مسرحية "الوحش"... النفس يوم تواجه ندوبها
مسرحية جدّية تستحق الحضور والإصغاء والنقاش، وتعكس رغبة حقيقية في مقاربة الجروح الإنسانية بلغة صادقة.
استغرقني نحو شهر لأكتب عن "الوحش". لا لأنّ الانطباع كان حاسماً منذ اللحظة الأولى، ولكن لأن هذا النوع من الأعمال يفرض على المتفرّج مسافة زمنية قبل إصدار حكمه. ليست المسرحية، المقتبسة عن نص الكاتب الأميركي جون باتريك شانلي "داني والبحر الأزرق العميق" من العروض التي تُهضم فور إسدال الستارة، بل تنتمي إلى النوع الذي يواصل عمله في الذاكرة والنفس، حتى وإن لم ينجح دائماً في تحويل كثافته الفكرية والنفسية إلى تجربة مسرحية متماسكة بالقدر نفسه. ولهذا يصعب اختزاله في انطباع سريع، خشية أن يُساء فهمه.
يختار المخرج جاك مارون أن يضع شخصيتين مثقلتين بالماضي في مواجهة مباشرة داخل فضاء شبه مغلق، ليتحول لقاؤهما العابر إلى مساحة اعتراف طويلة. لا يسعى العرض إلى تقديم قصة حب تقليدية، بقدر ما يقترب من محاولة لفهم إنسانين شوّهتهما الحياة، وجعلهما الخوف والنبذ والعنف عاجزين عن بناء علاقة طبيعية مع الذات أو مع الآخر. ويستمدّ العمل أهميته من هذه الفكرة؛ إذ إنّ "الوحش" نتاج التجارب القاسية أكثر منه صفة فطرية.

غير أنّ قوة النص الأصلي تكشف في الوقت نفسه عن التحدي الأكبر الذي يواجه العرض. فالمسرحية تعتمد بالكامل تقريباً على الحوار والانكشاف النفسي، ما يجعل الإيقاع عرضة للتفاوت بين مشهد وآخر. ثمّة لحظات تبلغ فيها المواجهة الإنسانية ذروتها، وتنجح في شدّ انتباه الجمهور، يقابلها أحياناً امتداد في بعض الحوارات كان يمكن اختصاره أو إعادة ضبطه، حفاظاً على التوتر الدرامي ومنعاً لتراجع الإيقاع.
أما على مستوى الأداء، فتقدم كارول عبود شخصية "بيرتا" بحساسية واضحة، مستفيدة من خبرتها في الإمساك بالتفاصيل الداخلية للشخصية. تنجح في نقل هشاشتها وانكساراتها من دون الوقوع في المبالغة. يقابلها دوري السمراني الذي يخوض دوراً بالغ الصعوبة، قوامه التوازن الثقيل بين العنف والانكسار. يُظهر التزاماً واضحاً ببناء الشخصية، إلا أن التحوّلات النفسية التي يمرّ بها "داني" بدت أحياناً أسرع من أن تُقنع بالكامل، من دون أن ينتقص ذلك من جدّية الأداء أو حضوره على الخشبة.

يحافظ جاك مارون على بساطة الفضاء المسرحي، ويمنح النص والممثلين المساحة الأساسية. ورغم الاقتصاد البصري، نجح العرض في خلق مناخ يواكب التوتر الداخلي للشخصيتين، حتى وإن فقد تماسكه الإيقاعي في بعض المحطات.
مع ذلك، تبقى قيمة "الوحش" في الأسئلة التي يطرحها أكثر من الأجوبة التي يقدّمها. فهو عمل يناقش أثر الصدمات، والشعور بالذنب، وإمكان الخلاص عبر الاعتراف والقبول، من دون أن يقع كلّياً في المباشرة أو الوعظ. وربما لا يحقق العرض جميع الطموحات التي يَعِد بها نصّه، لكنه ينجح في تقديم تجربة مسرحية جدّية تستحق الحضور والإصغاء والنقاش، وتعكس رغبة حقيقية في مقاربة الجروح الإنسانية بلغة صادقة.
قد لا تكون "الوحش" من تلك المسرحيات التي تخرج منها مبهوراً، لكنها أيضاً ليست عملاً سهلاً يمكن تجاوزه بسهولة. هي تجربة تزداد وضوحاً مع مرور الوقت، ترفض أن يُقاس المسرح بوقعه الآني، وتؤمن بقدرته على دفع المتفرّج إلى التفكير بعد انتهاء العرض. والأهم، أنّها مسرحية شخصية تتيح لكل متفرّج أن يعثر على شيء من نفسه فيها، وأن يقرأ شخصياتها من زاوية خبراته وإسقاطاته النفسية. وربما لهذا يصعب الحديث عنها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نبض