استقالة وزيرة الثقافة المصرية تحرّك قضية حقوق الملكية الفكرية

ثقافة 10-07-2026 | 18:08

استقالة وزيرة الثقافة المصرية تحرّك قضية حقوق الملكية الفكرية

استقالة وزيرة الثقافة المصرية فتحت نقاشاً واسعاً حول أزمة حقوق الملكية الفكرية في العالم العربي.
استقالة وزيرة الثقافة المصرية تحرّك قضية حقوق الملكية الفكرية
وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي.
Smaller Bigger

تجاوزت قضية استقالة وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي - بعد شهور قليلة من تقلدها المنصب - أبعادها السياسية والقانونية، وامتدت لتفتح ملفاً أكثر إلحاحاً في المشهد الثقافي العربي، وهو حقوق الملكية الفكرية، إذ جاءت الاستقالة عقب صدور حكم محكمة النقض برفض الطعن المقدم من الوزيرة في دعوى تتعلق بالتعدي على حقوق عمل أدبي أقامتها الكاتبة سهير عبد الحميد مؤلفة كتاب"اغتيال قوت القلوب الدمرداشية"، واتهمت فيها الوزيرة بنقل أجزاء واسعة من الكتاب ضمن كتابها المعنون "كوكو شانيل وقوت القلوب... ضفائر التكوين والتخوين" من دون التزام ضوابط الاقتباس المسموح بها قانونياً.

وفي بيان رسمي، أعلنت الوزيرة استقالتها؛ احتراماً لأحكام القضاء المصري ولرفع الحرج عن الحكومة في هذه القضية الشخصية، مؤكدة تقديرها للقضاء وثقتها بمؤسسات الدولة.

ولكن لم يتوقف الجدل عند حدود الواقعة أو الاستقالة. فهذه القضية تدفع  إلى إثارة نقاش أوسع حول واقع حقوق الملكية الفكرية في مصر والعالم العربي وغياب الوعي بها وحدود الاقتباس وآليات مواجهة السرقات الأدبية في ظل التطور الرقمي والذكاء الاصطناعي، وانعكاسات القضية على مستقبل حماية الملكية الفكرية، والإصلاحات التشريعية المطلوبة لمنع تكرار هذه الوقائع.

وقالت الكاتبة سهير عبد الحميد إن قرار الاستقالة أو "إقالة" وزيرة الثقافة كان "منتظراً"، معتبرة أن استمرارها في المنصب لم يعد متسقاً مع الحكم القضائي الصادر ضدها. وأضافت، في تصريحات لـ"النهار"، أن من يتولى حقيبة الثقافة يجب أن يكون مسؤولاً عن حماية الإبداع والفكر، مؤكدة أن إدانة الوزيرة في قضية تتعلق بحقوق المؤلف تجعلها غير مناسبة للاستمرار في هذا المنصب.
وأوضحت أن موقفها لم يكن نابعاً من كونها طرفاً في النزاع، لكنه قائم على قناعة مبدئية، قائلة: "لو كان أي شخص آخر هو صاحب القضية لكان رأيي هو نفسه، لأن الثقافة المصرية أكبر من أي شخص، وهي تمثل القوة الناعمة لمصر والنبراس للعالم العربي، ولذلك يجب ألا تحيط بمن يتولى مسؤوليتها أي شائبة".

معركة قانونية

وخاضت عبد الحميد معركة قانونية لإثبات حقها، وانتهت بسابقة نادراً ما تحدث في العالم العربي: أن يقدم مسؤول استقالته، إلى جانب إحياء النقاش حول حقوق الملكية الفكرية. وأكدت عبد الحميد أنها كانت تنظر إلى القضية باعتبارها دفاعاً عن حقوق جميع الكتاب، وليس عن حقها الشخصي، مضيفة: "لا أدافع عن حقي وحدي، وإنما عن حق كل كاتب يحترم قلمه وفكره وجهده، لأن التقاعس عن مواجهة التعدي على الملكية الفكرية يعني فتح الباب أمام تفشي الظاهرة".

وأشارت إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تزايداً في حالات السطو على المؤلفات، سواء عبر النقل المباشر أم عبر الاقتباس من دون الإشارة إلى المصادر، لافتة إلى أنها تعرضت في السابق لمواقف مشابهة، لكنها لم تلجأ إلى القضاء إلا في هذه القضية بسبب وضوح واقعة التعدي.

وكشفت عبدالحميد أن تقرير لجنة خبراء الملكية الفكرية أثبت أن نسبة الاقتباس بلغت نحو 50%، والأمر لم يقتصر على نقل بعض الفقرات، وإنما شمل صفحات وعناوين كاملة، والمقارنات الواردة في تقرير اللجنة تضمنت جداول تفصيلية بأرقام الصفحات في الكتابين، وهو ما وصفته بأنه "نقل شبه كامل لنص الكتاب". وهو ما حسم، بحسب قولها، واقعة التعدي بما لا يدع مجالاً للشك.

وعن تأثير القضية عليها، قالت عبد الحميد إنها خاضت "معركة ضارية" في صمت، بخاصة بعد تولي خصمها منصباً وزارياً، مشيرة إلى أنها تعرضت للتشكيك في نزاهتها من بعض الأطراف. لكن الحكم منحها شعوراً بالراحة، كاشفة للمرة الأولى أنها اتخذت قراراً باعتزال الكتابة إذا لم تتمكن من استرداد حقها الأدبي. واختتمت بأن"إحساس الكاتب عندما تُغتصب كلماته مرير، لكن بعد هذا الحكم توقدت شهيتي للكتابة مجددا".

قضية رأي عام

وأثارت القضية ردود فعل واسعة وحادة في الأوساط الثقافية المصرية، وتحولت إلى قضية رأي عام.

وأفاد رئيس اتحاد الناشرين المصريين فريد زهران بأن الجدل لم يبدأ مع حكم محكمة النقض، وإنما سبق تعيين الوزيرة في المنصب، إذ كانت قد صدرت ضدها ـ بحسب قوله ـ أحكام نهائية واجبة النفاذ. وأضاف أن تعيين وزيرة للثقافة في ظل وجود حكم واجب النفاذ أثار انتقادات داخل مصر وخارجها، بخاصة في المحافل الثقافية الدولية، موضحاً أن التبرير الرسمي آنذاك استند إلى أن الحكم لم يكن باتاً لوجود طعن بالنقض.

ورأى زهران أن صدور حكم محكمة النقض غيّر الوضع القانوني، معتبراً أن الوزيرة "أحسنت التصرف" بتقديم استقالتها، لأنها جنبت الدولة والأطراف المختلفة مزيداً من الحرج.

 وقال الروائي والباحث في علم الاجتماع عمار علي حسن إن استقالة وزيرة الثقافة جاءت خطوة صحيحة بعد صدور حكم نهائي، مؤكداً أن الحكم "باتّ ويثبت واقعة السرقة الأدبية بالدليل القاطع"، بعدما استند إلى تقرير لجنة من الخبراء أثبتت نقل صفحات كاملة من كتاب  عبد الحميد.

وأضاف في تصريحات إلى“النهار"، أن الواقعة تختلف عن أي حالة أخرى، لأن وزيرة الثقافة مسؤولة عن حماية الملكية الفكرية، فضلاً عن كونها باحثة تحمل درجة الدكتوراه، وهو ما فتح الباب - بحسب تعبيره - للتشكيك في مسيرتها الأكاديمية، ووضع الحكومة في موقف حرج أمام الرأي العام.

غياب الوعي بالملكية الفكرية

وفي تقييمها لواقع الملكية الفكرية، رأت عبد الحميد أن ثمة نقصاً واضحاً في الوعي، خصوصاً لدى أصحاب التجارب الأولى في الكتابة، موضحة أن كثيرين لا يدركون المحددات القانونية للاقتباس ولا يميزون بين نقل المعلومة والاستيلاء على الصياغة أو الأفكار. ودعت إلى تنظيم دورات تدريبية للتوعية بحقوق الملكية الفكرية، بالتوازي مع الدورات التي تُعقد لتعليم مهارات الكتابة، مؤكدة أن هذا الأمر أصبح ضرورة لحماية الإنتاج الفكري.

وأضافت أن المشكلة تبدو أكثر وضوحاً في مجال الكتابة التاريخية، إذ يعتقد البعض أن التاريخ مجرد سرد للوقائع، بينما هو في الأساس عمل بحثي يقوم على جمع المعلومات وتحليلها وصوغ رؤية خاصة بالمؤلف.
وقالت إن البعض اعتقد أن مجرد الإشارة إلى كتابها ضمن قائمة المراجع يبيح نقل أجزاء كبيرة منه، مؤكدة أن هذا فهم خاطئ لقواعد البحث العلمي، لأن ذكر المرجع لا يمنح الحق في نسخ المحتوى أو الاستيلاء على جهد المؤلف.

وفي ما يتعلق بضعف الوعي، أوضح علي حسن أن المشكلة لا تتعلق بالوعي فقط، بقدر ما ترتبط بتعمد السرقة، مشيراً إلى وجود ما وصفه بـ “السارق المتسلسل" الذي يكرر الانتحال كلما أفلت من العقاب.

ورأى زهران أن أزمة الملكية الفكرية لا تقتصر على النصوص القانونية، وإنما تمتد إلى ضعف الوعي لدى قطاعات مختلفة، سواء بين بعض العاملين في المجال القضائي أم داخل المؤسسات الثقافية.

وأضاف أنه رصد خلال السنوات الماضية نقصاً في الإلمام بقواعد الاقتباس والنسخ حتى لدى بعض المتعاملين مع قضايا الملكية الفكرية، لافتاً إلى أن بعض المسؤولين ينظرون إلى إتاحة الكتب مجاناً باعتبارها خدمة ثقافية ووطنية، من دون الالتفات إلى حقوق المؤلف والناشر. ولفت إلى وجود تصورات مجتمعية وفتاوى تعتبر نسخ الكتب أو إعادة نشرها وسيلة لنشر المعرفة، وهو ما يعكس ـ بحسب تعبيره ـ حاجة ملحة إلى نشر ثقافة احترام حقوق الملكية الفكرية بالتوازي مع تطوير التشريعات.

الملكية الفكرية لا تحظى بالحماية الكافية
يلاحظ أن احترام حقوق المؤلف لا يزال ضعيفاً في مصر والوطن العربي، وليس ثقافة منتشرة بعد، إذ تتعرض الكتب والمقالات والأبحاث للسرقة بصورة متكررة، كما تعاد طباعة كتب بشكل غير قانوني في نسخ رديئة تباع بأسعار منخفضة، بما يضر بحقوق المؤلفين ودور النشر. وهو ما أكده علي حسن بقوله إن هذه الظاهرة تطال بشكل خاص الكتب الأكثر مبيعاً، لافتاً إلى أن محاولات اتحاد الناشرين العرب واتحاد الناشرين المصريين لتطوير تشريعات الملكية الفكرية أو الدفع نحو تطبيقها بفاعلية لم تحقق النتائج المرجوة بعد، في ظل وجود وسائل متعددة يستخدمها المعتدون على الحقوق الفكرية للتحايل على القوانين.

وذكر أن الأزمة لم تعد تقتصر على إعادة طباعة الكتب، لكنها امتدت إلى تأليف كتب كاملة تُنسب زوراً إلى كتاب ومفكرين أجانب بهدف جذب القراء، مؤكداً أن بعضها "منتحل من الألف إلى الياء".

ورأى أن انتشار الذكاء الاصطناعي ساهم في تفاقم المشكلة، مع ازدياد إنتاج المقالات والأبحاث والكتب بواسطة إلى جانب انتشار "ورش التأليف" التي تكتب الأعمال الأدبية والفنية ثم تُنسب في النهاية إلى أشخاص آخرين، معتبراً أن ذلك يمثل اعتداءً منظماً على حقوق الملكية الفكرية.

مطالب بتغليظ العقوبات
وأكد زهران أن ملف حقوق الملكية الفكرية أكبر من اختزاله في هذه القضية، مشيراً إلى أن الواقعة الأخيرة المتعلقة بوزيرة الثقافة أعادت تسليط الضوء على أزمة تشريعية ومؤسسية ممتدة منذ سنوات.

وقال زهران لـ "النهار" إن هناك هيئة وطنية للملكية الفكرية قائمة في مصر، إلا أن اتحاد الناشرين المصريين لا يزال غير ممثل فيها، وهو ما وصفه بأنه أحد أوجه الخلل التي تستوجب المعالجة.

وأوضح أن اتحاد الناشرين يطالب منذ فترة بإجراء تعديلات على قانون الملكية الفكرية، وتشديد العقوبات على جرائم التعدي على حقوق المؤلف، إلى جانب تمثيل الاتحاد داخل الهيئة الوطنية للملكية الفكرية، باعتباره الطرف الأكثر ارتباطاً بقضايا النشر والكتب. 

واختتم زهران تصريحاته بالتأكيد على أن حماية الملكية الفكرية تتطلب معالجة متكاملة تشمل تحديث التشريعات، وتشديد العقوبات، وتمثيل أصحاب المصلحة داخل المؤسسات المعنية، إلى جانب رفع الوعي المجتمعي بأهمية احترام حقوق التأليف والإبداع.

ودعا علي حسن إلى تبني إجراءات رادعة تبدأ من مراحل التعليم الأولى عبر ترسيخ مفهوم البحث العلمي القائم على الجهد الشخصي، وليس تشجيع الطلاب على النقل والنسخ. كما انتقد استمرار ظاهرة إعداد الأبحاث والرسائل العلمية مقابل المال، مطالباً بتطبيق صارم للقانون، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في انتحال أو تزوير أو إعادة طباعة المصنفات، معتبراً أن تنفيذ القانون بجدية هو أحد السبل لتقليص هذه الظاهرة، التي تمتد أيضاً إلى تزوير الكتب والأعمال الفنية في ظل غياب الردع الكافي.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 7/8/2026 11:54:00 AM
تساءل مستخدمون عن صحة هذا الخبر، وتمنى بعضهم أن يكون صحيحاً.
لبنان 7/9/2026 12:40:00 PM
هذه القصص تبقى للمؤمنين رسائل أمل تتجاوز الحدود
فن ومشاهير 7/5/2026 4:53:00 PM
وكان خان قد كشف عن علاقتهما للمرة الأولى خلال احتفاله بعيد ميلاده الستين، عندما قدّم غوري أمام وسائل الإعلام بوصفها شريكة حياته.
فن ومشاهير 7/7/2026 4:42:00 PM
شاركت مجموعة من الصور التي جمعتهما خلال حضورهما حفل زفاف تايلور سويفت وترافيس كيلسي.