الهجر الشقي في رواية "عشق المناديل"

الهجر الشقي في رواية "عشق المناديل"
الغلاف.
Smaller Bigger
  "عشق المناديل" للكاتب حكمت بشنق، رواية متوسطة في حجمها، شاسعة في معانيها. نسج كاتبها خيوط الألم والأمل على إيقاع هجرٍ توسّل الحدس، كي يقترب الحدث.

اختار بشنق في عنوان الرواية أن يلعب باللغة، ويحوّله من جملة اسميّة إلى صفة، تعمّد ان يكون لها دلالة على المضمون قبل القراءة. ولعلّه بهذا التلاعب يبحث عن إحداث بلبلة في ذهن القارئ، من خلال توجيهه إلى مصيدة القراءة.

يشدّ الكاتب القارئ من خلال كشف جزء من الكلّ، إلى لعبة تشبه الكشف بالتقسيط أو على مراحل. فيجعله يتابع القراءة في مواجهة ترغيب تكاد تكون شبقيّة، بحيث انتظار القادم من أحداث الرواية يزيد في اللهفة. وانزياح الستارة عن الأحداث شيئاً فشيئاً يؤجّج الشوق لمعرفة الآتي.

يستحوذ الغياب ضمن السرد البسيط الجميل على وجدان الذات الساردة تعمّقاً في الصفحات، فيستحضره الكاتب غائباً حاضراً لملء فراغات الروح، وإشباع نهم استبدّ بها. فيتحوّل الأمل باللقاء أداة دفاع ضد اليأس الذي يسري برده في الجسد بفعل الغياب. ويلمس القارئ اشتغال الكاتب على توصيف الوجدانيّات، لتوريط المتلقي في الإنحياز إلى هذه الأرواح المعذّبة بفعل الفقد والغياب. 

وإذا كان الصراع محسوماً بين الكاتب وقارئه، من خلال تتبع الأخير لأحداث الرواية والاستمتاع بالحبكة، وتحليل عقدة الرواية بانتظار نهايتها للوقوف على حلّ هذه العقدة، فبشنق أجّج الصراع وجعله مفتوحاً بين الذات الإنسانيّة وخيالها، وملأ هذا الخيال بحضور الحبيب في مقابلة مع الذات الخاوية من حضور حبيبه. ويمضي القارئ في الطريق الذي رسمه كاتب "عشق المناديل" له، كي يتعاطف مع شخصيّات الرواية، مشدوهاً من التعبير عن الخواء الذي جعله تعبيراً عن الإمتلاء بهذا الغائب الحاضر، إمتلاءً يصل إلى حدّ الألم.

ينقلك الراوي المقتدر من مدينة إلى مدينة، ومن حدث إلى آخر بسلاسة وشغف المتابعة. وهنا عند قراءة القسم الأوّل من الرواية، ينقلنا بشنق من زمن إلى آخر، ليس بسبب أحداث الرواية وحسب، بل بسبب أحاسيسنا التي اكتسبت حنين العودة إلى الماضي من خلال القراءة، فأعادنا إلى مرحلة المراهقة وكأنّنا نقرأ "روايات عبير". 

وصفُ بشنق للحبّ خفقانُ قلب يسائل العشق في مدى، ويمزج العشّاق إكسير الصدق بجمر الحبّ، ممتزجاً في ذرى الانتصار على الذات من أجل الحبيب؟ فهل هذا ما يفعله الحبّ؟ "أنا لست أنا! ماذا تغيّر بي ولِمَ هذا التوتّر؟! (صفحة 17)

خواطر المحبّين كانت صلاة شرقيّة، في جحيم الهجر الشقي، حتى سال الدمع من أحداق سحريّة، وابتلّت المناديل التي تحوي رسائل رغبات دفينة قارؤها الوحيد كاتبها، هي رسائل انفرجت عن حبيب يقبع في الذكريات، يقلق الثورة الداخليّة، يقلب كتاب العمر، فيستوطن في الكيان شهد الكلمات المبتلّة بدموع العينين. "سقطت منه دمعة على المنديل الورقيّ انتظر قليلاً لتجفّ، طواه ودخل غرفته ونام" (صفحة 115)

خميرة الحبّ عند اللّبنانيّ هي خميرة لذّة صالحة، يطفو الشهد منها قبلة الألق. فنار العشق تكوي، أكان واقعها بين خدر الهوا وكآبة الحزن، أو في أرجاء المعمورة من شرقها إلى غربها: "هل الحبّ عزف أرواح، والنبض يمارس بينهما رقصة (الفلامينغو) على أحد مسارح مدريد العاصمة حيناً، أو رقصة السّلو أمام برج إيفل أحياناً، وهي الرّقصات التي عرِفتها أثناء فترة دراستها في فرنسا، أو يتماهى مع الدّبكة الجبليّة، التي ما زالت تفاصيلها ماثلة أمام عينيها..." (صفحة 133). لذلك انتقل الحبّ النقي من الآباء إلى الأبناء بكلّ الأحاسيس الجيّاشة الصادقة، وتكلّل هذا الحبّ بزواج الأبناء خلافاً لما حصل مع والدة العروس ووالد العريس: "أوليست أقدارنا الغارقة في العبثيّة تُغنّي، ونحن في حداد... أو تصرخ ألماً ونحن في عزّ رقصة الفرح، فتنزع عنّا رداء اللحظة الجميل، وترميه بخبثٍ في واد أسميناه مجازاً... الحظّ" (صفحة 145). 

بانت قدرة حكمت بشنق على نقل القارئ مع مرور أحداث السنوات في الرواية، من مرحلة المراهقة بعد القسم الأوّل منها، إلى انطلاق الوعي في خدر الشوق الذي لافكاك منه، بدمجه في القسم الثاني قصتي حبّ انتصر اشخاصها على الألم. فلا نمسي أو نصبح مع القراءة، إلّا وسكنات القلب تنطلق إلى تخوم السماء قبل مفاجئة النهاية.  

الأكثر قراءة

لبنان 7/1/2026 5:15:00 AM
يرفض قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل التمييز بين ضابط وآخر، إذ يعملون كلهم تحت مظلة القيادة ولا يُسمح لأي جهة بالتدخل في مهمة أي ضابط.
فن ومشاهير 6/28/2026 12:12:00 PM
بالتوازي مع معايدة الملكة رانيا، هنأ الديوان الملكي الهاشمي الأمير الحسين بعيد ميلاده الثاني والثلاثين.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.
فن ومشاهير 6/29/2026 11:13:00 AM
"لم أتمكن من تجاوز هذه الانتكاسة... نمتُ 11 ساعة مجدداً".