المنفى بيت موقت... قراءة في رواية "ليالي سان دوني" للنا عبد الرحمن

ثقافة 14-07-2026 | 11:42

المنفى بيت موقت... قراءة في رواية "ليالي سان دوني" للنا عبد الرحمن

بعيداً من سرديات الحرب واللجوء، تبني "ليالي سان دوني" عالماً روائياً يجعل من المكان الموقت وطناً، ومن الذاكرة وسيلة لمقاومة الاقتلاع.
المنفى بيت موقت... قراءة في رواية "ليالي سان دوني" للنا عبد الرحمن
غلاف الرواية. (دار العين)
Smaller Bigger

لم يعد المنفى في الرواية العربية مرادفاً للحرب، ولا فعل اقتلاع من وطن إلى آخر، بل غدا سؤالاً عن الإنسان حين يفقد المكان الذي كان يمنحه تعريفه الأول. فمنذ أن وصف إدوارد سعيد المنفى بأنه "الشق الذي لا يلتئم بين الإنسان ومكانه الأول"، أخذت الكتابة العربية تتجاوز سرديات الهروب والنجاة إلى مساءلة ما يأتي بعدهما: كيف تُستعاد الحياة حين يصبح الوطن ذاكرة، والبيت مكاناً موقتاً؟ في هذا السياق تكتب لنا عبد الرحمن "ليالي سان دوني"، حيث لا تشكل الحرب سوى الشرارة الأولى، بينما تنشغل الرواية الصادرة عن "دار العين"، في جوهرها، بمحاولة شخصياتها إعادة بناء ذواتها، واكتشاف معنى جديد للانتماء في عالم تتآكل فيه الحدود بين الوطن والمنفى.

منذ الصفحات الأولى، لا تفتح الرواية أبوابها على معبر حدودي أو مشهد قصف أو رحلة هروب، بل على قصر قديم في ضاحية سان دوني الباريسية يحمل اسم "لو شاتو". غير أن هذا المبنى، الذي يبدو في ظاهره مجرد مأوى لمهاجرين وفنانين ولاجئين، يتحول تدريجياً إلى قلب الرواية النابض، وإلى استعارة للعالم المعاصر، حيث يعيش الجميع فوق أرض موقتة، فيما يحمل كل منهم وطنه داخل ذاكرته.

هنا تكمن إحدى أهم رهانات الرواية. فـ"لو شاتو" ليس خلفية للأحداث، بل شخصية روائية كاملة. إنه مكان يعيد تشكيل من يسكنه أكثر مما يحتضنه. يدخل القادمون إليه محملين بهوياتهم الأولى: فلسطيني، سوري، أفغانية، فرنسي، موسيقي، صحافية، نحات... لكن هذه التعريفات تبدأ بالتآكل أمام ضرورات العيش المشترك، حتى يصبح الانتماء الجديد قائماً على المشاركة اليومية في الخبز والموسيقى والعمل والحديث، لا على الجغرافيا أو الجنسية.

بهذا المعنى، تقلب الرواية مفهوم "اللامكان" الذي تحدث عنه الأنثروبولوجي الفرنسي مارك أوجيه. فالفضاءات العابرة، بحسب أوجيه، تفتقر إلى الذاكرة والعلاقات والانتماء، بينما يتحول "لو شاتو" في الرواية إلى نقيض ذلك تماما، فهو مكان مهمل قانونياً، لكنه يفيض بالعلاقات الإنسانية، ويعيد إنتاج معنى الجماعة، ويمنح سكانه إحساساً موقتاً بالبيت. وكأن لنا عبد الرحمن تقول إن الوطن لا يولد من ملكية الأرض، بل من كثافة الحياة التي تُعاش فوقها.

ولا تكتفي الرواية بإعادة تعريف المكان، بل تعيد أيضاً النظر في مفهوم البطولة. فلا يوجد بطل واحد يحتكر الحكاية أو يقود السرد، وإنما تتشكل الرواية من فسيفساء من الأصوات، يتجاور فيها يوسف، وأبو الطيب، ودرصاف، ويوهانس، وكامي، وغيرهم، بحيث يحمل كل صوت رؤيته الخاصة للعالم. هنا تبدو الرواية أقرب إلى ما وصفه ميخائيل باختين بالرواية الحوارية، التي تتعايش فيها الأصوات المختلفة من دون أن يخضع أحدها لسلطة الآخر. فالحقيقة لا يمتلكها فرد، وإنما تتولد من احتكاك التجارب الإنسانية بعضها ببعض.

يوسف، الموسيقي الذي يغادر حياة زوجية فقدت دفئها، لا يبدو هارباً من امرأة بقدر ما يهرب من صورة جامدة للحياة. أما أبو الطيب، الفلسطيني الذي يعلن تمرده على فكرة العمل التقليدي، فلا يمكن اختزاله في شخصية ساخرة أو بوهيمية. إنه يحتج، بطريقته الخاصة، على منظومة تقيس قيمة الإنسان بقدر إنتاجه، فيما يتمسك في الوقت نفسه بذاكرته وأبنائه وحلمه بتوثيق الحكاية الفلسطينية. أما درصاف، القادمة من كابول، فتجسد انتقال المنفى من الجغرافيا إلى الجسد، فهي تحمل وطنها في اللغة والخوف والحنين، لكنها ترفض أن تُختزل في صورة الضحية، وتصر على إعادة كتابة حياتها من جديد.

وما يمنح هذه الشخصيات صدقيتها أن الكاتبة لا تحولها إلى شعارات سياسية. فلا أحد يتحدث باسم وطنه، ولا يؤدي دور الناطق الرسمي باسم قضية ما. الجميع يتكلمون أولاً بوصفهم بشراً، ثم تأتي هوياتهم الوطنية لاحقاً. وهنا تتجاوز الرواية الخطاب السياسي إلى سؤال إنساني أكثر عمقاً: ما الذي يبقى من الإنسان حين يفقد التعريفات التي كانت تمنحه يقيناً؟

وتظهر هذه الرؤية أيضاً في شبكة الرموز التي تنسجها الرواية بهدوء، بعيداً عن المباشرة. فالخبز الذي يعجنه يوهانس لا يؤدي وظيفة غذائية فحسب، بل يصبح فعلا لإعادة بناء الجماعة. والموسيقى ليست زينة جمالية، بل لغة مشتركة تتجاوز اختلاف اللغات والثقافات. حتى السهرات الليلية، بما تحمله من غناء وحوار وشراب، لا تبدو احتفاءً بالفراغ، بل محاولة يومية لمقاومة العزلة والخوف. وفي المقابل، تتكرر رموز الحقيبة، والقطار، والغرف الموقتة، لتذكر القارئ بأن الإقامة نفسها هشة، وأن الجميع يعيشون على احتمال الرحيل، حتى وهم يعلقون لوحاتهم أو يخبزون أرغفتهم.

وتنجح لنا عبد الرحمن كذلك في إعادة كتابة صورة باريس. فهي لا تقدم المدينة بوصفها عاصمة الأنوار التي أغوت أجيالا من الأدباء العرب، بل تكشف وجهها الآخر: الضواحي، الأسواق الشعبية، والبيوت المهجورة، واللغات المتجاورة، والهوامش التي يعيش فيها القادمون الجدد. إنها باريس التي لا تظهر في الكتيبات السياحية، لكنها ربما أكثر المدن تعبيراً عن واقع أوروبا المعاصرة، حيث تتشكل هوية المدينة من تنوع ساكنيها أكثر مما تتشكل من تاريخها.

أما الزمن في الرواية، فلا يتحرك وفق خط مستقيم، بل يخضع لمنطق الذاكرة. فالشخصيات لا تستطيع الانفصال عن ماضيها، لأنها تستحضره باستمرار عبر رائحة خبز، أو أغنية، أو لهجة، أو وصفة طعام، أو صورة مدينة تركتها خلفها. وهكذا يتحول الاسترجاع إلى جزء من تكوين الشخصية، لا مجرد تقنية سردية، فيما تصبح التفاصيل اليومية خزائن تحفظ الذاكرة من التآكل.

تنسجم لغة الرواية مع رؤيتها السردية، فهي لغة هادئة، شفافة، تراهن على التفاصيل اليومية والحوار بوصفهما وسيلتين لبناء الشخصيات وكشف عوالمها الداخلية. وبهذا الإيقاع المتأني، يتشكل النص بوصفه فضاءً إنسانياً رحباً، يدعو القارئ إلى الإقامة داخل عالمه، لا إلى ملاحقة أحداثه فحسب.

لهذا، لا تبدو "ليالي سان دوني" رواية عن الحرب، ولا عن اللجوء، ولا حتى عن باريس. إنها، في جوهرها، رواية عن هشاشة الإنسان المعاصر، وعن قدرته المدهشة على ابتكار أشكال جديدة من الانتماء، حتى وهو يدرك أن كل بيت قد يكون موقتاً، وأن كل إقامة قابلة للانتهاء. إنها رواية تقترح أن الوطن قد لا يكون مكانا نولد فيه، بل مكانا نستطيع أن نتقاسم فيه الخبز والذاكرة والأمل مع آخرين يشبهوننا في هشاشتهم أكثر مما يشبهوننا في هوياتهم.

وبهذا المعنى، تضيف لنا عبد الرحمن إلى أدب المنفى العربي زاوية مختلفة، فهي تنقل مركز الثقل من سؤال السياسة إلى سؤال الإنسان، ومن الحنين إلى الوطن المفقود إلى محاولة بناء وطن صغير داخل الحياة اليومية. وحين يغلق القارئ الصفحة الأخيرة، لا يبقى في ذاكرته "لو شاتو" بوصفه قصراً في ضاحية باريسية، بل صورة مكثفة لعالمنا الراهن: عالم تتجاور فيه المنافي، ويواصل سكانه، رغم كل شيء، تشييد بيوت من الصداقة والفن والذاكرة، وهم يعرفون أن الرحيل قد يكون أقرب مما يظنون.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 7/13/2026 10:10:00 PM
اتهم الحوثيون السعودية في وقت سابق بقصف مدرج مطار صنعاء الذي يسيطرون عليه.
نقلت شبكة "سي آن آن" عن الدكتور جوناثان راينر، أن "القلب ينقل الدم إلى الجسم عبر شريان كبير جداً يُسمى الشريان الأورطي"
لبنان 7/13/2026 4:21:00 PM
بيّنت التحقيقات الأولية أنه تدرّج في عدد من المناصب القيادية ضمن التنظيم، إلى أن تولّى منصب الأمير الأمني العام لما يُسمّى بـ"ولاية الجنوب" و"ولاية الوسط" في سوريا