معرض لشارل شهوان في بيروت... احتفاء بيوميات الوجود بما فيها من سحر مدهش ومفارقات
دانيال صالح
يروي الشاعر والروائي والرسام شارل شهوان في رسوماته، كما في شعره وقصصه، واقعًا موازيًا، ومحاكاةً ساخرةً للحياة، أكثر غرابةً وتشويهًا، لكنها أيضًا أشدّ حقيقةً من الواقع نفسه. وتقدّم لوحاته المعروضة في غاليري "بلو روز"، الاشرفية، طيفًا واسعًا من الأشياء اليومية في ضوءٍ مختلف؛ أشياء لم نعد نكاد نلحظها في حياتنا العادية، لكنها تكتسب في رسوماته حياةً جديدة ومعنىً مستجدًّا: مذياعًا ـ مسجّلًا، زجاجةً، مظلّةً شاطئية، منشفةَ بحر... تبرز جميعها متوشّحةً بألوانٍ خامّ وصريحة، في مشاهد ساذجة أو شبه عارية من الزخرفة، فإذا بنا ننظر إليها فجأةً بعيونٍ أخرى.

سحابةٌ بيضاء قطنية، قمّةُ موجةٍ زرقاء، نخلةٌ خضراء، مصباحٌ تحيط به هالةٌ من خيوط الضوء الأصفر، سيجارةٌ يتصاعد منها خيطٌ من الدخان... كلّها عناصر بديهية إلى حدّ أننا لم نعد ننتبه إليها، غير أنّ شارل شهوان يروي من خلالها حياةً عاديةً لا تكاد تُرى، كأنّه يحتفي في أعماله بيوميّة الوجود، بكلّ ما تحمله من ابتذالٍ ومفارقة، ومن سحرٍ مدهش أيضًا.

ويعكس السند الذي يرسم عليه هذا الهاجس نفسه. فمعظم اللوحات منفّذة على صفحاتٍ ممزّقة من دليل الهاتف، تلك "الصفحات الصفراء" الشهيرة. ولا يزال المرء يلمح هنا وهناك أرقامًا وأسماءً مطموسةً جزئيًا، كأنّها تذكيرٌ بالواقع الذي تقوم عليه أعمال هذا الفنان المتحدّي لحدود الأنواع الفنية، والمُرسِي إياها بقوّة في صميم الحياة الحقيقية.

لقد أُعِدّ المسرح، وفي هذا المسرح تتكشّف مشاهد عادية من الحياة وتنبض الشخصيات بالحركة. زوجان على شاطئ البحر، أو في سيارةٍ تمضي مسرعة، أو يحتسيان كأسًا في غرفة جلوس تذكّر دائمًا بمكانٍ عرفناه يومًا، لكننا لم نعد نعرف متى كان ذلك ولا أين. ظلالٌ نحيلة، وأجسادٌ منكمشة أو ممزّقة، وعيونٌ ممدودة تكاد تخرج من الوجوه، وشفاهٌ مشدودة إلى ابتسامةٍ ساخرة؛ خطوطٌ كثيرة تبدو كأنها خرجت من خيال طفل، وعالمٌ لم يعرف الشيخوخة يومًا.

إنه مزيجٌ حُلْميّ وساذج من الكاريكاتور والتصوير الفوتوغرافي والواقعية، لكنه يبقى دائمًا أسير واقعٍ موازٍ. فلا نعرف أبدًا إن كانت عصابات الشبان تعزف موسيقى صاخبة وجامحة أم تفتح النار بضراوة، ولا إن كان الأزواج المنطلقون في سيارةٍ تحت سماء الليل يتبادلون الحب أم يتجاهلون بعضهم بعضًا. إنه عالمٌ موازٍ نغوص فيه عن طيب خاطر، أشبه ما يكون بحياةٍ عشناها في الحلم.
معرضٌ يستحق الزيارة حتى الثاني من آب/أغسطس في غاليري "بلو روز" في الاشرفية، بيروت.
نبض