يوسف السودا… حين يتحول الفكر إلى مشروع وطن

يوسف السودا… حين يتحول الفكر إلى مشروع وطن
يوسف السودا.
Smaller Bigger

*فاروق غانم خداج 

سؤال الدولة عند يوسف السودا بين التعدد وبناء الكيان

في زمنٍ كانت فيه فكرة الدولة اللبنانية لا تزال في طور التشكل، برز يوسف حنّا السودا بوصفه أحد الذين اشتغلوا على سؤالها قبل أن تستقر في صيغتها النهائية: كيف يمكن تحويل التعدد إلى كيان سياسي قابل للحياة؟

لا تُختزل الشخصيات التاريخية في أسماء تُضاف إلى الذاكرة، بل في طرائق تفكير تظل مفتوحة على التأويل. وينتمي يوسف حنّا السودا إلى هذا النمط من الفاعلين الذين يُقرأ حضورهم كمحاولة مبكرة لبلورة فكرة الكيان اللبناني.

وُلد في بكفيا، وتلقّى تعليمه في مدرسة الحكمة وجامعة القديس يوسف اليسوعية، قبل أن ينتقل عام 1909 إلى مصر، حيث تخرّج من كلية الحقوق في جامعة الإسكندرية. هناك، تبلور وعيه السياسي في سياق عربي كان يعيد صياغة أسئلة الهوية والاستقلال، فاستقر لديه مبكرًا أن الكيان لا يقوم من دون تصور واضح لمعناه ووظيفته.

من الفكرة إلى بناء الكيان
الاستقلال أولًا

في الإسكندرية، أسّس السودا مع أنطون الجميّل وإسكندر عمّون “الاتحاد اللبناني”، أحد التكوينات التي طالبت بـ”لبنان الكبير”. وانطلق من معادلة لافتة في سياقها التاريخي:
“لبنان الصغير موت اقتصادي، والاتحاد مع سورية موت سياسي”.

من هنا، دعم صيغة لبنان الكبير متعدد الطوائف، مع تصور لعلاقة مع سورية تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام السياسي.

وكان من الأصوات المبكرة التي لم تكتفِ بالمطالبة بالاستقلال، بل قرأته من زاوية الحق في تقرير المصير، رافضًا أي صيغة تُقايض السيادة بالحماية. ومع إعلان الانتداب الفرنسي، تبنّى موقفًا نقديًا واضحًا، معتبرًا أن الانتداب يخدم مصالح اقتصادية محددة ونخبًا إدارية مرتبطة به، في قراءة مبكرة لطبيعة البنية الاستعمارية.

ميثاق سابق لزمانه
مع التحولات السياسية في ثلاثينيات القرن الماضي، طرح عام 1938 مشروع “ميثاق وطني” للتعايش بين اللبنانيين، شاركه في صياغته تقي الدين الصلح والمحامي نصري المعلوف.

يمكن قراءة هذا النص بوصفه تمهيدًا فكريًا لما سيتبلور لاحقًا في تسوية 1943 بين بشارة الخوري ورياض الصلح. ولم يقتصر دوره على التنظير، إذ دعا إلى التظاهر في 11 تشرين الثاني 1943 احتجاجًا على اعتقال قادة الاستقلال، وهو يوم أصبح لاحقًا محطة مفصلية في التاريخ اللبناني.

إرث مفتوح
بعد الاستقلال، شغل مناصب دبلوماسية، بينها وزير مفوّض في البرازيل ثم في الفاتيكان، قبل أن تعيده أزمة 1958 إلى قلب مرحلة سياسية متوترة، تعرض خلالها منزله في بكفيا للحرق.

وقد امتد إنتاجه الفكري من “المسألة اللبنانية” (1910) إلى “في سبيل الاستقلال” (1967) و”تاريخ لبنان الحضاري” (1972)، في مسار طويل يعكس ثبات الاهتمام بإشكالية واحدة: شروط قيام الكيان اللبناني واستمراريته.

لا تتجلى أهمية يوسف السودا في اكتمال مشروعه، بل في إصراره على إعادة طرح الأسئلة المؤسسة رغم تبدّل الأزمنة. فبعض أطروحاته يبقى ابن سياقه التاريخي، غير أن الإشكالية التي شغلته ما تزال حاضرة: كيف يمكن لدولة متعددة أن تحافظ على وحدتها من دون أن تتنكر لتنوعها؟

حين احترق منزله، لم يكن الاستهداف ماديًا فقط، بل رمزيًا أيضًا. وتلك مفارقة كافية لتبقي اسمه في دائرة السؤال لا في أرشيف الإجابات الجاهزة.

*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

الأكثر قراءة

لبنان 7/1/2026 5:15:00 AM
يرفض قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل التمييز بين ضابط وآخر، إذ يعملون كلهم تحت مظلة القيادة ولا يُسمح لأي جهة بالتدخل في مهمة أي ضابط.
فن ومشاهير 6/28/2026 12:12:00 PM
بالتوازي مع معايدة الملكة رانيا، هنأ الديوان الملكي الهاشمي الأمير الحسين بعيد ميلاده الثاني والثلاثين.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.
فن ومشاهير 6/29/2026 11:13:00 AM
"لم أتمكن من تجاوز هذه الانتكاسة... نمتُ 11 ساعة مجدداً".