فراشة فوق مثواي الأخير
د. نواف القنطار
لم يعد لدي متسع من الوقت لأكتشف أن الحياة أقصر من حلم فراشة... تدركني النهاية قبل أن يكتمل صباحي الأخير على شرفتي المطلة على الانتظار.
أقع في شِباك لغة تتلعثم في وصف أشعة الشمس وطعم الكرز... تتوارى في زحام الصور ثم تغيب عندما تنهمر أولى قطرات المطر.
تختبئ الفراشة تحت جناح الحقيقة المكسور، يستعيرها الوقت من كتاب تفوح من بين أوراقه رائحة العفن... يرتب الكلمات لتأويل ما لا ينتهي... فيرتطم بسؤال بلاغي يكبل تلافيف الذاكرة: ما نفع أن تبدع في وصف زمن لا يعيدك إلا إلى ماضيك المحتضر داخل خلاياك التي أنهكها التعب.
أترنح ما بين زمني والصدى... هل كانت الرغبة في استحضار الآتي خيانةً لحاضر تغطيه أوراق الخريف؟ هل هجرتني اللغة، مثل غيمة صيف مشردة في سماء المنافي الأبدية...
كلما اقتربت من تفسير الحاضر، ابتعدت عني الحقيقة، مثل فراشة تحملها الريح نحو مثواي الأخير، عندما كان قلبي ما زال يخفق تحت حبات التراب الباردة، يدثره الضباب بأسئلة الموت البيضاء.
الحقيقة هناك... قريبة من الغياب، تبحث عن النسيان في ذاكرة جرح لا يلتئم، مثل جروحي القديمة التي تسألني: أليس الموت نقطة النهاية التي تجعل للعبارة معنى؟
ها أنذا... لست حياً تماماً، ولست ظلاً لموتي... مثل برتقالة رماها الوقت على قارعة الطريق... ها أنذا ... تواجهني الحقيقة عندما أسير خلف الحياة لأصطدم بجدران الموت العالية...
ماذا لو لم تكن هناك حقيقة منذ البداية؟ ماذا لو كانت الحياة مجرد كلمة فقدت معناها في تفاصيل الذاكرة، ولو كان الحضور شكلاً آخر للغياب.
لعل الحياة لم تكن سوى زمن يمضي بين كلمتين تبدآن بوصف لون الزنبق وتنتهيان عندما تذوي شقائق النعمان... لعلني أقف الآن عند حافة جملتي الأخيرة، أتسلل بين حروفها، أهرب من أناي، لأتحرر من سلطة لغتي، ومن كتب النسيان التي كانت تملي وقتي علي.
ها أنذا أترك نافذة وقتي مفتوحة على الآتي، لعل صحراء ذاكرتي القادمة تجد مأوى لها بعيداً عن كل هذا الجفاف... عندها سوف أنثر رماد جثتي ولغتي على طول المدى، قبل أن تذروها الريح، بهدوء فراشة تطير فوق مثواي الأخير... تاركاً خلفي سؤال الحياة بلا جواب.
نبض