يوسف يونان طراد: صلاة النقد وقلق الانطباع

يوسف يونان طراد: صلاة النقد وقلق الانطباع
الأديب والناقد اللبناني يوسف يونان طراد
Smaller Bigger
* فاروق غانم خداج

فاز الأديب والناقد اللبناني يوسف يونان طراد بجائزة الاستحقاق عن نصه «صلاة ناقد» ضمن جوائز ناجي نعمان الأدبية، في لحظة لا تُقرأ بوصفها تكريمًا فرديًا فحسب، بل بوصفها مناسبة لإعادة طرح سؤال النقد في الثقافة العربية: هل هو ممارسة معرفية منظمة تستند إلى أدوات ومنهج، أم تجربة وجودية تتشكل داخل الذات، بين الذاكرة والانفعال، وبين القراءة وإعادة تشكيل الذات عبر النص؟

ينطلق نص «صلاة ناقد» من عتبة سيرية ذات دلالة تأسيسية، حيث لا يبدأ الكاتب من موقع المعرفة، بل من هشاشة التعلّم الأولى، حين تتعثر الكتابة في بدايتها:

"تعلّمت الكتابة في المدرسة. كأنّي ما تعلّمت. القلم في يدي يخربش ولا يكتب".

في هذه الجملة الافتتاحية، لا يُقدَّم فعل الكتابة كمهارة مكتسبة، بل كارتباك وجودي يسبق المعرفة نفسها. إنها لحظة تعرية أولى، يُستبدل فيها يقين التعلّم بشكّ التكوين، وكأن النص منذ بدايته يعلن أن النقد لاحقٌ على الخلل الأول في العلاقة مع اللغة.

ويأتي حضور الأستاذ في هذا السياق بوصفه نقطة انعطاف، لا لأنه يقدّم معرفة منهجية، بل لأنه يمنح الاعتراف الأول بإمكان الموهبة، عبر عبارة تختزل علاقة مبكرة بين الكتابة والشرعية:
"الذنب ليس ذنبك، فلم يكتشف موهبتك أحدٌ".

هنا يتشكل جوهر الإشكال: النقد ليس مجرد حكم لاحق على النص، بل لحظة اكتشاف تُعيد توزيع القيمة بين الممكن والمكتوب، بين الكامن والمعلن.

يتحوّل هذا المسار تدريجيًا نحو تصور أوسع للكتابة بوصفها امتدادًا للذات، لا ممارسة منفصلة عنها. فالنقد، كما يتبدّى في النص، ليس جهازًا خارجيًا محايدًا، بل ذاكرة متراكمة من الانطباعات، يعيد الكاتب تنظيمها داخل خطاب واحد:
"لا أحمل في دواخلي إلّا انطباعي عن كل حادثة مرّت في حياتي منذ الصغر".

بهذا المعنى، لا يعود النقد عملية تفكيك للنصوص فحسب، بل إعادة كتابة مستمرة للذات عبر ما تقرأه وتختزنه وتعيد تأويله.
لكن هذا التصور لا يُقدَّم بوصفه يقينًا مغلقًا، بل يُستدرج إلى منطقة سؤال داخلي يفتح الشك على بنيته نفسها، حين يطرح النص بإلحاح إشكاليته المركزية:
"ما جدوى النقد الانطباعي؟ أتراه أدبًا أم علمًا؟"

في هذه اللحظة، يتوقف الخطاب عن كونه توصيفًا لتجربة، ويصبح تفكيرًا في شروط تلك التجربة نفسها. لا إجابة نهائية تُقدَّم، بل اهتزاز في التصنيف، يضع النقد بين حقلين لا يكتمل أيٌّ منهما: العلم الذي يطلب الصرامة، والأدب الذي يمنح الذات حرية الانزلاق.

في المقابل، يعلن النص مسافة واعية من المرجعيات النقدية الكلاسيكية والحديثة، من ابن سلام الجمحي إلى فرويد والمدارس البنيوية والماركسية، من دون أن يكون ذلك رفضًا للمعرفة بقدر ما هو انحياز لطريقة قراءة تقوم على المباشرة والانطباع. غير أن ما يُسمّى هنا “بساطة القراءة” لا يظهر كاختزال، بل كاختيار تأويلي يضع التجربة قبل المفهوم، والانفعال قبل النسق.

لكن الإشكال الأعمق الذي يطرحه «صلاة ناقد» لا يتعلق بمدى مشروعية هذا الخيار، بل بحدود النقد ذاته: هل يمكن للنقد أن يظل ممارسة موضوعية منفصلة عن الذات، أم أنه محكوم دائمًا بذاكرة القارئ وتجربته الخاصة؟ في هذا السؤال تتكثف بنية النص، الذي لا يقدّم نموذجًا جاهزًا بقدر ما يفتح منطقة تفكير معلّقة.

من هنا، لا يبدو النص محاولة لتأسيس مدرسة نقدية، بل تأملًا في شرط الناقد نفسه: هل هو قارئ يملك أدوات، أم ذات تقرأ العالم من خلال نصوصه؟ بهذا الانزياح، يتحول الناقد من وظيفة إلى كينونة، ومن أداة إلى تجربة.

في هذا السياق، يندرج فوز يوسف يونان طراد ضمن لحظة ثقافية تعيد الاعتبار للنص بوصفه مساحة مفتوحة على تعدد القراءات، وهو ما ينسجم مع فلسفة جوائز ناجي نعمان التي تقوم على الانفتاح اللغوي والثقافي، وإتاحة الاعتراف للنصوص بعيدًا عن تصنيفات المركز والهامش، لصالح معيار واحد هو حضور الكتابة نفسها.
غير أن القيمة الحقيقية لـ«صلاة ناقد» لا تكمن في كونه نصًا فائزًا، بل في كونه نصًا يُعيد مساءلة النقد من داخله، ويضع الانطباع في مواجهة السؤال المنهجي دون أن يحسم لصالح أي منهما. إنه نص يشتغل على المنطقة الرمادية بين المعرفة والتجربة، بين النظرية والحس، دون أن يدّعي امتلاك جواب نهائي.

وهكذا، لا يُقرأ «صلاة ناقد» بوصفه بيانًا نقديًا مكتمل البناء، بل بوصفه تمرينًا على التفكير في النقد نفسه، وعلى إعادة تعريف العلاقة بين القارئ والنص، حيث لا يعود أيٌّ منهما ثابتًا، بل يتحولان معًا إلى عملية مستمرة من التشكل.

بهذا المعنى، يظل النص أقرب إلى صلاة فكرية مفتوحة، لا تُغلق على يقين، بل تُبقي السؤال حيًّا:
هل يكفي أن نكتب عن النقد لكي نمارسه، أم أن النقد لا يتحقق إلا حين يصطدم مباشرة بالنصوص التي يزعم فهمها؟

* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

الأكثر قراءة

لبنان 7/1/2026 5:15:00 AM
يرفض قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل التمييز بين ضابط وآخر، إذ يعملون كلهم تحت مظلة القيادة ولا يُسمح لأي جهة بالتدخل في مهمة أي ضابط.
فن ومشاهير 6/28/2026 12:12:00 PM
بالتوازي مع معايدة الملكة رانيا، هنأ الديوان الملكي الهاشمي الأمير الحسين بعيد ميلاده الثاني والثلاثين.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.
فن ومشاهير 6/29/2026 11:13:00 AM
"لم أتمكن من تجاوز هذه الانتكاسة... نمتُ 11 ساعة مجدداً".