"ورق الكافور" لعبدالله العرفج: تراب الوطن أغلى من الذهب
في الأزمنة التي يضيق فيها الرزق، لا يغادر الإنسان أرضه لأنه توقف عن حبها، بل لأنه يريد أن يحفظ ما تبقى له فيها. يحمل البيت في ذاكرته، ورائحة الطين في ثيابه، وأسماء أحبته في قلبه، ثم يمضي إلى المجهول آملاً أن يعود قبل أن يتغير كل شيء. لكن الغياب لا يترك البيوت كما كانت، فالسنوات تعيد ترتيب المصائر، والشائعات قد تصبح أكثر قوة من الحقيقة، والإنسان قد يرجع حياً ليجد أن العالم سجله في عداد الموتى.
من هذه المفارقة تبني رواية "ورق الكافور" الصادرة جديثاً عن "دار نوفل/هاشيت أنطوان" للكاتب السعودي عبدالله العرفج عالمها. فهي ليست مجرد حكاية رجل خرج من نجد بحثاً عن الثروة، بل رواية عن الوفاء حين يُمتحن، وعن الهوية حين تتوزع بين الأرض الأولى وأمكنة الاغتراب، وعن الإنسان الذي ينجو من البحر والفقر ثم يضطر إلى إثبات أنه ما زال موجوداً.
رحلة تبدأ بالهجرة ولا تنتهي بالثروة
يغادر سَيْل بريدة في أربعينيات القرن العشرين مع ثمانية رجال، بعدما ضرب وباء الطاعون المنطقة واشتد الجوع. يذهب إلى الكويت، يعمل في البناء ثم يصبح غواصاً يبحث عن اللؤلؤ، قبل أن تقوده الرحلة إلى الهند، حيث ينجح في تجارة الأرز والشاي والتوابل. لكنه، كلما تضاعفت ثروته، ازداد شعوره بأن النجاح الذي لا ينتهي بالعودة نوع آخر من الخسارة.
لا يمثل السفر هنا انتقالاً جغرافياً فقط. نجد هي الأصل والذاكرة والقيم، والكويت فضاء المجازفة والتعلم، أما الهند فهي مكان الثروة والإغراء والاختبار. وفي كل محطة يلتقي سَيْل رجالاً أكبر منه سناً يقدمون له النصح والحماية، وكأن الرواية تستعيد صورة الأب الرمزي الذي يرافق المسافر حين يغيب الأب الحقيقي. لذلك لا يصنع البطل نجاحه منفرداً، بل داخل شبكة عربية من التكافل والحكمة والثقة.
ويبلغ الاغتراب معناه الأعمق في نصيحة أبي باسم له: "يا سيل، احزم أمتعتك وارحل قبل أن تأكلك السنون والأماكن الغريبة، فلا يبقى منك ولك إلا الذكريات. ولا تكن مثلنا شجيرات زُرعت في غير أرضها".

تختصر العبارة خوف الرواية من الغربة حين تتحول من مرحلة إلى مصير. فالهند تمنح سَيْلاً المال والخبرة، لكنها تهدده بأن يصبح عالقاً بين هويتين، "نصف هندي ونصف عربي". وقد تبدو هذه النظرة بعيدة عن التصورات المعاصرة التي ترى الهوية المركبة إثراء، لكنها تنسجم مع رجل خرج وفي ذهنه وعد واحد: أن يعود.
يتقاطع سَيْل هنا مع أبطال أدب الهجرة والعودة، ولا سيما مصطفى سعيد في "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، وإن اختلفت التجربتان. مصطفى سعيد يعود من أوروبا محملاً بانقسام داخلي مدمر، بينما يعود سَيْل متمسكاً بفكرة الانسجام مع جذوره. الأول جعل الغربة ساحة صراع مع الآخر، أما الثاني فيعاملها مدرسة للعمل لا بديلاً عن الوطن.
كيف يصبح الإنسان ميتاً وهو لا يزال حياً؟
تتمثل ذروة الرواية في الشائعة التي تعلن موت سَيْل بعد غرق سفينة لم يكن على متنها. يستغل أبو بشت الخبر، ويسعى إلى الزواج من زوجته العنود، بعدما يحاصر أهلها بالديون. وهنا يتحول الموت من واقعة بيولوجية إلى قرار اجتماعي وقانوني. فسَيْل حي، لكن الوثائق والناس يتعاملون معه بوصفه ميتاً، وعندما يعود لا يكفي أن يقف أمامهم بجسده: عليه أن يستعيد حكايته من الذين كتبوها بدلاً منه.

تستدعي هذه العودة "الأوديسة"، حيث يرجع أوديسيوس إلى إيثاكا ليجد الخاطبين حول زوجته بينيلوبي. لكن أوديسيوس يخفي هويته بإرادته، بينما يُجرد سَيْل من هويته رغماً عنه. كما أن استعادة البيت في "ورق الكافور" لا تقوم على الانتقام، بل على إثبات الحقيقة وكشف الشائعة.
أما العنود، فلا تظهر امرأة خاضعة تنتظر خلاصها، بل امرأة تقاوم من داخل القيود المفروضة عليها. تهادن المجتمع ظاهرياً، لكنها لا تتنازل عن إرادتها ووفائها. وهي قريبة من بينيلوبي التي تؤجل الخضوع للخاطبين، غير أن صراع العنود أكثر التصاقاً بسلطة المال والعائلة والعرف. ومع ذلك يمكن مساءلة الرواية عن ربط القيمة الأخلاقية للشخصيتين بالعفة وحدها، إذ كان من الممكن منح الغضب والشك والتحول النفسي مساحة أوسع، بحيث يصبح الوفاء اختياراً يتجدد، لا صفة محسومة منذ البداية.
يحمل عنوان "ورق الكافور" دلالات متعددة. فالكافور يُعطى للمسافرين، وفق المعتقد الشائع، لحمايتهم من الشهوات، ويحتفظ سَيْل بحصته من دون استعمال، كأن قيمه الداخلية أغنته عن الحماية الخارجية. لكنه يرتبط أيضاً بالموت والتطهير، بما ينسجم مع حكاية الرجل الحي الذي وُضع اسمه بين الموتى. وهكذا يصبح الكافور رمزاً لحفظ الجسد والذاكرة معاً.
وتكتمل رمزية العنوان في مشهد أبي قاسم، حين يفتح صندوقاً محفوظاً بعناية ويُخرج منه تراباً نجدياً: "هذا ترابٌ نجديّ، كلّما حننتُ إليها فتحتُه وشممتُه".
الوطن هنا ليس شعاراً، بل رائحة ومادة وذاكرة. ويتقاطع المشهد مع أدب المنفى الفلسطيني، حيث تتحول حفنة التراب أو مفتاح البيت إلى وطن مصغر. لكنه يختلف عن "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني، حيث تكشف العودة استحالة استرجاع الماضي كما كان. في "ورق الكافور" تظل استعادة الحق ممكنة، وإن تطلبت مواجهة الزمن والشائعة.
يظهر التكوين الأكاديمي للعرفج في علم الاجتماع الثقافي في ربط المصير الفردي بالتحولات الكبرى: الطاعون، والجوع، والهجرة، والغوص، ونشوء التجارة، وبدايات الدولة الحديثة. ويقترب بذلك من عبدالرحمن منيف، لكنه أقل تشاؤماً، ففي "مدن الملح" تهدم الثروة البنية القديمة، بينما تصبح التجارة هنا جسراً إلى النهضة.
تظل الرواية وفية لبنية الحكاية الشعبية، حيث ينكشف المكر ويعود الحق إلى صاحبه. وقد تبدو شخصياتها موزعة بوضوح بين الخير والشر، إلا أن هذه البساطة جزء من رؤيتها الأخلاقية وحنينها إلى عالم كانت فيه الكلمة والسمعة رأس مال الإنسان.
يعود سَيْل في النهاية ثرياً، لكن انتصاره الحقيقي لا يكمن في المال، بل في استعادة اسمه وزوجته وحياته. لقد نجا من البحر، غير أن معركته الأصعب كانت مع خبر لم يحدث. وهنا تضع "ورق الكافور" سؤالها الأكثر حداثة: ما الذي يثبت أن الإنسان حي: جسده، أم أوراقه، أم الحكاية التي يحتفظ بها الآخرون عنه؟
إنها رواية عن رجل خرج يطلب الرزق، فعاد يبحث عن اسمه وحياته، وعن امرأة قاومت أن تصبح غنيمة للغياب، وعن وطن اضطر إلى تهجير أبنائه في زمن الجوع، لكنه ظل يقيم في أرواحهم أكثر مما يقيم على الخرائط. ففي النهاية، لم يكن سَيْل يبحث عن ثروة، بل عن الطريق الذي يعيده إلى نفسه، لأن بعض الأوطان لا تُقاس بما نغادره منها، بل بما لا يغادرنا منها أبداً.
نبض