منسوجة بايو في لندن... القطعة التي غزت إنكلترا مرّتين
بدأت منسوجة بايو فصلاً جديداً في تاريخها الطويل بوصولها الأسبوع الماضي إلى المتحف البريطاني في لندن، حيث ستُعرض لمدة عام على سبيل الإعارة، بعد عملية نقل استثنائية أحاطتها إجراءات أمنية مشددة لحمايتها.
منسوجة بايو من باريس إلى لندن
في الساعات الأولى من يوم 10 تموز/يوليو، عَبَرَ واحد من أكثر الكنوز الثقافية الأوروبية هشاشةً وإثارةً للحساسيات السياسية بهدوءٍ قناة المانش. بعد أن وُضعت داخل حاوية صُمّمت خصيصاً لمقاومة الاهتزازات مع نظام ثابت للتحكم في درجة الحرارة والرطوبة، وصلت منسوجة بايو، التي يبلغ طولها نحو 70 متراً، إلى المتحف البريطاني، بعد نحو ألف عام قضته في فرنسا. وعندما تُتاح للجمهور مُعاينتها (10 أيلول/سبتمبر 2026 - 11 تموز/يوليو 2027)، ستكون تلك المرة الأولى التي يُعرض فيها التطريز في بريطانيا منذ إنجازه في القرن الحادي عشر.

أصبحت الرحلة نفسها تكاد تضاهي في أهميتها القطعة التي نقلتها. فمنسوجة بايو، التحفة الفنية التي تنتمي للعصور الوسطى، تُعدّ أول عمل أوروبي عظيم يروي قصة سياسية بصرياً؛ إذ تُجسّد وقائع الغزو النورماني لإنكلترا عام 1066، وفي الوقت نفسه تُبرّره وتُضفي عليه الشرعية. وبعد ما يقرب من ألف عام، تفرض عودتها إلى إنكلترا السؤال التالي: عندما يتحول التراث الثقافي إلى أداة ديبلوماسية، أين ينبغي أن ترسم مبادئ حفظ التراث حدودها؟
تروي التاريخ وتبرّر المنتصر
غالباً ما وُصفت منسوجة بايو بأنها أول وثائقي تاريخي في العالم. ورغم شيوع تسميتها "سجادة"، فإنها، من الناحية التقنية، عملٌ تطريزي نُفِّذ بخيوط صوفية ملوّنة على قماش من الكتان، ويُرجَّح أنه أُنجز بتكليف من الأسقف أودو، الأخ غير الشقيق لويليام الفاتح، وأنّ منفذيه كانوا مطرّزين إنكليز في سبعينيات القرن الحادي عشر. وعلى امتداد ثمانية وخمسين مشهداً ومئات الشخصيات البشرية والحيوانية، تسرد القطعة الأحداث التي سبقت معركة هاستينغز، محوِّلةً الانتصار العسكري إلى شرعية سياسية.
ولطالما رأى مؤرخو الفن أن هذا التطريز يؤدي وظيفة الدعاية السياسية في العصور الوسطى. فقد وصف مؤرخ الفن البريطاني ديفيد م. ويلسون المنسوجة بأنها واحدة من أعظم الوثائق البصرية الباقية من تلك الحقبة، فيما شدّد باحثون، من بينهم لوسيان موسيه وكارولا هيكس، على أنّ كلّ مشهد صيغ بعناية لتعزيز أحقية النورمان في عرش إنكلترا، لا لتقديم رواية تاريخية محايدة.
حفظ التراث والديبلوماسية الثقافية
احتفت لندن وباريس الأسبوع الماضي بعملية نقل المنسوجة، في خطوة غير مسبوقة في مجال التعاون الثقافي. ووصف مدير المتحف البريطاني نيكولاس كولينان المنسوجة بأنها "واحدة من أعظم الكنوز التاريخية في العالم"، فيما رأى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن هذا التبادل يجسد تقاسم بريطانيا وفرنسا "السرديات الكبرى لنشأة التاريخ الأوروبي".
غير أن خلف هذه الرمزية يكمن النقاش. فقد أمضى خبراء الترميم الفرنسيون سنوات وهم يحذّرون من أنّ منسوجة بايو تزداد هشاشة مع مرور الوقت. إذ أدّت آلاف الطيات التي تراكمت خلال قرون من التخزين إلى إضعاف قاعدة الكتان التي تحمل التطريز، كما وثّق المرمّمون وجود بقع وتمزقات ومناطق متدهورة تتطلّب مراقبة مستمرة. وقد أثارت هذه المخاوف معارضة شديدة عندما أعلنت فرنسا للمرة الأولى، عام 2025، نيتها إعارة المنسوجة، إذ تساءل بعض المتخصصين عمّا إذا كان أي هدف ديبلوماسي يمكن أن يبرّر نقل قطعة ينبغي أن تظل المحافظة عليها الأولوية القصوى.

يعكس هذا الجدل إحدى المعضلات الجوهرية في أخلاقيات المتاحف؛ إذ باتت الإعارات الدولية أدوات أساسية للديبلوماسية الثقافية؛ فهي تبني الثقة، وتجذب ملايين الزوار، وتشجع التعاون الأكاديمي. وقد باتت المتاحف تؤدي دوراً ديبلوماسياً بقدر ما تؤدي دورها بوصفها مؤسسات ثقافية.
غير أنّ مبادئ الحفظ الوقائي الحديثة ترى أنّ كلّ عملية نقل لقطعة هشة تضيف إليها مخاطر جديدة، مهما بلغت التكنولوجيا المستخدمة من تطور. وحتى الصناديق المضبوطة مناخياً، وأنظمة التعليق المقاومة للاهتزاز، وآليات النقل الخاضعة للمراقبة الدقيقة، لا تستطيع القضاء على الضغوط التراكمية. ولذلك، يرى المرمّمون أن أفضل وضع لقطعة لا يمكن تعويضها هو أن تبقى في مكانها.
غزوٌ عبر القناة للمرة الثانية
ومن ثم، تجسّد منسوجة بايو توتراً متنامياً بين منفعتين عامتين كلتاهما مشروعة: إتاحة الوصول إلى التراث، والحفاظ عليه. التطريز نفسه يصوّر واحدة من أكثر الرحلات عبر قناة المانش تأثيراً في التاريخ الأوروبي، أي الغزو النورماني الذي غيّر بصورة دائمة لغة إنكلترا وأرستقراطيتها ونظامها القانوني وملكيتها. وبعد ما يقرب من ألف عام، عبرت القطعة التي تروي ذلك الغزو مرة أخرى القناة، ولكن هذه المرة تحت حراسة أمنية مشددة بدلاً من المرافقة العسكرية. وبذلك، وقع الغزو، بمعنى من المعاني، مرتين.
يعكس هذا العبور الثاني أيضاً تحوّلاً في الأفكار المتعلقة بالملكية. فعلى الرغم من أن المنسوجة حُفظت قروناً في نورماندي وتعود ملكيتها إلى الدولة الفرنسية، فإنها تروي قصة تشكل ركناً أساسياً من التاريخ الإنكليزي، ومن المرجح أنها طُرِّزت بأيدٍ إنكليزية. وهي بذلك تقاوم أيّ هوية وطنية بسيطة أو أحادية، إذ تنتمي في آنٍ واحد إلى المقتنيات الوطنية الفرنسية، والذاكرة الإنكليزية، والحضارة الأوروبية.
وربما يفسر هذا الالتباس سبب الحماسة الجماهيرية الاستثنائية التي أثارتها الإعارة. فقد بيع، بحسب التقارير، نحو مئة ألف تذكرة في اليوم الأول من طرحها، ما يجعل هذا المعرض أحد أكثر معارض المتحف البريطاني ترقباً منذ عقود.
في نهاية المطاف، يثير وصول منسوجة بايو إلى لندن سؤالاً عميقاً حول المسؤولية المترتبة على وراثة التراث الإنساني. فالعديد من المتاحف بات يقدّم نفسه فضاءً للحوار أكثر منه مستودعاً للغنائم الوطنية. ومع ذلك، فإن الإعارات الدولية الاستثنائية تجبر المؤسسات الثقافية على مواجهة سؤال أخلاقي صعب: هل يفوق حق الجمهور في رؤية أعظم منجزات الإنسانية حتى أصغر خطر إضافي قد يهدد بقاءها؟
نجت منسوجة بايو من الغزو والثورة والحروب، وصمدت أمام ما يقرب من ألف عام من التاريخ، وحطّت في لندن بعد مسعَيَين فاشلين لاستعارتها، الأول عام 1953 تزامناً مع تتويج الملكة إليزابيث الثانية، والثاني عام 1966 في الذكرى التسعمئة لمعركة هاستينغز التي أوصلت ويليام الفاتح إلى عرش إنكلترا. أما ما إذا كانت رحلتها الأخيرة ستُذكر كنموذج يُحتذى للديبلوماسية الثقافية، أم مقامرة غير ضرورية بأحد الكنوز الأوروبية التي لا بديل لها، فربما سيتوقف على الحالة التي ستعود بها إلى موطنها، لا على أعداد الزوار الذين سيقصدونها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لون الحكمة والهدوء يخطف الأنظار بأناقته
نبض