في حلقة ملهمة من "بودكاست مع نايلة"، استضافت نايلة تويني فيليب جبر، رجل الأعمال العالمي، والمستثمر، وصاحب المبادرات الخيرية، الذي أمضى أكثر من أربعة عقود في أهم المراكز المالية العالمية قبل أن يعود إلى لبنان حاملاً معه خبراته وشغفه بالفن والتعليم والعمل الإنساني. في حديث امتد بين محطات حياته المختلفة، كشف جبر عن فلسفته في النجاح، ورؤيته لمستقبل الشباب، وإيمانه بأن الفضول والتعلّم المستمر هما مفتاحا المستقبل.
من هو فيليب جبر؟
تستهل نايلة حديثها بسؤال يبدو بسيطاً لكنه يحمل الكثير من العمق: "من هو فيليب جبر؟"، الذي يجيب بأن الإنسان هو من يختار هويته ويصنعها بنفسه. بالنسبة إليه، لا تُختصر الشخصية بالمهنة أو المنصب، بل تتشكل عبر التجارب والقرارات التي يتخذها الإنسان في مختلف مراحل حياته. هذه الفلسفة رافقته منذ مغادرته لبنان وحتى عودته إليه بعد عقود طويلة، لتصبح البوصلة التي وجّهت خياراته المهنية والإنسانية.
رحلة بدأت بالحرب وانتهت بالعودة إلى الوطن
غادر جبر لبنان عام 1976 بسبب الحرب، ليكمل دراسته في الخارج بعدما أصبح التعليم داخل البلاد شبه مستحيل. تنقل بين فرنسا وكندا والولايات المتحدة، حيث درس الاقتصاد ثم نال ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة كولومبيا، قبل أن يبدأ مسيرته المهنية في نيويورك وهو في الثالثة والعشرين من عمره. ويصف نفسه بأنه كان "مستعجلاً" في الدراسة وفي الحياة، الأمر الذي دفعه إلى دخول سوق العمل مبكراً. وبعد 45 عاماً من العمل في الولايات المتحدة ولندن وسويسرا، عاد إلى لبنان عام 2021، مؤكداً أن العودة كانت قراراً مقصوداً لأن لبنان لم يغادره يوماً، بل بقي حاضراً في وجدانه طوال سنوات الاغتراب.
النجاح يبدأ بالشغف لا بالمال
حقق فيليب جبر نجاحاً لافتاً في عالم إدارة المحافظ الاستثمارية، لكنه يؤكد أن المال لم يكن الدافع الأساسي وراء هذا النجاح. فالمهنة كانت بالنسبة إليه مصدر شغف وتحدٍ فكري، ولذلك تفوق فيها. أما المكافآت المالية والمكانة الاجتماعية فجاءتا لاحقاً كنتيجة طبيعية للاجتهاد. ومن هنا يوجّه نصيحته إلى الشباب بأن يختاروا المجالات التي تستفز فضولهم وتثير اهتمامهم، لأن النجاح الحقيقي يبدأ بالشغف لا بالسعي وراء العائد المادي فقط.
"ألماسة"... إرث عائلي صمد في وجه الأزمات
عندما سألته نايلة تويني عن كلمة "ألماسة"، لم يتحدث فيليب جبر عن شركة فحسب، بل عن جزء من تاريخ عائلته. ويوضح أن الاسم الذي اختاره جده وشركاؤه لم يكن مجرد علامة تجارية، بل رمزاً للصمود والاستمرارية، واستطاعت أن تحافظ على مكانتها رغم الظروف الصعبة التي مر بها لبنان. ويقول جبر إن "ألماسة" استحقت اسمها لأنها بقيت متألقة حتى في أصعب المراحل، مؤكداً أن مستقبل الشركة لا يتوقف عند السوق اللبنانية، إذ يخطط مع فريقه لتوسيع حضورها في أسواق جديدة، انطلاقاً من قناعته بأن العالم مليء بالفرص، وأن الطموح لا يجب أن تحدّه الحدود.
من الأسواق المالية إلى عالم الفن
بعد مسيرة طويلة في القطاع المالي، وجد جبر نفسه أمام دور جديد يتمثل في جمع الأعمال الفنية اللبنانية والمحافظة عليها. ويروي كيف خسر في بداياته مجموعة من اللوحات التي احترقت أو سُرقت خلال الحرب، إلا أن تلك التجربة لم تدفعه إلى التخلي عن شغفه، بل زادته إصراراً على دعم الفن اللبناني وحماية إرثه. ويؤمن بأن اللوحة تحمل ذاكرة الشعوب، ولذلك يردد مقولته: "الكلام يُنسى، أما اللوحة فتبقى".
التعليم... رسالة شخصية قبل أن يكون عملاً خيرياً
لا يفصل جبر العمل الخيري عن تجربته الشخصية. فهو يعترف بأن شعوراً بالامتنان، وربما بالذنب، رافقه لأنه حظي بفرصة الدراسة في الخارج، بينما حُرم كثير من زملائه منها بسبب الحرب. لذلك قرر تحويل هذا الشعور إلى مبادرات عملية لدعم الطلاب وتمويل تعليمهم، انطلاقاً من قناعته بأن التعليم هو الاستثمار الأكثر أهمية، وأن منح الفرص المتساوية للشباب كفيل ببناء مستقبل أفضل للمجتمع.
الذكاء الاصطناعي... فرصة لمن يعرف كيف يستخدمها
يرى فيليب جبر أن الذكاء الاصطناعي ليس خطراً مطلقاً ولا فرصة مطلقة، بل أداة ستغيّر سوق العمل بصورة جذرية. لذلك يدعو الشباب إلى تعلّم استخدامه بدل الخوف منه، مع الحفاظ على التفكير النقدي والمرونة والقدرة على التكيّف مع التغيرات المتسارعة. وبرأيه، لن يكون النجاح في المستقبل من نصيب من يحفظ المعلومات، بل من يواصل التعلّم ويملك فضولاً دائماً لاستكشاف كل جديد.
رسالة إلى الشباب اللبناني
يختتم جبر حديثه برسالة مفعمة بالأمل. فهو يؤكد أن أكثر ما يخشاه هو أن يفقد الشباب حافزهم، لكنه في الوقت نفسه يؤمن بأن اللبنانيين يمتلكون قدرة استثنائية على النجاح أينما وجدوا. ويدعوهم إلى السفر، والانفتاح على العالم، واكتساب المعرفة، ثم توظيف هذه الخبرات لخدمة وطنهم عندما تسمح الظروف.
نبض