سبعون عاماً على مهرجانات بعلبك... إلغاء الحفلات لا يلغي تاريخها

ثقافة 06-07-2026 | 17:53

سبعون عاماً على مهرجانات بعلبك... إلغاء الحفلات لا يلغي تاريخها

عودة إلى إرثٍ جعل من مدينة الشمس منصةً عالمية للثقافة، رغم صمت الحرب وإلغاء الدورة الحالية.
سبعون عاماً على مهرجانات بعلبك... إلغاء الحفلات لا يلغي تاريخها
أوبرا "كارمن" عام 2025. (أ ف ب)
Smaller Bigger

في مثل هذه الأيام من تموز/يوليو، كان على أدراج معبد باخوس أن تخلع ثوب الصمت المهيب، لتتألق تحت أضواء مهرجانات بعلبك الدولية وتتحول إلى مسرح كوني يضج بالصخب والجمال.

لكن اليوم، وفي غمرة الهدوء القسري الذي تفرضه ظروف الحرب الراهنة، والتي أدّت إلى إلغاء فعاليات المهرجان، لا نملك إلا أن ننبش في دفاتر النوستالجيا، ليس بكاءً على أطلال الفرح، بل إنعاشاً لذاكرة وطنٍ صُنعت هويته الثقافية من حجارة هذه القلعة التاريخية.

 

70 عاماً من صناعة الذاكرة الثقافية

مع حلول الذكرى السبعين لتأسيس المهرجانات، تبرز الحاجة الملحة إلى عملية "استحضار" حقيقية تنبش في عمق التاريخ، فهذه الأرض لم تكن يوماً غريبة عن الطقوس والاحتفالات الفنية الكبرى. منذ عهد تقديس إله الشمس، ومنذ العصر الروماني حين تحولت هليوبوليس إلى قبلة الإمبراطورية، كانت القلعة عاصمة للاحتفاء بالفنون والبهجة.

 

فيروز في مهرجانات بعلبك.
فيروز في مهرجانات بعلبك.

 

ولم يكن اختيار أدراج معبد باخوس مكاناً للمهرجانات المعاصرة مصادفة، بل هو امتداد لطقوس الماضي، حيث خصص الرومان هذا المعبد تحديداً لإله الخمر والمسرح. وثمة تقاطع فلسفيّ عميق هنا، فمثلما كان الخمر عند القدامى وسيلة للتحرر وبلوغ النشوة، تجلى الفن على هذه الأدراج ليمنح العشاق "سكرة" من نوع آخر، سكرة ترتقي بالروح وتنتشلها من رتابة الأرض وقسوتها إلى رحاب الجمال المطلق.

لقد تحول المعبد من محراب للطقوس القديمة إلى مسرح كوني تشهد ساحاته وأروقته مواكب احتفالية مهيبة تضج بالرقص والأنغام التي تحتفي بالحياة والخصب. والمهرجانات المعاصرة ليست إلا امتداداً ثقافياً لهذا الإرث العتيق المطبوع في مسام الحجارة منذ آلاف السنين.

من هذا العمق التاريخي السحيق، قادت المهرجانات في عقودها الأخيرة عملية توليد مستمرة لـ"جواهر" إبداعية لا تتكرر ولا تموت، هناك، ولدت الأغنية الرحبانية وتجذرت في الأرض بصوت فيروز الذي امتزج بأعمدة الشمس الستة حتى صار جزءاً من جغرافيتها وهويتها. وهناك، التقت حضارات العالم، من وقفة كوكب الشرق أم كلثوم التاريخية، وصوت وديع الصافي الذي هزّ بمواويله أركان المعبد، إلى لوحات فرقة "كركلا" التي خطت بالجسد والحركة هوية بعلبكية خالصة.

 

مسرحية “ألف ليلة وليلة“ لكركلا عام 2002.
مسرحية “ألف ليلة وليلة“ لكركلا عام 2002.

 

كانت بعلبك، كذلك، المغناطيس الذي جذب أساطير الفن الغربي والعالمي الذين انحنوا تقديراً أمام عظمة التاريخ، وتركوا بصمات لا تُمحى على أدراجها. فمن ينسى عبق الجاز الذي نثره الساحر لويس أرمسترونغ وديزي غيليسبي بين الأعمدة الستة، أو النغمات السيمفونية الرفيعة التي قادها المايسترو الخالد هربرت فون كارايان؟ هؤلاء وغيرهم مرّوا من هنا، وتركوا خلفهم أصداء عالمية جعلت من مدينة الشمس عاصمة كونية للثقافة.

في السياق، يشدد عضو اللجنة التنفيذية للمهرجانات المهندس حماد ياغي على قيمة هذا الإرث الباقي قائلاً: "حين نسترجع اليوم أمجاد القلعة وأصداء ماضيها، ندرك أننا لا نتحدث عن تاريخ غابر، بل عن حاضرٍ حي يسكننا جميعاً، بعلبك ليست حجارة صامتة، بل هي مخزن للجمال والفرح اللبناني والعالمي".

ويضيف: "نعم، يمرّ متذوقو الفن والثقافة اليوم بمرحلة يصعب فيها الوصول إلى رحاب القلعة وعيش سحرها ميدانياً بسبب الحرب التي فرضت إلغاء حفلاتنا، لكن هذه النوستالجيا التي تجمعنا هي الضمانة بأن الشعلة لم تنطفئ، وأننا ننتظر اللحظة التي نفتح فيها الأبواب مجدداً لعشاق مدينة الشمس".

 

حفل أم كلثوم في بعلبك.
حفل أم كلثوم في بعلبك.

 

وبينما تطفئ المهرجانات شمعتها السبعين وسط صمت الساحات، تبقى هذه الجواهر خالدة وحاضرة في أعماقنا، وإن كانت محاصرة بقسوة الظروف التي تجعل الوصول إليها والعيش في رحاب سحرها أمراً غاية في الصعوبة.

إنها غصّة الحاضر الشديدة، حيث يقف الشغوفون بالجمال على ضفاف الحنين، عاجزين عن لمس ذلك الألق الذي كان يوماً متاحاً بلمحة عين، ومكتفين باسترجاع مخزون الذاكرة ليقيهم برد الغياب.

ستبقى بعلبك، كما كانت دائماً عبر آلاف السنين، أكبر من الحروب وأقوى من العزلة، وستظل هذه النوستالجيا التي نعيشها ونكتبها وعداً حقيقياً، وعداً بأنّ الجواهر المخبّأة خلف أسوار القلعة تنتظر فقط إشارة البدء، لتعود وتضيء سماء مدينة الشمس، وتشرّع الأبواب لاستقبال عشاقها ومتذوقيها الذين لم ينسوا يوماً طريق الأدراج، ولن يضلوا عنها.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 7/4/2026 11:17:00 PM
حمل الجنسيتين السورية واللبنانية ومتورط في جرائم مخدرات مرتبطة بالإرهاب.
سياسة 7/4/2026 3:04:00 PM

بعد 20 يوماً على انقطاع الاتصال بالشبان الأربعة قرب بلدتي برعشيت ومجدل سلم، نجحت دورية من الجيش اللبناني في العثور على جثثهم في وادي السلوقي، وبينهم الجريح محمد علي حسن.

حول العالم 7/4/2026 10:27:00 AM
يُعد الهيمبا من أكثر القبائل وداً في أفريقيا، لكنهم يرفضون أي ممارسات قد تهدد قيمهم وتقاليدهم.

فن ومشاهير 7/3/2026 11:00:00 AM
كشفت النجمة لبلبة في برنامج باب الخلق مع محمود سعد عن الأسباب الحقيقية وراء عدم زواجها مجدداً بعد الفنان حسن يوسف، وعلاقة النجم الكبير عادل إمام بالأمر.