تعبيرية.
فاروق غانم خداج
بعد نحو ثلاثة عقود من الانتظار والجدل، أُقرّ المرسوم المتعلق بالمناهج التعليمية الجديدة في 26 حزيران 2026، في خطوة هدفت إلى وضع التعليم اللبناني على مسار مختلف، يواكب التحولات المعرفية والتكنولوجية التي يشهدها العالم. ولا شك في أن تجديد المناهج بات ضرورة لا يمكن تأجيلها، بعدما أصبحت المدرسة أمام تحديات جديدة تتطلب إعادة النظر في أساليب التعليم ومضامينه.
ومن الإيجابيات التي تُحسب للمناهج الجديدة أنها أعادت الاعتبار إلى عدد من الأسس التي افتقدها النظام التعليمي خلال السنوات الماضية. فقد أعادت التلميذ إلى نمط أكثر انتظامًا في التعلم، من خلال العودة إلى طول الساعة التعليمية المعتمد سابقًا، وإعادة تنظيم بعض المحطات التقييمية، ومنها امتحانات البكالوريا في قسمها الأول، بما يعيد إلى الشهادة الرسمية شيئًا من حضورها وهيبتها.
كذلك لا يمكن النظر إلى محاولة تحديث المناهج إلا باعتبارها استجابة لحاجة حقيقية. فالعالم تغيّر، ولم يعد كافيًا أن يحفظ التلميذ المعلومات من دون أن يمتلك القدرة على التحليل والنقد واستخدام المعرفة. ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من تعليم يقوم على التلقين إلى تعليم يبني المهارات ويعزز التفكير المستقل.
حين يصطدم التحديث بأسئلة الهوية
غير أن نجاح أي إصلاح تربوي لا يُقاس بعدد المواد الجديدة أو بتغيير العناوين والمحتويات، بل بمدى قدرته على بناء إنسان قادر على فهم ذاته ومجتمعه والعالم من حوله. ومن هذه الزاوية بالذات، تستحق بعض الخيارات التنفيذية التي رافقت النقاش حول المناهج نقاشًا واسعًا، ولا سيما ما أثير من انتقادات تربوية وثقافية حول تقليص حضور بعض المواد، كالتاريخ. فالتاريخ ليس مادة معرفية عابرة، بل هو جزء من الذاكرة الوطنية ومن تكوين شخصية المواطن، وأي مساس بحضوره في المدرسة يطرح سؤالا أعمق من مجرد توزيع الحصص: أي صورة عن وطنه وتاريخه سيحملها جيل كامل حين يكبر؟ ومع ذلك، فإن المطلوب ليس فقط زيادة عدد حصص التاريخ أو الدفاع عن حضورها الشكلي، بل تحديث طريقة تدريسها نفسها، بحيث تتحول من مادة تُحفظ إلى مادة تُناقش وتُحلَّل، فيتعلم التلميذ من خلالها كيف يقرأ الماضي بعين ناقدة لا بذاكرة صمّاء.
في المقابل، فإن تعزيز حضور مجالات جديدة كالمهارات الرقمية والتفكير التحليلي يعبّر عن حاجة حقيقية لمواكبة العصر. لكن هذه الحاجة، مهما كانت مشروعة، لا تبرر أن تُبنى على حساب المواد التي تشكل وعي التلميذ وانتماءه. فالإصلاح الناجح لا يحذف عناصر الهوية بحثًا عن مكان لكل جديد، بل يعيد تنظيم الأولويات ضمن رؤية أكثر توازنًا، بحيث يكسب التلميذ أدوات العصر من دون أن يخسر جذوره.
لا نسخ ولا جمود: بناء صيغة لبنانية خاصة
فالاختيار بين الأصالة والتجديد ليس مطروحًا في التعليم الحديث. المطلوب ليس العودة إلى مناهج الماضي، ولا استنساخ نماذج أجنبية جاهزة، بل بناء صيغة لبنانية تستفيد من التجارب الناجحة وتحافظ في الوقت نفسه على خصوصية المجتمع. وتقدّم بعض التجارب العربية، ومنها التجربة الإماراتية، مثالا على إمكانية الربط بين التعليم ومشاريع التنمية والابتكار بشكل مباشر ومدروس. غير أن الاستفادة من مثل هذه التجارب لا تعني استنساخها، فظروف لبنان الاقتصادية والاجتماعية مختلفة جذريًا عن سياقات نشأت فيها تلك التجارب؛ بل المطلوب بناء تجربة لبنانية خاصة تربط التعليم بحاجات الاقتصاد الجديد، من التكنولوجيا إلى السياحة والصناعات الإبداعية.
المدرسة اللبنانية: إصلاح على أرض منهكة
غير أن أي حديث عن إصلاح المناهج يجب ألا يغفل واقع المدرسة اللبنانية نفسها. فالتنفيذ يجري في بيئة فرضت عليها سنوات من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والاضطرابات المتتالية ضغوطًا كبيرة، انعكست على المعلم والمدرسة والتلميذ معًا. لذلك فإن نجاح المناهج الجديدة يحتاج إلى أكثر من قرار رسمي؛ يحتاج إلى دعم فعلي للمدارس، وتأهيل مستمر للمعلمين، لأن المعلم يبقى حجر الزاوية في أي إصلاح تربوي، وهو الذي يحوّل النصوص والخطط إلى تجربة تعليمية حقيقية داخل الصف. فمهما بلغت جودة المنهج على الورق، فإنه يبقى رهينة قدرة المعلم وبيئته على تطبيقه.
كما يبقى الإصلاح التربوي عملية متحركة لا قرارًا ينتهي بمجرد إقراره. فالمناهج، مهما كانت متقدمة، تحتاج إلى مراجعة دورية وتقييم مستمر، لأن التعليم يتغير بتغير المجتمع والمعرفة.
الإصلاح لا يبدأ من المرسوم، بل يكتمل في الصف
ومن واقع متابعتي عن قرب للعمل التربوي، وتجربتي في تنسيق مواد اللغة العربية، أدرك يوميًا كيف أن أفضل النصوص المنهجية قد تفقد قيمتها إن لم يواكبها معلم مؤهل وبيئة صفية داعمة. فقد رأيت مناهج طموحة على الورق تتحول في الصف إلى نسخة مبتورة من نفسها، لا بسبب ضعف في التصميم، بل بسبب غياب الأدوات والتدريب اللازمين لتطبيقها كما يجب. وهذا ما يجعلني أكرر دومًا أن الإصلاح لا يبدأ من المرسوم، بل يكتمل في الصف.
أي إنسان نريد أن نخرّج؟
إن السؤال الحقيقي ليس فقط: كم مادة سيدرس التلميذ؟ وكم ساعة سيقضي في الصف؟ بل: كيف سيتعلم؟ وكيف سنعدّه لمستقبل سريع التحول؟ فالتعليم ليس مجرد نقل معارف، بل هو مشروع لبناء الإنسان.
لذلك فإن المناهج الجديدة تشكل فرصة حقيقية إذا اقترنت بالرؤية الواضحة والتنفيذ الجيد. أما نجاحها النهائي فلن يُقاس بما تحمله من أوراق ومراسيم، بل بما ستتركه في عقول التلامذة وشخصياتهم. فالمسألة في النهاية ليست فقط أي مناهج نريد، بل أي إنسان نريد أن نخرّج.
فالمدرسة، في نهاية المطاف، ليست مجرد مبنى تُلقَّن فيه الدروس، بل هي المكان الذي تتشكل فيه علاقة الإنسان بوطنه وبمستقبله، وفيه تُزرع أولى بذور انتمائه قبل أن يعرف معنى الانتماء.
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
بعد نحو ثلاثة عقود من الانتظار والجدل، أُقرّ المرسوم المتعلق بالمناهج التعليمية الجديدة في 26 حزيران 2026، في خطوة هدفت إلى وضع التعليم اللبناني على مسار مختلف، يواكب التحولات المعرفية والتكنولوجية التي يشهدها العالم. ولا شك في أن تجديد المناهج بات ضرورة لا يمكن تأجيلها، بعدما أصبحت المدرسة أمام تحديات جديدة تتطلب إعادة النظر في أساليب التعليم ومضامينه.
ومن الإيجابيات التي تُحسب للمناهج الجديدة أنها أعادت الاعتبار إلى عدد من الأسس التي افتقدها النظام التعليمي خلال السنوات الماضية. فقد أعادت التلميذ إلى نمط أكثر انتظامًا في التعلم، من خلال العودة إلى طول الساعة التعليمية المعتمد سابقًا، وإعادة تنظيم بعض المحطات التقييمية، ومنها امتحانات البكالوريا في قسمها الأول، بما يعيد إلى الشهادة الرسمية شيئًا من حضورها وهيبتها.
كذلك لا يمكن النظر إلى محاولة تحديث المناهج إلا باعتبارها استجابة لحاجة حقيقية. فالعالم تغيّر، ولم يعد كافيًا أن يحفظ التلميذ المعلومات من دون أن يمتلك القدرة على التحليل والنقد واستخدام المعرفة. ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من تعليم يقوم على التلقين إلى تعليم يبني المهارات ويعزز التفكير المستقل.
حين يصطدم التحديث بأسئلة الهوية
غير أن نجاح أي إصلاح تربوي لا يُقاس بعدد المواد الجديدة أو بتغيير العناوين والمحتويات، بل بمدى قدرته على بناء إنسان قادر على فهم ذاته ومجتمعه والعالم من حوله. ومن هذه الزاوية بالذات، تستحق بعض الخيارات التنفيذية التي رافقت النقاش حول المناهج نقاشًا واسعًا، ولا سيما ما أثير من انتقادات تربوية وثقافية حول تقليص حضور بعض المواد، كالتاريخ. فالتاريخ ليس مادة معرفية عابرة، بل هو جزء من الذاكرة الوطنية ومن تكوين شخصية المواطن، وأي مساس بحضوره في المدرسة يطرح سؤالا أعمق من مجرد توزيع الحصص: أي صورة عن وطنه وتاريخه سيحملها جيل كامل حين يكبر؟ ومع ذلك، فإن المطلوب ليس فقط زيادة عدد حصص التاريخ أو الدفاع عن حضورها الشكلي، بل تحديث طريقة تدريسها نفسها، بحيث تتحول من مادة تُحفظ إلى مادة تُناقش وتُحلَّل، فيتعلم التلميذ من خلالها كيف يقرأ الماضي بعين ناقدة لا بذاكرة صمّاء.
في المقابل، فإن تعزيز حضور مجالات جديدة كالمهارات الرقمية والتفكير التحليلي يعبّر عن حاجة حقيقية لمواكبة العصر. لكن هذه الحاجة، مهما كانت مشروعة، لا تبرر أن تُبنى على حساب المواد التي تشكل وعي التلميذ وانتماءه. فالإصلاح الناجح لا يحذف عناصر الهوية بحثًا عن مكان لكل جديد، بل يعيد تنظيم الأولويات ضمن رؤية أكثر توازنًا، بحيث يكسب التلميذ أدوات العصر من دون أن يخسر جذوره.
لا نسخ ولا جمود: بناء صيغة لبنانية خاصة
فالاختيار بين الأصالة والتجديد ليس مطروحًا في التعليم الحديث. المطلوب ليس العودة إلى مناهج الماضي، ولا استنساخ نماذج أجنبية جاهزة، بل بناء صيغة لبنانية تستفيد من التجارب الناجحة وتحافظ في الوقت نفسه على خصوصية المجتمع. وتقدّم بعض التجارب العربية، ومنها التجربة الإماراتية، مثالا على إمكانية الربط بين التعليم ومشاريع التنمية والابتكار بشكل مباشر ومدروس. غير أن الاستفادة من مثل هذه التجارب لا تعني استنساخها، فظروف لبنان الاقتصادية والاجتماعية مختلفة جذريًا عن سياقات نشأت فيها تلك التجارب؛ بل المطلوب بناء تجربة لبنانية خاصة تربط التعليم بحاجات الاقتصاد الجديد، من التكنولوجيا إلى السياحة والصناعات الإبداعية.
المدرسة اللبنانية: إصلاح على أرض منهكة
غير أن أي حديث عن إصلاح المناهج يجب ألا يغفل واقع المدرسة اللبنانية نفسها. فالتنفيذ يجري في بيئة فرضت عليها سنوات من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والاضطرابات المتتالية ضغوطًا كبيرة، انعكست على المعلم والمدرسة والتلميذ معًا. لذلك فإن نجاح المناهج الجديدة يحتاج إلى أكثر من قرار رسمي؛ يحتاج إلى دعم فعلي للمدارس، وتأهيل مستمر للمعلمين، لأن المعلم يبقى حجر الزاوية في أي إصلاح تربوي، وهو الذي يحوّل النصوص والخطط إلى تجربة تعليمية حقيقية داخل الصف. فمهما بلغت جودة المنهج على الورق، فإنه يبقى رهينة قدرة المعلم وبيئته على تطبيقه.
كما يبقى الإصلاح التربوي عملية متحركة لا قرارًا ينتهي بمجرد إقراره. فالمناهج، مهما كانت متقدمة، تحتاج إلى مراجعة دورية وتقييم مستمر، لأن التعليم يتغير بتغير المجتمع والمعرفة.
الإصلاح لا يبدأ من المرسوم، بل يكتمل في الصف
ومن واقع متابعتي عن قرب للعمل التربوي، وتجربتي في تنسيق مواد اللغة العربية، أدرك يوميًا كيف أن أفضل النصوص المنهجية قد تفقد قيمتها إن لم يواكبها معلم مؤهل وبيئة صفية داعمة. فقد رأيت مناهج طموحة على الورق تتحول في الصف إلى نسخة مبتورة من نفسها، لا بسبب ضعف في التصميم، بل بسبب غياب الأدوات والتدريب اللازمين لتطبيقها كما يجب. وهذا ما يجعلني أكرر دومًا أن الإصلاح لا يبدأ من المرسوم، بل يكتمل في الصف.
أي إنسان نريد أن نخرّج؟
إن السؤال الحقيقي ليس فقط: كم مادة سيدرس التلميذ؟ وكم ساعة سيقضي في الصف؟ بل: كيف سيتعلم؟ وكيف سنعدّه لمستقبل سريع التحول؟ فالتعليم ليس مجرد نقل معارف، بل هو مشروع لبناء الإنسان.
لذلك فإن المناهج الجديدة تشكل فرصة حقيقية إذا اقترنت بالرؤية الواضحة والتنفيذ الجيد. أما نجاحها النهائي فلن يُقاس بما تحمله من أوراق ومراسيم، بل بما ستتركه في عقول التلامذة وشخصياتهم. فالمسألة في النهاية ليست فقط أي مناهج نريد، بل أي إنسان نريد أن نخرّج.
فالمدرسة، في نهاية المطاف، ليست مجرد مبنى تُلقَّن فيه الدروس، بل هي المكان الذي تتشكل فيه علاقة الإنسان بوطنه وبمستقبله، وفيه تُزرع أولى بذور انتمائه قبل أن يعرف معنى الانتماء.
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
الأكثر قراءة
المشرق-العربي
7/24/2026 6:01:00 AM
تعكس الأحاديث المتداولة في بعض المجالس الخاصة لقيادات سورية تفاوتاً واضحاً في المعلومات. وقد يشير هذا التباين إلى أن الملف محصور ضمن دائرة ضيقة.
النهار بيديا
7/23/2026 9:12:00 PM
بعد أشهر من توليها وزارة التخطيط والتعاون الدولي، عُيّنت الدكتورة أفراح عبدالعزيز الزوبة وزيرةً للخارجية في اليمن، مستندة إلى خبرة تمتد لأكثر من 25 عامًا في إدارة البرامج الحكومية، والتعاون الدولي، والتفاوض مع الجهات المانحة
اقتصاد وأعمال
7/24/2026 9:23:00 AM
ماذا في التفاصيل؟
دوليات
7/23/2026 11:26:00 PM
عيّن الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) الخبيرة الاقتصادية سعدية زاهدي مديرًا عامًا له، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب، بعدما أمضت أكثر من عقدين في المنتدى الاقتصادي العالمي
نبض