بيوت هُدمت وذاكرة لم تُهزم في معرض "احكيلي يا جنوب"

ثقافة 08-07-2026 | 10:10

بيوت هُدمت وذاكرة لم تُهزم في معرض "احكيلي يا جنوب"

البيوت قد تُهدم لكن الحكايات قادرة على مقاومة النسيان ونقل هوية الجنوب من جيل إلى آخر.
بيوت هُدمت وذاكرة لم تُهزم في معرض "احكيلي يا جنوب"
جانب من معرض “احكيلي يا جنوب“ في بيت بيروت. (النهار)
Smaller Bigger

أديبة قصّاب

ليس كل ما يُفقد يختفي. هناك ذاكرة تبقى حيّة في صورة قديمة، ورسالة كُتبت على عجل، ومفتاح لم يعد يفتح باباً، ورائحة بيت ما زالت عالقة في الوجدان. هذه الفكرة تشكّل جوهر معرض "احكيلي يا جنوب"، الذي يجمع أرشيفاً إنسانياً يوثّق تاريخ جنوب لبنان من خلال قصص أهله وتجاربهم وذكرياتهم.

 

معرض عن الأرض والذاكرة

المعرض مُقام في "بيت بيروت"، المبنى نفسه الذي كان شاهداً على الحرب الأهلية اللبنانية. يلتقي بيتٌ حمل ذاكرة حرب مع أرشيف يروي ذاكرة حرب أخرى، ليؤكد أنّ الجنوب، مثل بيروت، له ذاكرة لا تُمحى.

 

جانب من معرض “احكيلي يا جنوب“ في بيت بيروت. (النهار)
جانب من معرض “احكيلي يا جنوب“ في بيت بيروت. (النهار)

 

يأخذ المعرض الزائر في رحلة تتنقل بين الوثائق الشخصية، والصور العائلية، والأعمال الفنية، والتركيبات التفاعلية، ليقدّم رواية مختلفة عن الجنوب؛ رواية يكتبها الناس العاديون عبر تفاصيل حياتهم اليومية، بعيداً عن السرد التقليدي للأحداث.

وثائق تروي حياة عاشها الجنوبيون

من بين أقسام المعرض، هناك مجموعة من الوثائق النادرة التي توثّق محطات مفصلية من تاريخ الجنوب. من أبرزها تصاريح العبور التي كان الأهالي يُجبرون على استخراجها للتنقل بين القرى الجنوبية، إلى جانب رسالة كتبها أحد المعتقلين من داخل معتقل أنصار عام 1984 إلى عائلته، في شهادة مؤثرة تختصر سنوات الاعتقال والانتظار والخوف.

 

جانب من معرض “احكيلي يا جنوب“ في بيت بيروت. (النهار)
جانب من معرض “احكيلي يا جنوب“ في بيت بيروت. (النهار)

 

تتحول هذه الوثائق من أوراق محفوظة إلى شهادات حيّة تعكس تفاصيل الحياة اليومية التي عاشها أبناء الجنوب خلال مراحل مختلفة من تاريخهم.

"مفاتيح بلا بيوت"

يخصص المعرض مساحة لمشروع "مفاتيح بلا بيوت" الذي يوثق علاقة أصحاب المنازل المدمرة بالمفاتيح التي احتفظوا بها رغم فقدان البيوت نفسها. ويعرض المشروع قصص أشخاص من علما الشعب والنبطية وكفررمان، فقدوا منازلهم خلال الحرب، لكنهم احتفظوا بما استطاعوا إنقاذه من تحت الركام. 

 

جانب من معرض “احكيلي يا جنوب“ في بيت بيروت. (النهار)
جانب من معرض “احكيلي يا جنوب“ في بيت بيروت. (النهار)

 

ومن أكثر القصص تأثيراً، تجربة الرسام هشام طقش الذي خسر معظم أعماله الفنية بعد تدمير منزله، ولم ينجُ سوى عدد محدود من لوحاته، بينما بقيت الأخرى "مفقودة الأثر" على حدّ تعبيره.

نساء يوثقن الحرب أثناء وقوعها

يقدّم المعرض تجربة مختلفة من خلال مشروع "بعد العشاء" الذي يوثق شهادات أربع نساء نازحات من قرى جنوبية حدودية.

 

جانب من معرض “احكيلي يا جنوب“ في بيت بيروت. (النهار)
جانب من معرض “احكيلي يا جنوب“ في بيت بيروت. (النهار)

 

تميز العمل بأنه لم ينتظر انتهاء الحرب ليبدأ التوثيق، بل انطلقت التسجيلات بينما كانت الحرب لا تزال مستمرة. وتحكي النساء عن طفولتهن، وعلاقتهن بالأرض، وتجارب النزوح المتكررة، والحنين المستمر إلى القرى التي لم يتمكنّ من العودة إليها حتى اليوم.

بيت اختفى وصور لم تكتمل

يضم المعرض أيضاً عملاً بصرياً يوثق محاولة الفنانة المشاركة سما بيضون تصوير منزل جدّيها في إحدى القرى الجنوبية على مدى سنوات، لكن كلّ محاولة واجهت خللاً غير متوقع؛ مرة تعطلت الكاميرا، ومرة ظهرت الصور بلون مختلف، وفي مرة أخرى اختفت الصور بالكامل. واليوم، لم يعد ذلك البيت قائماً أصلاً، فقد كان جزءاً من ضيعة محيت بالكامل تحت القصف.

 

جانب من معرض “احكيلي يا جنوب“ في بيت بيروت. (النهار)
جانب من معرض “احكيلي يا جنوب“ في بيت بيروت. (النهار)

 

وتحوّل هذا الفشل التقني إلى عمل فني يعكس هشاشة الذاكرة، وكيف يمكن للزمن والفقدان أن يغيّرا حتى الطريقة التي نتذكر بها الأماكن، خصوصاً حين يصبح المكان نفسه أثراً لا يمكن العودة إليه إلا عبر الصورة أو الذاكرة.

"عندما اقترب موسم الرمان"

يستوحي هذا العمل مادته من حوار دار بين رباب شمس الدين ووالدها في آب/أغسطس 2024، حاولت خلاله إقناعه بترك الضيعة. وتعرض الغرفة صوراً توثّق تفاصيل الحياة اليومية، وعلاقة الإنسان بالطبيعة والبيئة المحيطة به.

 

جانب من معرض “احكيلي يا جنوب“ في بيت بيروت. (النهار)
جانب من معرض “احكيلي يا جنوب“ في بيت بيروت. (النهار)

 

وتتحدث رباب في عملها عن أنّ الطبيعة لا تتوقف مهما جرى من حولها؛ فالنساء اللواتي يظهرن في الفيديو قد يخرجن لدفن فلذات أكبادهن، ليعدن في اليوم التالي إلى الحصاد والعمل في الأرض، لأن الطبيعة لا تنتظر أحداً.

المطبخ الجنوبي... ذاكرة تُشم وتُلمس

لا يقتصر المعرض على الوثائق والصور، بل يمنح الزائر تجربة حسية كاملة عبر إعادة تكوين مطبخ جنوبي تقليدي، بما يحمله من روائح ومكونات ارتبطت بالحياة اليومية، مثل الزعتر، والكشك، والبرغل، والزيتون، والكمونة، والكبة، والزيت.

 

جانب من معرض “احكيلي يا جنوب“ في بيت بيروت. (النهار)
جانب من معرض “احكيلي يا جنوب“ في بيت بيروت. (النهار)

 

كما يضم أرشيفاً يوثق تاريخ زراعة التبغ في الجنوب من خلال صور ووثائق خاصة بـ"الريجي"، في استحضار لذاكرة مهنة شكّلت جزءاً أساسياً من حياة آلاف العائلات.

غرفة الجدة حيث الذكريات

تأخذ إحدى الغرف الزوار إلى أجواء المنزل الجنوبي التقليدي، من خلال غرفة نوم مستوحاة من شخصية الجدة باعتبارها حافظة ذاكرة العائلة.

 

جانب من معرض “احكيلي يا جنوب“ في بيت بيروت. (النهار)
جانب من معرض “احكيلي يا جنوب“ في بيت بيروت. (النهار)

 

يمكن للزائر فتح الأدراج والخزائن، واستكشاف الأغراض القديمة، وشم روائح الثياب والعطور، في تجربة تفاعلية تستحضر تفاصيل الحياة المنزلية التي بقيت راسخة في الذاكرة رغم مرور الزمن.

أرشيف النبطية... ووثائق نادرة من الماضي

يعرض المعرض أيضاً أرشيفاً يوثق تاريخ مدينة النبطية عبر صور ووثائق وخرائط تاريخية، إضافة إلى تسجيلات وفيديوهات أرشيفية نادرة تُظهر ملامح المدينة وأسواقها وحياتها الاجتماعية في عقود سابقة، لتشكل نافذة على التحولات التي شهدتها المنطقة عبر الزمن.

توأم رقمي لقلعة الشقيف

ومن بين الأعمال المميزة، مشروع رقمي يوثق قلعة الشقيف الأثرية بتقنيات حديثة، بهدف حفظ تفاصيلها للأجيال المقبلة، خاصة بعد الأضرار التي تعرضت لها خلال الحرب الأخيرة.

 

جانب من معرض “احكيلي يا جنوب“ في بيت بيروت. (النهار)
جانب من معرض “احكيلي يا جنوب“ في بيت بيروت. (النهار)

 

كما يضم المعرض ألبومات صور عائلية من قرى الجنوب، إلى جانب مجموعة من النباتات المحلية التي تعكس التنوع الطبيعي والهوية البيئية للمنطقة.

مساحة لحفظ الذاكرة

لا يكتفي "احكيلي يا جنوب" بعرض مقتنيات قديمة أو أرشيف تاريخي، بل يطرح سؤالاً عميقاً حول ما يبقى من المكان بعد الحرب. وبين الرسائل، والمفاتيح، والروائح، والصور، والأصوات، تتحول الذاكرة إلى البطل الحقيقي للمعرض، مؤكدة أن البيوت قد تُهدم، لكن الحكايات تبقى قادرة على مقاومة النسيان ونقل هوية الجنوب من جيل إلى آخر.

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 7/5/2026 4:53:00 PM
وكان خان قد كشف عن علاقتهما للمرة الأولى خلال احتفاله بعيد ميلاده الستين، عندما قدّم غوري أمام وسائل الإعلام بوصفها شريكة حياته.
موضة وجمال 7/6/2026 2:00:00 PM
الأبيض الرومانسي ينافس الألوان الجريئة
موضة وجمال 7/6/2026 5:06:00 PM
تعكس هذه الإطلالة توجّهاً بات يميّز ظهور آية السيسي، إذ سبق أن لفتت الأنظار خلال افتتاح المتحف المصري الكبير في تشرين الثاني/نوفمبر 2025.