*فاروق غانم خداج
لم يكن السؤال الذي فتحه أمين الريحاني هتاف الأودية سؤالًا أدبيًا عابرًا، بل كان زلزالًا هادئًا في بنية اللغة العربية: ماذا لو تحرر النثر من الوزن، ولم يتوقف عن أن يكون شعرًا؟
في لحظة مبكرة من القرن العشرين، كتب الريحاني نصوصًا تتحرك خارج التصنيفات الموروثة، وتختبر حدودًا لم تكن بعد قد سُمّيت في النقد العربي.
يتشكل هذا العمل في سياق مهجري واضح، حيث تتداخل التجربة اللبنانية مع الثقافة الأميركية، ولا سيما أثر الشاعر والت ويتمان الذي قدّم نموذجًا للكتابة الحرة القائمة على التدفق والاتساع ورفض القالب المغلق.
في هتاف الأودية لا يكتب الريحاني قصيدة تقليدية، ولا نثرًا وظيفيًا، بل يخلق ما يمكن وصفه بـاللغة الثالثة: كتابة تقع بين الشعر والنثر، لكنها لا تنتمي بالكامل إلى أي منهما.
الطبيعة هنا ليست موضوعًا بل مخاطَبًا؛ الجبل يُنادى، والريح تُستحضر، والوديان تتحول إلى أطراف في خطاب حيّ، لا إلى خلفية وصفية.
هذا التحول من “تمثيل العالم” إلى “مخاطبة العالم” ليس تعديلًا أسلوبيًا، بل انقلاب في طريقة إدراك اللغة لوظيفتها. فالنص لا يصف الواقع بل يعيد إنتاج العلاقة معه داخل بنية لغوية متحركة.
ومع ذلك، فإن هذا الاختراق لا يأتي في إطار وعي تنظيري واضح. الريحاني لا يعلن مشروعًا، ولا ينتمي إلى مدرسة نقدية، بل يكتب داخل التجربة نفسها، حيث تتقدم اللغة أمام الفكر بدل أن تُقاد منه.

النثر بوصفه مختبرًا للوجود
في هذا العمل، لا يعمل النثر كوسيلة نقل معنى، بل كفضاء اختبار. الجملة لا تُغلق عند اكتمالها البلاغي، بل تستمر في التمدد كأنها تفكير يُكتب لحظة حدوثه.
هنا تتراجع البلاغة التقليدية لصالح إيقاع داخلي يعتمد على التدفق والصورة والتجاور الشعوري. فلا حدود صارمة بين التأمل والوصف، ولا فصل بين الفكرة والانفعال، بل نسيج لغوي واحد يتشكل لحظة الكتابة.
وفي مقطع لافت من الكتاب يكتب الريحاني:
"في كل إنسان جذوة من الخير لا يخمدها رماد الغواية..."
وهي جملة لا تُقرأ كحكمة جاهزة، بل كتفكير حيّ يتولد داخل لحظة اللغة نفسها، حيث يصبح النثر أقرب إلى حركة وعي لا إلى تقرير أخلاقي.
وتتحول الطبيعة إلى بنية إدراكية لا إلى مشهد. فهي ليست موضوع النص، بل جزء من وعيه. وهذا ما يمنح التجربة طابعًا كونيًا يتجاوز الرومانسية العربية في حدودها المحلية نحو رؤية إنسانية أوسع.
لكن هذا الانفتاح لا يخلو من توتر فني. فالنص يتراوح بين مقاطع عالية الكثافة وأخرى أقرب إلى الخطاب المباشر، ما يجعله غير متوازن من حيث البناء، لكنه شديد الأهمية من حيث التجريب.
الريحاني بين من سبق ومن أسّس
تفرض قراءة هتاف الأودية التمييز بين التمهيد والتأسيس. فالريحاني لم يبلور مفهوم قصيدة النثر، لكنه مارس كتابة كسرت فعليًا حدود الوزن، ودفعت النثر نحو منطقة لم تكن معروفة في سياقها التاريخي.
هذا الموقع يصبح أكثر وضوحًا عند مقارنته بجيل مجلة شعر، حيث تتحول قصيدة النثر إلى مشروع واعٍ له بيان ومصطلح.
مع أنسي الحاج، خصوصًا في ديوانه لن، يصبح النص إعلانًا جماليًا صريحًا عن القطيعة مع الوزن، لا مجرد تجربة حدسية.
ويزداد هذا الفارق وضوحًا حين نقرأ مقاطع من قصيدة “إلى الله” عند الريحاني، حيث يكتب:
"عبثاً طلبتك في أديان الناس / عبثاً بحثت عنك في سرادب عقائد الناس..."
هنا لا نواجه شعرًا موزونًا، ولا نثرًا تفسيريًا، بل خطابًا يتكسر داخل ذاته، في منطقة وسطى تُجسّد بدقة فكرة “اللغة الثالثة” التي يفتحها هذا الكتاب.
لكن قيمة الريحاني لا تُقاس بمدى مطابقته للمفاهيم اللاحقة، بل بكونه فتح إمكانية لم تكن متاحة: إمكانية أن يكون النثر حاملًا لطاقة شعرية دون أن يتحول إلى شعر موزون.
وهذا السؤال لا يزال يُطرح كلما وقف كاتب عربي أمام الورقة البيضاء يتساءل: أين تنتهي الجملة وتبدأ القصيدة؟
خاتمة
يمكن قراءة هتاف الأودية بوصفه لحظة اختراق مبكرة في تاريخ الكتابة العربية الحديثة. فهو لا يقدم نموذجًا مكتملًا، بل يفتح أفقًا جديدًا أمام اللغة لتختبر حدودها.
في هذا المعنى، لا تكمن أهميته في الإجابة، بل في طرح السؤال نفسه قبل أن يصبح سؤالًا نقديًا مستقرًا. وهكذا يظهر الريحاني لا كمؤسس مباشر، بل كممهّد بعيد المدى لحداثة شعرية ستتبلور لاحقًا حين تصبح حرية اللغة موضوعًا للكتابة لا مجرد وسيلتها.
*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
نبض