يُكتب عنه، مهما بلغ من البلاغة، سيبقى أقلّ من عبقريته.
مرّت سنة على رحيل زياد الرحباني. الغياب تفصيل ضئيل أمام حضوره. كأنّ الموت، حين بلغه، لم يجد ما يأخذه منه؛ إذ كان قد وزّع نفسه في اللحن والكلمة والموقف، وترك في كلّ واحد منها ما يكفي ليقيم بيننا طويلاً.
سنةٌ مرّت، وبقي العقل القلِق الذي لم يطمئنّ إلى جواب، وتلك السخرية التي تشقّ الكلام نصفين، نصفاً نضحك له، ونصفاً يفضح هشاشتنا.
ليس سهلاً أن نكتب عنه من غير أن نظلمه. لن نفيه حقّه مهما كتبنا. فكلّ ما يُكتب عنه، مهما بلغ من البلاغة، سيبقى أقلّ من عبقريته، لأنّ العبقرية، بطبيعتها، لا تُشرح.
ماذا نكتب عنه بعد سنة إذاً؟
كان زياد قطيعةً وابتداءً؛ حداً فاصلاً بين ما سبقه وما أعقبه. دخل الموسيقى من أبوابها كلّها، ثم خرج منها إلى بابٍ صنعه بنفسه. أخذ من الشرق سرّه، ومن الجاز حريته، ومن المدينة ضجيجها، ومن الناس تعبهم، وصهر ذلك كلّه في لغةٍ جديدة، ثم صارت بعده درساً ومطمعاً.

غير أنّ زياد لا يُقلَّد. يمكن استعارة نبرته، ويمكن تقليد سكونه، لكنّ العبقرية ليست وصفةً قابلةً للاستنساخ. إنها تلك اللحظة التي يسبق فيها صاحبها الجميع، ثم يتركهم يسيرون طويلاً في أثره. وكلّ من بدا شبيهاً بزياد لم يكن سوى شاهدٍ جديد على فرادته.
كان في الكلمة موسيقياً، وفي الموسيقى كاتباً، وفي المسرح مؤرخاً سرياً لخرابنا. أرّخ الحروب بما فعلته في النفوس، لا بأسمائها، وكتب السياسة كما تتسرّب إلى البيوت، وإلى الحب، وإلى الرفيق ورفيقه، وإلى تفاصيل الناس الصغار الذين يدفعون دائماً ثمن أخطاء الكبار.
ماذا نكتب عنه بعد سنة إذاً؟ كيف نفيه حقّه؟ وبأي كلام؟ كلّ ما يُكتب عنه أقلّ منه، وكل مديحٍ له يضيق به. لأننا نكتب عن وجدانٍ صار جزءاً من اللغة التي نحبّ بها ونغضب ونتهكّم ونحزن. ربما مسؤوليتنا اليوم لا أن نرثيه، بل أن نحمي إرثه الذي هو جزء من الذاكرة الثقافية للبنان والعالم العربي. وهذا الإرث يستحق مشروعاً وطنياً حقيقياً للحفظ والتوثيق والصون، يضمن أرشفة أعماله الموسيقية والمسرحية والكتابية، وصيانتها، وحمايتها من السرقة الفكرية والتزوير والاستغلال، وإتاحتها للأجيال المقبلة بعيداً من الفوضى والعبث.
وهذه المسؤولية لا تنفصل عن مسؤولية أكبر: حماية الإرث الفني للسيدة فيروز، الذي يشكل مع إرث زياد إحدى أعظم الثروات الثقافية التي أنجبها لبنان. إن الحفاظ على هذا التراث واجب وطني، لأن الأمم التي لا تحمي ذاكرتها، تفقد تدريجياً قدرتها على حماية مستقبلها.
مرّت سنة على رحيل زياد، ومثلها ستمرّ سنوات؛ لكنّها لن تنجح في دفعه خطوةً واحدة نحو الغياب. ما زال هنا، أقرب من كثيرين يمشون بيننا.
رحل زياد، وبقي زياد. غيابه وسّع حضوره.
نبض