معرض "في الغياب"... مساحة هشّة بين الذاكرة والاختفاء
أمام هيمنة الصور الفورية والاستهلاك البصري المتواصل، يختبر معرض "في الغياب" (In Absentia) - أول معرض فردي للمصوّر الفوتوغرافي اللبناني الكندي نديم نصّار - طريقةً مختلفة جذرياً للنظر.
المعرض من تنسيق القيّمة الفنية تارا رحمة، التي تفسح للجمهور المجال إلى التمهّل والتوغّل في تلك المساحة الدقيقة التي تتقاطع فيها الذاكرة والغياب والإدراك. ويضمّ 21 صورة فوتوغرافية، غير أنّه لا ينشغل بتوثيق الأماكن بقدر ما يسعى إلى الكشف عمّا يظل عالقاً بعد انقضاء اللحظة. ويتجلّى "في الغياب" كتأمل بصري في الآثار والبقايا أكثر منه في الأحداث، ليختبر المشاهد التصوير الفوتوغرافي كلغة عاطفية قادرة على حفظ ما يتعذّر تسميته بسهولة.
الذاكرة مادة الصورة
تقوم تجربة نصّار الفنية عن قصد على حالتين بصريتين متعارضتين. فبعض الأعمال يذوب في الحركة عبر استخدام التعريضات الطويلة، بما يسمح للأشكال بأن تتلاشى في إيماءات وانطباعات عابرة. في المقابل، تحتفي أعمال أخرى بالدقة والسكون، ملتقطةً لحظات هادئة بوضوح استثنائي. ويشكّل هذا التأرجح بين التلاشي والتحديد محور اللغة البصرية للمعرض، إذ يعكس الطبيعة غير المستقرة للذاكرة نفسها، حيث تتلاشى بعض التفاصيل فيما تبقى أخرى حيّةً في كامل وضوحها.

أما ما يوحّد هذه السلسلة فهو استخدامها التعبيري للّون. فبدلاً من إعادة إنتاج المشاهد بأمانة توثيقية، يشيّد نصّار عالماً لونياً يتوافق مع التجربة العاطفية. فيغدو الأزرق استعارةً للمسافة والمنفى، بينما تستحضر الذهبيات المضيئة فعل التذكّر، في حين توحي الظلال العميقة بالحيّز الخفي الذي تستقر فيه الذكريات بهدوء. وبهذا المعنى، يؤدي اللون دوراً سردياً يقود المشاهد عبر تضاريس عاطفية متبدّلة.
تعزّز عناوين الأعمال، مثل "بين هنا والرحيل" (Between Here and Gone)، و"الصمت الذي يعقب" (The Silence After)، و"ما يستعيده البحر" (What the Sea Takes Back)، و"في المنفى" (In Exile)، و"الذي بقي" (The One That Stayed)، هذه الحساسية الشعرية. كما تتكرر عناصر الطبيعة في أنحاء السلسلة وتتخذ وظيفة الاستعارة؛ فالماء والضوء والأشجار والحجر تتحول إلى أوعية للذاكرة، بما يوحي بأن الغياب حضور باقي يواصل تشكيل إدراكنا للعالم.

يقاوم المعرض الإيقاع المتسارع للحياة المعاصرة؛ فبدلاً من المطالبة بتفسير فوري، تتطلّب الصور الفوتوغرافية تأمّلاً متواصلاً، إذ تطلب من المشاهد أن يتوقف زمناً كافياً كي تنكشف التفاصيل البصرية والعاطفية الدقيقة. وهو نهج يحوّل صالة العرض إلى فضاء تأملي، يصبح فيه النظر شكلاً من أشكال التفكير لا الاستهلاك.
تجربة أولى بحضور دولي
ورغم أن هذا المعرض يمثّل أول تجربة فردية لنديم نصّار، فإن أعماله حصدت بالفعل تقديراً دولياً بارزاً. فقد نالت إحدى صوره، ضمن فئة "العمارة، الضوء والظل" (Architecture, Light and Shadow)، الجائزة البلاتينية في جوائز MUSE Photography Awards لعام 2025، فيما اختيرت صورة شقيقة للمعرض بعنوان "هَلْوَسَة" (Hallucination) للمشاركة في مهرجان خانيا الدولي للتصوير الفوتوغرافي في اليونان، الذي يُقام بين 9 و16 تموز/يوليو 2026. وتؤشر هذه المشاركات والجوائز إلى تشكّل تجربة فنية آخذة في ترسيخ حضورها، تجمع بين الحساسية الجمالية والدقة التقنية.

ومن خلال "في الغياب"، يقدّم نديم نصّار باكورة فردية واثقة ومدروسة بعناية، ويعلن منذ تجربته الأولى مشروعاً بصرياً واضح الملامح. فبدلاً من تقديم إجابات حاسمة، يحتفي المعرض بالالتباس، داعياً المشاهدين إلى تأمل العلاقة الهشّة بين الحضور والاختفاء. وبهذا، يرسّخ التصوير الفوتوغرافي فضاءً تُواصل فيه الذاكرة تنفّسها، حتى بعد أن تكون اللحظة نفسها قد تلاشت.
* يُقام المعرض في "غاليري بلو روز" في بيروت بين 2 و6 تموز/يوليو 2026، على أن يُفتتح باستقبال رسمي في 2 تموز عند الساعة السادسة مساءً.
نبض